منذ فجر الثورة الجزائرية، ارتبط اسم فلسطين بالوعي الجمعي الجزائري ارتباط الدم بالوريد، فلم تكن فلسطين بالنسبة للجزائريين مجرد قضية سياسية تُناقَش في صالات المؤتمرات أو في مكاتب الدبلوماسية الباردة، بل كانت وما تزال أمّ القضايا التي تختصر معنى الظلم الكوني وتجسّد أعدل القضايا الإنسانية. وحين وقعت أنظار الجزائريين على ملحمة الأسرى الفلسطينيين، وعلى رأسهم القائد الأسير مروان البرغوثي، لم يتعاملوا معها بوصفها حدثاً عابراً أو شأناً فلسطينياً داخلياً، بل استقبلوها كما لو أنّها امتداد طبيعي لمعركة الجزائر نفسها ضد الاستعمار الفرنسي، وكأنّ الزنازين التي تحتجز البرغوثي هي ذاتها التي احتجزت آلاف المجاهدين في معتقلات الاحتلال الفرنسي. من هنا انطلقت الصحافة الجزائرية لتجعل من مروان البرغوثي أيقونة تتصدر الصفحات الأولى، وموضوعاً يملأ أعمدة الجرائد وبرامج الإذاعات ومنابر النقاش السياسي، في مشهد عبّر بصدق عن تلاحم تاريخي لا ينفصم بين الجزائر وفلسطين.
الصحافة المكتوبة في الجزائر لعبت دوراً محورياً في هذا التبني، إذ لم يكن هناك تقريباً صحيفة يومية أو أسبوعية إلا وخصّصت مساحات واسعة لقضية البرغوثي، سواء من خلال الأخبار العاجلة التي تتابع جلسات محاكمته الجائرة، أو عبر مقالات الرأي والتحليلات التي تصوّر معاناته باعتبارها معاناة الشعب الفلسطيني بأكمله. صفحات الرأي في الجرائد الجزائرية تحوّلت إلى ساحات مقاومة بالكلمة، يتبارى فيها الكتّاب والمثقفون على الدفاع عن صورة البرغوثي باعتباره رمزاً للحرية، وقائداً لم ينكسر رغم عشرات السنين في سجون الاحتلال. ولعل اللافت أنّ كثيراً من الصحفيين الجزائريين لم يكتفوا بالتناول الإخباري التقليدي، بل مزجوا بين اللغة الصحفية واللغة الأدبية، فكتبوا عنه كما يكتب عن بطل أسطوري، صاغوا قصصه بلغة تمتزج فيها المرارة بالفخر، وتحوّلت مقالاتهم إلى وثائق إنسانية تعبّر عن حيوية الضمير الجزائري وارتباطه العميق بفلسطين.
وإذا كان الحبر الجزائري قد انحاز إلى مروان البرغوثي، فإن الميكروفون لم يكن أقل حضوراً في هذه المعركة الإعلامية. الإذاعات الوطنية والمحلية، بل وحتى الإذاعات الجامعية، خصّصت برامج وحوارات للتذكير بقضية الأسرى الفلسطينيين، ولم يكن اسم مروان يغيب عن هذه النقاشات. المستمع الجزائري كان يسمع صباحاً ومساءً أن هناك قائداً فلسطينياً أسيراً يقف شامخاً في زنزانته، وكأنّ الصوت الإذاعي كان يطرق قلوب الناس ويعيد إليهم صدى تجربتهم مع الاحتلال. التلفزيون الجزائري بدوره لم يغب عن هذا المسار، فقد بُثّت تقارير ووثائقيات تستحضر سيرة البرغوثي وتضعها في سياق أوسع هو معركة الشعب الفلسطيني، وبذلك تحولت الشاشة الجزائرية إلى نافذة تعكس القضية وتمنحها بُعداً شعبياً يتجاوز النخبة السياسية إلى كل بيت جزائري.
لكن تبنّي الجزائر لقضية البرغوثي لم يقف عند حدود الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية، بل وجد صداه في مواقف الشخصيات السياسية والحزبية التي لم تتردد في رفع صوته والتذكير بمظلوميته في المحافل الوطنية والدولية. كثير من الأحزاب الجزائرية، من مختلف التيارات، أصدرت بيانات داعمة لمروان، معتبرة أنّ قضيته تمثل جوهر الصراع العربي الإسرائيلي، وأن الدفاع عنه هو دفاع عن فلسطين كلّها. في البرلمان الجزائري كانت هناك تدخلات متكررة تضع ملف الأسرى الفلسطينيين، وفي مقدمتهم البرغوثي، في صدارة الاهتمام السياسي، ما يعكس أنّ القضية لم تكن مجرد خطاب عاطفي بل التزاماً عملياً مترجماً بمواقف واضحة.
هذا الحضور القوي لقضية مروان البرغوثي في الإعلام والسياسة الجزائرية أعاد إلى الأذهان مقولة الجزائريين الشهيرة "فلسطين هي القضية الوحيدة التي تجمعنا مهما اختلفنا"، إذ وجد الجزائريون في صورة الأسير البرغوثي انعكاساً لمعاناتهم مع الاستعمار، وفي صموده صورة للمجاهدين الذين لم ترهبهم السجون ولا المقاصل. لذلك لم يكن غريباً أن تتحوّل مقالات الصحافة الجزائرية إلى ما يشبه الحملة الوطنية المستمرة، يكتبها اليساري والإسلامي والقومي والديمقراطي على حد سواء، في مشهد نادر يعبّر عن وحدة الموقف الشعبي الجزائري تجاه فلسطين.
لقد لعبت هذه التغطية المكثفة دوراً مضاعفاً: فمن جهة ساهمت في إبقاء قضية مروان حيّة في الضمير الشعبي العربي عبر نافذة الجزائر، ومن جهة أخرى أكدت أنّ الإعلام الجزائري، بكل أدواته، ظل وفيّاً للرسالة التي تبناها منذ استقلال الجزائر، وهي أنّ دعم فلسطين ليس خياراً سياسياً بل واجب أخلاقي وتاريخي. الصحفي الجزائري لم يكتب عن مروان باعتباره مجرّد أسير فلسطيني، بل كتب عنه كأنه شقيق ورفيق درب، كتب عنه بروح جزائريّة تعرف جيداً معنى أن يعيش الإنسان خلف القضبان لأنه آمن بالحرية.
وعندما ننظر في الأرشيف الصحفي الجزائري خلال العقود الماضية، نكتشف أنّ اسم مروان البرغوثي كان يتكرّر بشكل لافت في كل المناسبات الوطنية والقومية، في ذكرى يوم الأسير الفلسطيني، في انتفاضة الأقصى، في معارك غزة، وحتى في النقاشات الفكرية والثقافية التي تتناول معنى الحرية والكرامة. هذا التكرار ليس مصادفة، بل هو دليل على أنّ الصحافة الجزائرية كانت ترى في مروان أكثر من شخص، كانت ترى فيه مرآة لفلسطين كلها، وتجسيداً لمعركة أمة بأكملها.
وما يزيد هذا التلاحم عمقاً أنّ الشعب الجزائري حين يقرأ عن مروان البرغوثي لا يقرأ عن قضية بعيدة، بل يقرأ عن ذاته، عن ماضيه في زمن الاستعمار، عن سجونه ومعتقلاته، عن الآلاف من الشهداء الذين سقطوا كي تولد الجزائر الحرة. إنّه نوع من التماهي التاريخي الذي جعل فلسطين، بلسان الصحافة الجزائرية، ليست "قضية خارجية" بل جزءاً لا يتجزأ من هوية الجزائر نفسها.
في النهاية، يمكن القول إنّ الصحافة الجزائرية بكل أطيافها، المكتوبة والمسموعة والمرئية، ومعها الأحزاب السياسية والشخصيات الوطنية، قد تبنّت قضية مروان البرغوثي بشكل يعكس عمق التلاحم الجزائري الفلسطيني. لقد كان الحبر الجزائري والميكروفون الجزائري بمثابة جبهة متقدمة في معركة الوعي ضد الاحتلال، وكانا يسهمان في تثبيت صورة فلسطين كأم القضايا في وجدان الشعب الجزائري. إن هذا التلاحم لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد طبيعي لعلاقة ولدت في خنادق الثورة الجزائرية وترسخت في مؤتمرات القمم العربية واللقاءات الشعبية، واليوم تواصل حضورها من خلال الكلمة والصوت والصورة. ومهما طال الزمن، ستظل فلسطين في الصحافة الجزائرية وفي ضمير الشعب الجزائري ليست مجرد خبر يُقرأ أو تقرير يُسمع، بل عهد أبدي بأن الحرية لا تتجزأ، وأن قضية مروان البرغوثي ستبقى في صدارة الوجدان الجزائري إلى أن ينكسر القيد وينتصر الحق.





شارك برأيك
الجزائر وفلسطين... الحبر والميكروفون في معركة الحرية: كيف تبنّت الصحافة الجزائرية قضية مروان البرغوثي كرمز خالد للمقاومة