في زمن الانكسارات الكبرى، يصبح التمسك بالأمل فعل مقاومة لا يقل شأنًا عن مواجهة الدبابة أو التصدي للطائرة. فما يسعى عدونا إلى تحقيقه ليس فقط هدم البيوت وتجريف الحقول وقتل الأطفال وتشريد العائلات، بل الأخطر من ذلك : قتل الروح، ونزع الثقة من قلوبنا، وإقناعنا أن لا مستقبل ينتظرنا سوى الركوع أمام مشاريعه الاحتلالية ومخططاته التقسيمية. عامان من الجحيم لم يُبقيا جدارًا إلا وهُدم، ولا شجرة إلا وأُحرقت، ولا بيتًا إلا وخُتم بالشمع الأسود للتهجير والدمار. ومع ذلك، ورغم مشهد الدماء والركام، لا يزال الفلسطيني حيًا بأحلامه، متجذرًا كغصن الزيتون، ثابتًا كجذور الصبّار في أرضه. كل ما أراده القتلة أن يطفئوا شعلة الحياة فينا، فإذا بها تتقد أكثر وسط الدمار، لتؤكد أن شعبًا آمن بعدالة قضيته لا يمكن أن يُكسر. خطورة اللحظة لا تكمن فقط في حجم الجرائم التي تُرتكب بحقنا، بل في ما يُراد فرضه علينا من سيناريوهات "اليوم التالي": تهجير سكان القطاع قسرًا، تعويضهم بعملة رقمية رخيصة، وبناء مدن ترفيهية وسياحية على ركام بيوتهم وأشلاء ضحاياهم. إنها جريمة مركبة: إبادة جسدية، واقتلاع إنساني، ثم محاولة محو الذاكرة وتزييف الجغرافيا. لكن أي عقلٍ يصدق أن تاريخًا عمره آلاف السنين يُمحى بقرار سياسي أو استثمار سياحي؟ وسط هذا السواد، يبرز الأمل كأصلب سلاح في أيدينا. أن نزرع بذوره بين الأنقاض، وأن ننثر وعيه في الأجيال، وأن نثبت للعالم أن الفلسطيني لم يعد ضحية صامتة، بل فاعل يصوغ مستقبله بدمه وصبره وإرادته. الأمل ليس وهمًا، بل مشروع حياة. وكل خطوة في صموده، كل ابتسامة لطفل ينجو من القصف، كل غصن زيتون يُعاد زرعه بعد الحرق، هي إعلان صريح أن الاحتلال زائل وأن هذه الأرض لا تقبل الغريب. لقد أثبتت التحولات الدولية أن إسرائيل لم تعد قادرة على خداع الرأي العام كما في السابق. عزلة سياسية تتسع، إدانات أخلاقية تتكاثر، وصورة قاتمة تُرسم لها في كل محفل. هذه نافذة تاريخية يجب أن نستغلها. فلا يكفي أن نكتفي بتعداد الضحايا واستحضار الألم، بل علينا أن نترجم التضحيات إلى مكتسبات، وأن نُحوّل الدم إلى رافعة سياسية، والصمود إلى برنامج وطني جامع. ولن يتحقق ذلك إلا إذا أوقفنا نزيف الانقسام الداخلي، وأسكتنا لغة المهاترات والمكايدات التي لم تجلب لنا سوى الضعف والانكشاف. إن شعبًا ينزف يوميًا يحتاج من قياداته أن تكون على مستوى اللحظة، وأن تنظر إلى المستقبل بعين البصيرة لا بعين الحسابات الضيقة. ما حدث كان سيحدث، لكن ما سيحدث غدًا رهن بإرادتنا نحن، وبقدرتنا على توحيد طاقاتنا وتجييرها لصالح مشروع التحرر الوطني. إن اللحظة الراهنة تفرض علينا جميعًا –قيادةً وشعبًا– أن نُحوّل الصمود إلى برنامج، والتضحيات إلى إنجازات، والغضب إلى مشروع وطني شامل، يُنهي الانقسام، ويُعيد بناء الثقة مع شعبنا والعالم، ويضع قضيتنا في موقعها الطبيعي: قضية حرية شعب يرفض الإبادة ويصر على الحياة. فلنتمسك بخيار الوحدة والعمل المشترك، ولنجعل من الأمل سلاحنا الأشد صلابة، لأنه لا يفلّ اليأس إلا حديد الأمل.





شارك برأيك
الأمل أصلب من اليأس