أقلام وأراء

الإثنين 01 سبتمبر 2025 9:12 صباحًا - بتوقيت القدس

حمايةً لاستقلاليتها وكينونتها.. على الأمم المتحدة نقل اجتماعها السنوي إلى جنيف

 كان صادماً قرار إلغاء وزارة الخارجية الأمريكية تأشيرات عدد من المسؤولين الفلسطينيين، بمن فيهم الرئيس محمود عباس، لمنعهم من حضور الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة لشرح معاناة شعبهم للعالم الحر أمام العالم. إن هذا الاجتماع السنوي هو عبارة عن تظاهرة قانونية دولية  سنوية ضد الدول والجماعات التي تنتهك حقوق الاخرين من شعوب وجماعات وتصر على قتل البشر وتدمير بنيتهم المدنية وتنتهم ببربرية كافة حقوقهم الإنسانية، وهي مظاهرة دبلوماسية تجسد أهم مبادئ ولوائح وبنود القانون الدولي والأمم المتحدة.

 وفي خطوة هي الأولى من نوعها على مسرح حركة تاريخ الأمم المتحدة  قرر وزير الخارجية (مارك روبيو) عدم منح الرئيس محمود عباس والدبلوماسيين الفلسطينيين تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية لحضور الاجتماع السنوي للأمم المتحدة وإلقاء كلمة باسم الشعب الفلسطيني، وإسماع صوتهم للعالم من على أعلى منصة دولية، وهي الأمم المتحدة، القبة التي تجتمع تحتها كل دول العالم لينادوا بصوت واحد لتحقيق العدالة والحرية والمساواة  للشعوب وحماية حقوقهم الأساسية من الانتهاك، وحماية أرواح بني البشر على اختلاف دياناتهم ولغاتهم  وقومياتهم، وهي المنصة التي يصطف فيها زعماء العالم لينادوا بضرورة إنهاء الصراعات ووقف الحروب وحماية الإنسانية، ينادون بالسلام العادل والشامل الذي هو حق الهي  لكل البشر، فقد ضمنت لهم الديانات السماوية الثلاث الحياة والسلام، وحرمت الاعتداء على ارواحهم وممتلكاتهم، وهي المنصة التي ترتفع من فوقها أصوات المحرومين والمعزبين من الشعوب، من انتهكت حقوقهم واستوطنت ارضهم وسرقت ثرواتهم وأُبيد أبناؤهم وجُوّع أطفالهم، إنها المنصة الشرعية للمطالبة بالحق والحرية والعدالة  لكل شعوب الأرض المغلوبة على أمرها، وأولها الشعب الفلسطيني الذي ما زال ونحن في القرن الحادي والعشرين يباد أبناؤه وتُستوطن أراضيه، وتدمر مدنه وتقصف مدارس اطفاله بالصواريخ الثقيلة وتردم الآبار التي يشرب منها أبناؤه، وتحرق محاصيله وتسرق ماشيته أمام العالم من قبل احتلال إسرائيلي لا يحترم ولا يكترث لقوانين ومعاهدات الأمم المتحدة ولا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، ولا يحترم حتي المبادئ والتعاليم السماوية  لكافة الديانات.

في أبشع إجراء أمريكي يُنتهك دستور الأمم المتحدة، وتُنتهك كافة القوانين والاتفاقيات والمعاهدات، وتُنتهك العهود الخاصة بالجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ أقدمت وزارة الخارجية الامريكية على عمل فاضح للدبلوماسية المزيفة وكاشف لمزاعم حماية البشرية والدفاع عنها بمنع  ممثلي الشعب الفلسطيني من الدخول للولايات المتحدة لإسماع صوتهم وصوت الشعب الفلسطيني للعالم، بحجة أن هذا الصوت يزعجهم ويقلق دبلوماسيتهم، ويؤثر على العلاقة بين أمريكا وحليفتها إسرائيل، بسبب نضال الفلسطينيين دبلوماسياً لحصولهم على اعترافات دولية وأوربية بدولتهم المشروعة وبحقهم في تقرير المصير الذي اعترفت به الأمم المتحدة ذاتها في أكثر من قرار، فالقرار 3234 للعام 1974 يؤكد الحق غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال والسيادة الوطنية للشعب الفلسطيني، وكذلك عدد من القرارات اللاحقة مثل قرار 67/ 19 لعام 2012 الذي منح فلسطين صفة دولة مراقب بالأمم المتحدة وقرار 2017 الذي أكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيرة بنفسه، وقرار 174 لعام 2024 الذي أقر أن فلسطين أصبحت مؤهلة للحصول على العضوية الكاملة بالأمم المتحدة.

برر وزير الخارجة الأمريكي (روبيو) قراره بأنه وقفاً للقانون الأمريكي فإن من حق الوزير إلغاء تأشيرة أي عضو في منظمة أو سلطة أو دولة، واعتبر أن (م. ت. ف) لم تعد تفي بالتزاماتها وتعمل باستمرار على تقويض السلام، واتهم القيادة الفلسطينية بأنها لم تنبذ الإرهاب وتواصل التحريض على العنف، وتشن حملات قانونية دولية ضد إسرائيل عبر المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. 

في بيان منفصل على منصة إكس الأمريكية كتب (تومي بيغوت) نائب متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية: "قبل أن نأخذهم على محمل الجد كشركاء في السلام يجب على السلطة الفلسطينية و(م ت ف) رفض الإرهاب رفضاً قاطعاً، والتوقف عن السعي غير المثمر للاعتراف الأحادي الجانب بدولة افتراضية". هذا يوضح مدى الصلف الأمريكي والانحياز المفضوح لدولة الاحتلال دون حياء أو خجل  من العالم الذي يعرف أن الرئيس أبو مازن ومن على منصة الأمم المتحدة أدان في معظم كلماته على مدار سنوات طويلة الإرهاب بكل أشكاله، بما فيه الإرهاب الإسرائيلي المنظم الذي يستهدف الفلسطينيين وأرضهم وأبناءهم وتاريخهم وأماكنهم المقدسة، وعلى رأسها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في القدس. كما أن السيد رياض منصور، ممثل دولة فلسطين في الأمم المتحدة، كان يؤكد في كل مناسبة وكل اجتماع إدانة دولة فلسطين ورفضها القاطع للإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، بما في ذلك الحالات التي تكون فيها الدول متورطة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وكان دائماً يركز في كلماته، خصوصاً أمام اللجنة القانونية للأمم المتحدة، سيما خلال مناقشة البند المعنون "التدابير الرامية إلى القضاء على الإرهاب الدولي"، على ترحيب دولة فلسطين بإجراء الاستعراض السابع للاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب.

 المعروف أن 15 دولة أطلقت نداء جماعياً في تموز الماضي للاعتراف بالدولة الفلسطينية في حال لم تتوقف الحرب على الفلسطينيين، وأكدت كل من أستراليا ونيوزلندا والبرتغال وإسبانيا وفرنسا والدنمارك أنهم سيعترفون بفلسطين دولةً في اجتماع الأمم المتحدة هذا العام، وهذا بالطبع أزعج إسرائيل التي تريد أن تقتل وتدمر وتبيد الفلسطينيين دون أن يُسمع لهم صوت، ودون حتى أن يدافعوا عن أنفسهم دبلوماسياً أو بالطرق السلمية، وهذا غاية في الجبروت والإرهاب السياسي والدبلوماسي.

لم تكتف إسرائيل باستدعاء بعض سفراء الدول وتوبيخهم، بل لجأت إلى إدارة ترمب لمنع الرئيس أبو مازن من دخول الولايات المتحدة برفقة أعضاء القيادة الفلسطينية والتوجه لمقر الجمعية العام للأمم المتحدة في نيويورك التي يُعقد فيها اجتماع الجمعية العامة سنوياً. إذا كان هذا هو السلوك الأمريكي المهيمن على الأمم المتحدة، فأعتقد أنه من باب السخافة السياسية والاستهانة بكرامة العالم وكرامة شعوب الأرض التي تسعي للعدالة والحق والحرية والسلام أن تستمر الأمم المتحدة في عقد اجتماعاتها بمقرها في نيويورك.

لكي تدافع الأمم المتحدة عن ذاتها واستقلاليتها يجب أن تنقل اجتماعها السنوي إلى مقرها في (جنيف) بسويسرا، وهذا أقل رد على وزارة الخارجية الأمريكية لكي تلغي الفيتو على وصول القادة الفلسطينيين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالتالي تتوقف واشنطن عن هيمنتها على العالم وفرض وصايتها على الأمم المتحدة لتقرر من يحضر ومن لا يحضر، من يسمع صوته للعالم ومن يغلق فمه، إنها أبشع الجرائم التي تقترفها واشنطن بعد جريمة فرض العقوبات على قضاة الجنائية الدولية وتهديد محكمة العدل الدولية ودعم حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني الأعزل وتسعى إلى ارتكاب جريمة تهجير جماعي في التاريخ الحديث.

إن لم يتدخل العالم ويوقف إسرائيل عند حدها، وتلتزم واشنطن كغيرها من أعضاء الأمم المتحدة بدستور الأمم المتحدة وتعهداتها واتفاقياتها كأعلى هيئة دولية مستقلة تعمل على إنهاء الصراعات ووقف الحروب وحماية حقوق الإنسان، فان هيبة الأمم المتحدة واستقلاليتها ستصبحان في مهب الريح، متى أرادت واشنطن الدوس عليها تفعل ذلك دون رادع

دلالات

شارك برأيك

حمايةً لاستقلاليتها وكينونتها.. على الأمم المتحدة نقل اجتماعها السنوي إلى جنيف

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.