فلسطين

الثّلاثاء 02 سبتمبر 2025 9:12 صباحًا - بتوقيت القدس

خطة "اليوم التالي" الأمريكية.. وصاية استعمارية مقنّعة وشرعنة للتهجير بواجهة اقتصادية

خاص بـ"القدس" و"القدس" دوت كوم

د. حسن أيوب: العمل على هذه الخطة بدأ منذ بدء العدوان على القطاع ليصبح بقعة معزولة يمكن لاحقاً ربطها بمشاريع رأس المال الغربي

د. أحمد رفيق عوض: توقيت تسريب الخطة قبيل انعقاد اجتماعات الجمعية العامة يهدف لتجويف فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية

د. عبد المجيد سويلم: الإدارة الأمريكية تضغط من أجل حسم عسكري يتيح لإسرائيل إنهاء المقاومة ثم نقل إدارة القطاع مباشرة إلى واشنطن

د. جمال حرفوش: المخطط أُعد مسبقاً داخل مراكز التفكير الاستراتيجي الأمريكية والإسرائيلية وكان ينتظر "الذريعة" المناسبة لتسويقه

رهام عودة: تطبيق هذا المخطط يمثل محاولة لإفشال أي تحرك دولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية أو إقامتها في المستقبل

د. عمرو حسين: أي مشاريع للإعمار يجب أن تُبنى على أساس حق الشعب الفلسطيني في أرضه وسيادته لا على محاولات للهندسة الديموغرافية


في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تكشّفت ملامح مخطط خطير بوصاية أمريكية يُحاك لمستقبل "اليوم التالي" للحرب في قطاع غزة، ضمن رؤية تقوم على تحويل القطاع إلى "منطقة استثمارية وعقارية" خالية من سكانها، في نموذج عملي لتصفية الوجود الفلسطيني جغرافياً وتاريخياً، وإخراج عزة خارج الدولة الفلسطينية.

 ووفق كتاب ومحللين ومختصين وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، فإن هذا المخطط، الذي جرى بحثه في واشنطن في اجتماعات أمريكية بمشاركة رموز إسرائيلية ودولية، يُقدم تحت غطاء إعادة الإعمار، لكنه في جوهره يمثل وصاية استعمارية مقنعة تهدف إلى عزل غزة وربطها لاحقاً بمشاريع رأس المال الغربي والأطماع في ثرواتها.

ويؤكدون أن هذا المخطط ليس مجرد إعادة الإعمار، بل يحمل أبعاداً ديموغرافية وأمنية وثقافية مدمرة، تهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها عبر تهجير مقنّع تحت مسميات "هجرة طوعية" أو منح تعويضات رمزية، كما يسعى لخلق كيان سياسي منفصل في غزة، تحت إدارة وصاية أجنبية مباشرة، مع الاحتفاظ بسيطرة أمنية رقمية إسرائيلية، وتحويل القضية من قضية تحرر وطني إلى ملف استثماري إنساني. 

يكشف التوقيت المتعمد لتسريب هذا المخطط قبيل انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، أبعاده السياسية الخطيرة، التي تهدف إلى تجويف فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية وإفشال أي تحرك دولي في هذا الاتجاه.


"منطقة استثمارية وعقارية" خالية من سكانها


يحذّر أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي، د. حسن أيوب، من خطورة  "المخطط الأمريكي– الإسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية"، والذي تجلّى في الاجتماع الذي عقدته الإدارة الأمريكية قبل أيام بمشاركة جاريد كوشنر وتوني بلير ورموز من حكومة الاحتلال بينهم وزير الخارجية جدعون ساعر ومستشار نتنياهو رون ديرمر، في ظل تغييب كامل للفلسطينيين والعرب عن طاولة النقاش.

ويوضح أيوب أن ما جرى في الاجتماع يعكس انتقال الأفكار التي طرحها كوشنر منذ الأسابيع الأولى لحرب الإبادة في غزة إلى مستوى أكثر وضوحاً، حيث تحدث حينها عن تحويل القطاع إلى "منطقة استثمارية وعقارية" خالية من سكانها.

ويشير أيوب إلى وجود كوشنر في مستوطنات غلاف غزة في الأسابيع الأولى من الحرب وتوصيفه للقطاع كمشروع استثماري مثالي، بما يكشف بجلاء الطابع الوحشي للرأسمالية المتحالفة مع الفكر الفاشي. 


أيديولوجيا تطهيرية تقوم على القتل والإبادة


ويؤكد أيوب أن هذه ليست مجرد "رأسمالية متوحشة" على النمط التقليدي في القرن التاسع عشر، بل منظومة مدعومة بأيديولوجيا تطهيرية تقوم على القتل والإبادة.

ويبيّن أيوب أن الخطة التي يجري النقاش حولها، بما في ذلك إنشاء صندوق جديد على غرار "صندوق إعمار غزة" إنما تعكس نموذجاً عملياً لتصفية الوجود الفلسطيني، وهو ما يفسر إصرار حركة حماس في المفاوضات على إقصاء الصندوق الحالي من إدارة المساعدات، بينما تتمسك واشنطن وتل أبيب ببقائه.

ويرى أيوب أن ما يجري "بروفة" لما هو قادم: فرض خيارات على الفلسطينيين إما بقبول شقق سكنية بدلاً من أراضيهم أو الحصول على مبالغ مالية "تافهة مقابل الأوطان".

ويؤكد أيوب أن هذه الخطة ليست وليدة الأيام الأخيرة، بل بدأ العمل عليها منذ اللحظة الأولى للعدوان الإسرائيلي على غزة، بهدف إخراج القطاع جغرافياً وإدارياً ومؤسسياً وحتى تاريخياً من فلسطين، ليصبح مجرد بقعة معزولة يمكن لاحقاً ربطها بمشاريع رأس المال الغربي.


مخطط "الممر الاقتصادي"


ويشير أيوب إلى أن هذا يتقاطع مع المخططات المعلنة سابقاً حول "الممر الاقتصادي" الذي يربط الهند بالخليج وإسرائيل وصولاً إلى أوروبا، إضافة إلى الأطماع في السيطرة على الغاز الفلسطيني قبالة سواحل غزة.

ويؤكد أيوب أن الإدارة الأمريكية منحت نتنياهو "ضوءاً أخضر" للاستمرار في عملياته العسكرية والإبادة الجماعية من أجل تمهيد الطريق لعمليات تهجير واسعة لسكان غزة، بالتوازي مع مخططات تهجير داخلي في الضفة الغربية، خصوصاً في مناطق "ج"، بما يتيح لإسرائيل فرض السيادة على أكثر من 60% من أراضي الضفة.

ويشدد أيوب على أن ما يجري لا يرتبط بملف الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو حل الدولتين، لأن الإدارة الأمريكية سلّمت منذ زمن بسقوط هذه الخيارات، وتركَت الملف الفلسطيني كاملاً بيد نتنياهو ليقرر مصيره.


تدمير الإرث التاريخي والثقافي والاجتماعي


ويرى أيوب أن الكارثة تتجاوز الإبادة البشرية لتشمل تدمير الإرث التاريخي والثقافي والاجتماعي للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، في جريمة "لم يشهد لها التاريخ مثيلاً".

ويؤكد أيوب أن قرار واشنطن منع الرئيس محمود عباس ووفده من حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة يوضح بجلاء الموقف الأمريكي: تجاهل السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وكل تمثيل سياسي فلسطيني، لصالح مشروع تصفية شامل يخرج غزة من المعادلة ويمنح إسرائيل اليد الطولى في إعادة تشكيل المشهد كاملاً والسيطرة على الضفة الغربية.


افتراضات غير واقعية


يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن ما نشرته صحيفة "واشنطن بوست" حول الخطة الأمريكية لما بعد الحرب في غزة، لا يعدو كونه "تمريناً ذهنياً" أو "خطة خيالية"، تقوم على افتراضات غير واقعية، أبرزها انتصار إسرائيل، وتعاون الإقليم العربي في تنفيذ المشروع، وقبول الفلسطينيين به، فضلاً عن ثبات السياسات الأمريكية والحكومة الإسرائيلية.

ويوضح عوض أن توقيت تسريب هذه الخطة، قبيل انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول لم يكن عابراً، بل جاء لأسباب سياسية تتصل بتجويف فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية. 

ويشير عوض إلى أن الخطة الأمريكية تنزع قطاع غزة من إطار الدولة الفلسطينية المرتقبة، وتضغط على السلطة الفلسطينية في ظل حزمة من الضغوط الأخرى مثل التوسع الاستيطاني والضم في الضفة الغربية، بما يدفعها لطلب منع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية خشية خسائر سياسية كبيرة قد تهدد وجودها.


 "مشروع أمريكي أكبر" وليس مجرد سياسة إسرائيلية ضيقة


ويرى عوض أن نشر الخطة يرتبط أيضاً بمسعى الحكومة الإسرائيلية لشرعنة قرارها احتلال قطاع غزة، بحيث يبدو هذا الاحتلال جزءاً من "مشروع أمريكي أكبر"، وليس مجرد سياسة إسرائيلية ضيقة. 

ووفق عوض، فإن ذلك يمنح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ورقة قوة أمام جمهوره الداخلي، عبر إظهار نفسه منفذاً لسياسات دولية كبرى.

ويشير عوض إلى أن الخطة الأمريكية تشكل في جوهرها صفعة قوية للجهود العربية والدولية الرامية إلى إيجاد بدائل للحل السياسي، سواء عبر المبادرة العربية أو المساعي الأوروبية والمصرية، واصفاً إياها بأنها "إدارة ظهر كاملة" لكل هذه الجهود.


خطة "طارئة" تعكس ارتباك البيت الأبيض


وبرأي عوض، فإن هذه الخطة ليست راسخة أو مدروسة بعناية، بل "طارئة" وتعكس ارتباك البيت الأبيض، كما تكشف ارتباك إسرائيل ذاتها في تصورها لـ"اليوم التالي" في غزة. فإسرائيل لا تريد غزة بوجود حركة حماس أو سكانها، بل تسعى لإعادة تشكيلها وفق منطق استيطاني توراتي يختلف تماماً عن فكرة "الريفييرا" ذات الطابع الاستعماري الإمبريالي الغربي.

ويؤكد عوض أن الخطة تحمل قدراً كبيراً من السذاجة والتفاؤل المفرط، إذ تفترض أن الزمن والنتائج والداعمين سيسيرون جميعاً في اتجاه يخدمها، وهو "هندسة متوهمة للمكان والزمان والإنسان"، مؤكداً أنها لن تنجح في الواقع.


تجاوز حدود الإعمار نحو مشروع سياسي خطير


يرى الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن الخطة الأمريكية المتعلقة بما يسمى "اليوم التالي" قطاع غزة تتجاوز حدود الإعمار أو إعادة البناء، لتذهب نحو مشروع سياسي خطير يقوم على وضع القطاع تحت وصاية أو إدارة مباشرة للولايات المتحدة، بمشاركة محتملة لبعض الدول العربية تحت مسميات وذرائع مختلفة.

ويوضح سويلم أن هذا التوجه ليس جديداً، بل يرتبط بمشروع أوسع تبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، عندما طرح فكرة غزة "الريفييرا"، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية تضغط اليوم من أجل حسم عسكري يتيح لإسرائيل إنهاء المقاومة في غزة، ومن ثم نقل إدارة القطاع مباشرة إلى واشنطن. 

ويؤكد سويلم أن الاجتماع الأخير في واشنطن، بمشاركة جاريد كوشنر وتوني بلير، لم يكن مجرد تبادل أفكار، بل لوضع "لمسات محددة وملموسة" على ما يسمى بخطة "اليوم التالي".


تهجير واسع أو خلق معازل سكانية داخل القطاع


ويؤكد سويلم أن الخطة تقوم على تهجير واسع أو خلق معازل سكانية داخل القطاع، تمهيداً لتحويله إلى منطقة استثمار عقاري خاص ومميز، مع أطماع موازية في غاز غزة وثرواته البحرية. 

وبرأي سويلم، فإن مسألة الغاز، رغم عدم طرحها علناً، حاضرة في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، سواء عبر مصادرته أو اقتسام عائداته تحت غطاء مشاريع "إعادة الإعمار".

ويشير سويلم إلى أن المشروع الأمريكي لغزة يعود بجذوره إلى ما قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مستشهداً بمؤتمر مجموعة العشرين الذي أعلنه الرئيس الأمريكي جو بايدن حول "الممر الهندي" الذي يهدف لمواجهة الصين ودمج إسرائيل في محور اقتصادي ضخم يمتد من الهند إلى أوروبا مروراً بالشرق الأوسط. 

ويؤكد سويلم أن الخرائط التي عرضها نتنياهو قبل السابع من أكتوبر 2023، أوضحت غياب فلسطين تماماً، بما في ذلك قطاع غزة الذي اعتُبر أحد ممرات هذا المشروع.


الهدف النهائي "تهشيم الكيانية الوطنية الفلسطينية"


ويعتبر سويلم أن هذه الرؤية تعكس "أيديولوجيا السيطرة والهيمنة" لدى المحافظين الجدد ودوائر ترمب، تقوم على الاستيلاء والإقصاء، وتوظف خطاباً عقارياً واستثمارياً لتغطية نزعة استعمارية متوحشة. 

ويؤكد سويلم أن الهدف النهائي هو "تهشيم الكيانية الوطنية الفلسطينية" بكل أشكالها، سواء السلطة الفلسطينية أو منظمة التحرير الفلسطينية أو أي بديل محتمل، باعتبار أن وجود أي كيان وطني قد يعرقل هذه المخططات.

ويعتقد سويلم أن الخطة الأمريكية- الإسرائيلية تمثل عملية مباشرة لتدمير المشروع الوطني الفلسطيني وإجهاض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما يشكل "معركة وجودية بالنسبة للمشروع الصهيوني في صيغته الفاشية الراهنة".


إعادة إنتاج لمفهوم الوصاية الاستعمارية المقنّعة


يؤكد أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د. جمال حرفوش أن ما كشفته صحيفة واشنطن بوست بشأن المخطط الأمريكي–الإسرائيلي لما يُعرف بـ"اليوم التالي" في غزة لا يمكن اختزاله في كونه مجرد خطة لإعادة الإعمار، بل هو إعادة إنتاج لمفهوم الوصاية الاستعمارية المقنّعة التي شهدها القانون الدولي عقب الحربين العالميتين حين أُخضعت أراضٍ كاملة لإدارة صناديق استئمانية أجنبية.

ويوضح حرفوش أن المخطط ينطوي على دلالات قانونية وسياسية بالغة الخطورة، إذ إنه في بعده القانوني، فإن فكرة إجلاء السكان تحت غطاء "الهجرة الطوعية" مقابل تعويضات رمزية تمثل جريمة ترحيل جماعي بموجب المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، أما تحويل غزة إلى "ريفييرا سياحية" أو "مركز للتكنولوجيا الفائقة" من دون سكانها الأصليين، فهو انتهاك صريح لمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير المنصوص عليه في العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. 

ويؤكد حرفوش أن الحديث عن منح الفلسطينيين "رموزًا رقمية" بديلة عن أرضهم يُعد التفافاً على مبدأ الملكية غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني الذي أكدته الأمم المتحدة مرارًا منذ القرار 3236 لعام 1974.


 مشروع للهندسة الديموغرافية


ويصف حرفوش المخطط بأنه مشروع للهندسة الديموغرافية يهدف إلى تفريغ الأرض من أصحابها الشرعيين، وتحويل غزة من قضية وطنية إلى ملف استثماري عابر للحدود. 

ويرى حرفوش أن القراءة المتأنية لبنية هذا المخطط المالية والمؤسسية تكشف أنه لم يُكتب عشوائيًا، بل أُعد مسبقًا داخل مراكز التفكير الاستراتيجي الأمريكية والإسرائيلية، وكان ينتظر "الذريعة" المناسبة لتسويقه: حرب إبادة، أو انهيار إنساني، أو فراغ سياسي.

ويشير حرفوش إلى أن أثر المخطط على مشروع الدولة الفلسطينية خطير ومزدوج، إذ يقوض إمكانية إقامة دولة مستقلة عبر إفراغ غزة من سكانها ووضعها تحت وصاية أجنبية، ما يعيد الوضع إلى ما قبل أوسلو، بل أسوأ، كما يعمّق سياسة التجزئة بفصل غزة عن الضفة الغربية سياسيًا وديموغرافيًا، ويشرعن الترحيل الجماعي تحت لافتة "إعادة الإعمار"، بما قد يشكل سابقة قابلة للتكرار في مناطق أخرى.

ويؤكد حرفوش أن هذه الخطة ليست عابرة ولا مؤقتة، بل تمثل استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تعريف الصراع الفلسطيني من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني–استثماري تُديره وصاية أجنبية، وهو ما يتعارض تمامًا مع قواعد القانون الدولي الآمرة.


رؤية استثمارية وأمنية وسياسية وثقافية خطيرة


تؤكد الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن المخطط الذي كشفته صحيفة (واشنطن بوست) مؤخراً، والمتعلق بمستقبل "اليوم التالي" في قطاع غزة، يحمل أبعاداً متعددة تتجاوز إعادة الإعمار، وتكشف عن رؤية استثمارية وأمنية وسياسية وثقافية خطيرة تهدف إلى استغلال القطاع وتحويله إلى مشروع استثماري أمريكي–إسرائيلي بعيداً عن أي اعتبارات للحقوق الفلسطينية.

وتوضح عودة أن البعد الأول لهذا المخطط هو البعد الاستثماري والتجاري، حيث يسعى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بالتعاون مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى استغلال أموال الإعمار الدولية وتحويل غزة إلى وجهة استثمارية دولية في مجالات السياحة والتكنولوجيا والعقارات. 

وتبين عودة أن ذلك يتم عبر منح شركات إسرائيلية وأمريكية فرصاً ضخمة لبناء مدن ذكية ومنتجعات سياحية، بما يدر أرباحاً هائلة لصالح الإسرائيليين ورجال الأعمال المقربين من ترمب، فيما يكون الثمن على حساب الفلسطينيين أصحاب الأرض والحقوق.

وتؤكد عودة أن هناك أبعاداً ديموغرافية واضحة، إذ يهدف المخطط إلى تقليص عدد أهالي القطاع من خلال تشجيع الفلسطينيين على الهجرة مقابل تعويضات متواضعة لا تتناسب مع القيمة الحقيقية لأراضيهم، أو عبر منح شقق صغيرة في المدن الذكية المزمع إنشاؤها مقابل التنازل عن الأراضي، ما يعمق عملية التهجير المقنّع.

أما على الصعيد الأمني، فتشير عودة إلى أن إسرائيل تسعى للاحتفاظ بوجود أمني غير مباشر في القطاع، عبر ربط المدن الجديدة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، ما يسمح لها بالاختراق والرقابة الرقمية والسيطرة الأمنية عن بُعد.

وفي البعد السياسي، ترى عودة أن الخطة تعكس توجهاً أمريكياً–إسرائيلياً لخلق كيان سياسي جديد في غزة منفصل عن الضفة الغربية، لا يشمل السلطة الفلسطينية أو الفصائل، ويعتمد على إدارة ذاتية يقودها رجال أعمال فلسطينيون على صلة تجارية بإسرائيل في قطاعات التكنولوجيا والسياحة والخدمات.


محاولة برمجة وعي الغزيين ليصبح تجارياً استهلاكياً


وتحذر عودة من الأبعاد الثقافية والفكرية التي تهدف إلى برمجة وعي الغزيين ليصبح وعياً تجارياً استهلاكياً يركّز على الربح والاستقرار الاقتصادي، بعيداً عن قضايا التحرر والكفاح الوطني، بما يسهّل تقبل الوجود الإسرائيلي تحت غطاء "التعايش".

وتؤكد عودة أن هذا المخطط الذي طوره مستشارون لإدارة ترمب ولم يجرِ اعتماده رسمياً بعد، يمثل محاولة لإفشال أي تحرك دولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية.

وتعتبر عودة أن تطبيقه فعلياً سيجعل حلم إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 شبه مستحيل، إذ يؤدي إلى فصل غزة عن الضفة وتجريد الفلسطينيين من السيادة عبر إشراف أمني رقمي إسرائيلي، وتحويل القطاع إلى مشروع استثماري أمريكي–إسرائيلي بحت، يتجاهل كلياً حق الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات سيادة كاملة.


محاولة لشرعنة التهجير القسري بواجهة اقتصادية 


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي المصري والباحث في العلاقات الدولية والاستراتيجيات د. عمرو حسين أن ما كشفته صحيفة (واشنطن بوست) حول ما يُسمى بخطة "اليوم التالي" في قطاع غزة، تحمل أبعاداً خطيرة تمس جوهر القضية الفلسطينية، وتعيد صياغتها بما يخدم الرؤية الأمريكية–الإسرائيلية.

ويوضح حسين أن المخطط، الذي يتحدث عن إجلاء أكثر من مليوني فلسطيني وتحويل غزة إلى "مركز للتكنولوجيا" أو "وجهة سياحية فاخرة"، لا يمكن اعتباره خطة إعمار حقيقية، بل محاولة لشرعنة التهجير القسري بواجهة اقتصادية براقة. 

ويوضح حسين أن تفاصيل الخطة –من إنشاء وصاية أمريكية لعشر سنوات، وصندوق استئماني متعدد الجنسيات، إلى تقديم منح مالية أو رموز رقمية كبديل عن الأرض– تؤكد أنها لم تكن وليدة اللحظة، وإنما أُعدت مسبقاً بانتظار الذريعة المناسبة لتسويقها كحل إنساني بعد الحرب الحالية.

ويشدد حسين على أن هذا النهج يسعى إلى إفراغ القضية الفلسطينية من بعدها السياسي والوطني وتحويلها إلى "ملف إنساني–استثماري"، بما يغلق الباب أمام إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. 

ويعتبر حسين أن الخطة تنسجم مع التوجه الإسرائيلي–الأمريكي نحو تصفية تدريجية للحقوق الوطنية الفلسطينية، في ظل غياب موقف دولي حازم قادر على ردع هذه السياسات.

ويؤكد حسين أن أي مشاريع لإعمار غزة يجب أن تُبنى على أساس حق الشعب الفلسطيني في أرضه وسيادته، لا على محاولات للهندسة الديموغرافية التي تهدد هوية الفلسطينيين ومستقبلهم الوطني.


دلالات

شارك برأيك

خطة "اليوم التالي" الأمريكية.. وصاية استعمارية مقنّعة وشرعنة للتهجير بواجهة اقتصادية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.