أقلام وأراء

الخميس 28 أغسطس 2025 9:29 صباحًا - بتوقيت القدس

⁨الداخل الفلسطيني بين مقهى ومظاهرة

في أراضي عام 48، لا يوجد صباح عادي. كل فجر جديد هنا يُختبر فيه صمودنا كما يُختبر فيه وجدان العالم. وما نراه اليوم ليس مجرد أخبار عابرة، بل دم فلسطيني يُسفك على مذبح الصمت الدولي.

قصف مستشفى ناصر في خان يونس، الذي أودى بحياة العشرات بينهم صحافيون، لم يكن "مأساة عرضية" كما وصفه الاحتلال. إنّها مأساة متعمدة، متكررة، تعكس منهجية قتل لا تُبالي بقوانين دولية ولا بمواثيق إنسانية. المستشفيات تُقصف، الأطفال يموتون جوعًا، والناس يفرّون من بيوتهم إلى العدم، بينما يتوزع العالم بين عواصم تصدر بيانات شجب باهتة وأخرى تصمت صمت الشريك المتواطئ.

كيف يمكن أن نفهم أنّ مؤسسات أممية كالأمم المتحدة تكتفي بـ"القلق العميق" فيما تُمحى أحياء كاملة؟ كيف يمكن أن تُصدر واشنطن بيانات عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" بينما تدفق الدماء في غزة يفضح أن الأمر ليس دفاعًا بل هجومًا شاملًا على حياة شعب بأكمله؟ كيف يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتشدق بحقوق الإنسان وهو يستمر بتزويد آلة الحرب بالغطاء السياسي وربما بالسلاح غير المباشر؟

إنّ ازدواجية المعايير لم تعد مجرّد توصيف سياسي، بل صارت جريمة إضافية توازي القصف. فحين يُقتل طفل فلسطيني في غزة، لا يرفّ جفن للعواصم التي تدّعي الإنسانية، بينما لو جُرح مستوطن، تتحرك الدنيا بآليات دبلوماسية وجسور جوية من التعاطف. هذا الصمت والتمييز هما اللذان يمددان عمر الاحتلال ويغذيان غطرسته.

في الضفة الغربية، حملة "حائط الحديد" تكشف عجز الاحتلال أكثر مما تكشف قوته. فكل بيت يُهدم يولّد بيوتًا في الذاكرة، وكل معتقل يُزج في السجون يتحول إلى شاهد على أن الحرية أغلى من الحديد. أما على حدود لبنان، فالتلويح بالانسحاب المشروط ليس سوى ورقة سياسية باهتة، يعرف الجميع أنها لا تغيّر موازين الردع التي رسّختها المقاومة هناك.

وفي الداخل الفلسطيني– أراضي 48 – يعيش الناس يوميات متناقضة: مقاهٍ ومكتبات تضجّ بالحياة، وفي المقابل، مظاهرات وصرخات ضد الحرب. بعض هذه الصرخات بدافع الخوف، وبعضها بدافع الضمير. لكنّها جميعًا تدلّ على أنّ الشرخ في المنظومة الإسرائيلية يتسع، وأنّ المجتمع هناك لم يعد قادرًا على ابتلاع رواية "الأمن المطلق" التي يُسوّقها حكامه.

أكتب وأنا أعلم أنّ هذا المقال قد لا يغيّر ميزان القوى، لكنه على الأقل يثبت أن هناك من يرفض الصمت. نحن أبناء الداخل الفلسطيني نحمل ذاكرة شعب كامل، نكتبها بالكلمة كما تُكتب بالدم. نعلم أن الكلمة لا توقف طائرة ولا تمنع دبابة، لكنها تفضح الكذب، وتمنح صوتًا لمن يريدون إسكاته.

فلسطين اليوم تُذبح على صمت العالم، لكن هذا الصمت لن يكون أبديًا. التاريخ لا يرحم، والأجيال لا تنسى. كل شهيد يولد معه ألف شاهد، وكل مقبرة تتحول إلى وثيقة دامغة، وكل صرخة من غزة أو الضفة أو الداخل أو الشتات هي إعلان أن فلسطين حيّة، تولد من رحم الجراح، ولا تموت.


دلالات

شارك برأيك

⁨الداخل الفلسطيني بين مقهى ومظاهرة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.