د. خلود العبيدي: العالم يشهد حالياً موقفاً احتجاجياً على الإبادة الجماعية والمجاعة وسياسات الاحتلال والاستيطان في الضفة
د. مناويل حساسيان: الاتحاد الأوروبي بدأ يأخذ منحى أكثر تفاعلاً مع القضية الفلسطينية والفجوة بينه وبين أمريكا آخذة بالاتساع
د. خالد العزي: أهمية بالغة لاستقالة وزير الخارجية الهولندي ووزراء آخرين بالتأثير في الرأي العام الأوروبي وسياسات الحكومات
د. أمجد أبو العز: دور كبير للضغوط الشعبية في دفع المسؤولين الهولنديين إلى تغيير مواقفهم وقد ينتقل ذلك إلى دول أوروبية أُخرى
عماد أبو عواد: ما يشهده العالم وأوروبا تحديداً من حركة تضامنية يخدم القضية الفلسطينية ويكشف الصورة الحقيقية لإسرائيل
أعلن أعضاء الحكومة الهولندية من حزب "العقد الاجتماعي الجديد" استقالتهم من حكومة تصريف الأعمال، مؤخراً، وذلك عقب يوم واحد من استقالة وزير الخارجية، بسبب فشل فرض عقوبات على إسرائيل جراء عدوانها المستمر على قطاع غزة، فيما تتنامى التحركات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ما يؤشر إلى أن العالم يشهد حالياً موقفاً احتجاجياً على ما يجري من إبادة جماعية وتجويع للمدنيين الأبرياء، إذ أعلنت الأمم المتحدة رسمياً غزة منطقة مجاعة، إلى جانب الاحتجاجات الدولية المتصاعدة على الاستيطان وسياسات الاحتلال العنصرية في الضفة الغربية.
وذكر محللون وكُتّاب لـ"ے" أن ما شهدته هولندا جزء من سلسلة خطوات اتخذتها العديد من الدول، وبشكل خاص في أوروبا، لنصرة القضية الفلسطينية، مشيرين إلى أن ذلك يصب في خدمة القضية الفلسطينية، ويتضمن أيضاً أموراً إيجابية، أهمها انكشاف الصورة الحقيقية لإسرائيل، وانكشاف روايتها الزائفة والتضليلية.
احتجاج عالمي على الإبادة والتجويع
ذكرت الدكتورة خلود العبيدي المختصة في العلوم السياسية والقانون الدولي أن العالم يشهد حالياً موقفاً احتجاجياً على ما يجري في قطاع غزة، من إبادة جماعية وتجويع، إذ أعلنت الأمم المتحدة رسمياً غزة منطقة "مجاعة".
وقالت: "هذه المجاعة ليست بسبب كوارث طبيعية وإنما لأسباب تدخل بشري. تحدث المجاعة وعلى حدود قطاع غزة شاحنات تحمل المواد الغذائية، مؤخراً أيضاً استقال تسعة من وزراء الحكومة المؤقتة في هولندا على رأسهم وزير الخارجية احتجاجاً على إجراءات الاحتلال وسياساته داخل الضفة الغربية وبناء مستوطنات غير شرعية، ما سيؤدي بالتالي إلى إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية".
وأضافت العبيدي: "إنها واحدة من سلسلة الخطوات التي اتخذتها القارة الأوروبية لنصرة القضية الفلسطينية. إنه تحول مهم لأن أوروبا كانت دائما تدعم إسرائيل".
ووصفت الوحيدي هذه المبادرات بـ"المهمة، ويجب دراستها بدقة للاستفادة منها وتوجيهها لدعم القضية الفلسطينية. يجب أن نفهم من هي القوى التي تساهم في هذه الاحتجاجات وما هي دوافعها وكيف تتحول إلى حركة لخدمة القضية الفلسطينية".
في المقابل، حذرت وبشدة من الدعايات الصهيونية التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تهين العرب وتُعيّرهم بأن الغرب هو الذي يساعد الفلسطينيين، مؤكدة أن هذه نظرة مقلوبة ومشوهة ومغرضة تجند إسرائيل فيها عملائها والمضللين لبث روح الهزيمة والخذلان عند العرب.
وأشارت د. العبيدي إلى أن إسرائيل تستخدم هذه المرة ذبابها الإلكتروني لتعكس وتفرغ إيجابيات حركة نصرة فلسطين وتحويلها إلى حركة عار وخذلان للعرب.
وترى أن المدخل المهم للتعامل مع حركة نصرة القضية الفلسطينية في العالم أن نتعامل بشكل ذكي وواعٍ في إعلامنا العربي. إذا كان الغرض تفريغ حركات المساندة من هدفها، فيجب ألا نخضع ونسمح بغسيل دماغ باتهام الشعب العربي كونه شعب نائماً وغير مبالٍ ولا يقدم شيئاً.
وبينت د.العبيدي أن الفضل لمحرك الدعم الدولي لقضية غزة يعود إلى المنظمات والجهات الفلسطينية والعربية في دول المهجر. هم من حركوا القضية، وسلطوا الأضواء على الجرائم التي يرتكبها الاحتلال.
وقالت إن "المنظمات الفلسطينية والعربية الموجودة في أوروبا وأستراليا وأمريكا استطاعت أن تقوي وتوطد علاقاتها في النظام السياسي والتنظيم الاجتماعي الذي تتواجد فيه".
وأشارت إلى أن "وسائل إعلامية عربية ساهمت بنشر الوعي عن طريق وسائل رسمية ووسائل التواصل الاجتماعي، وأحداث غزة سقط فيها من الصحفيين أعداد تجاوزت أعداد الذين سقطوا في أي معركة أُخرى، إضافة إلى ما تنشره وسائل التواصل الاجتماعي من فظاعة الأعمال التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي".
وتابعت تقول: "في السابق كان الإعلام والصحافة تسيطر عليهما الصهيونية، وما زالت هناك إذاعات صهيونية تحارب وبشراسة ما يجري في غزة، لدرجة اتهام من يقف ضد جرائم غزة بأنهم خونة لبلادهم وأنهم يسببون المشاكل، ويطالبون بترحيل الجاليات من أصول عربية وإسلامية إلى بلادهم، بدعوى أنهم خطر على المجتمعات الغربية لأنهم سيؤدون بالأخير إلى تبني الشريعة الإسلامية، ومن هنا يقومون بنشر "الإسلام فوبيا" لاضطهاد المسلمين".
استحداث اضطرابات مقصودة
ولفتت أن هناك جهات يمينية متطرفه تتآمر وتحدث اضطرابات وعنفاً بشكل مقصود لإثارة المجتمعات الغربية ضد حركة نصرة قضية غزة مثل الاعتداء على كنيس يهودي أو حرق الأعلام الوطنية.
وترى د. العبيدي أنه من الصعب فهم وتقييم الحادث الذي حصل في الحكومة الهولندية لمن لا يعيش في هولندا، ويفهم التوازنات الحزبية هناك.
وقالت: لكننا نستطيع أن نقيم ما يجري في دول غربية أخرى حيث تجري هناك مظاهرات أسبوعية تقودها منظمات فلسطينية وغربية تتبنى في العادة أيديولوجيات يسارية.
وأشارت العبيدي إلى أن الكثير من هذه الجهات ترى بشاعة الاستعمار الغربي، وأن ما يحدث في غزة له سوابق، فالإيرلنديون يذكرون عداءهم التاريخي للإنجليز، والشعوب الأصلية في أستراليا وأمريكا يتذكرون الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها، ودعاة حقوق الإنسان يجدون في القضية الفلسطينية دفاعاً عن حقوق الإنسان في كل مكان، معتبرة أن هذا الموقف يستحق الإشادة، ويثبت أن الشعوب المتقدمة هي التي تشعر بإنسانيتها، وأن أغلى ما تملك هو حرية التعبير والوقوف ضد البربرية والهمجية الإسرائيلية والإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني.
الدعايات الإسرائيلية لم تعد تنطلي على أحد
وقالت: لم تعد الدعايات الإسرائيلية عن الأرض التي سرقوها بوعد إلهي مزعوم تنطلي على مجتمع واعٍ، وأن الدفاع عن القضية الفلسطينية ورفض الإبادة الجماعية هي مبادئ إنسانية.
وأشارت العبيدي إلى أن "حركات الاحتجاج الدولي أدت إلى المطالبة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. هناك دول عديدة، منها أستراليا حالياً، غيّرت موقفها إلى دعم كبير للقضية الفلسطينية، ويواجه رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي كثيراً من التحديات بسبب موقفه لإنهاء الحرب والاعتراف بدولة فلسطين.
التحركات لوقف الحرب لا تتناسب مع الإبادة الجماعية
وأضافت: "رغم المظاهرات والاحتجاجات الدولية الواسعة، فإن المردود والتحركات لوقف الحرب لا تتناسب مع الإبادة الجماعية والأرواح التي تزهق كل يوم. لا يكفي إعلان الأمم المتحدة عن المجاعة في غزة، بل يجب مرافقتها بإجراءات عملية سريعة لإيقاف المجاعة. الأمم المتحدة لها صلاحيات التدخل حسب برنامج المسؤولية للحماية. الدول العربية الأعضاء في الأمم المتحدة يجب أن تحول الإعلان عن المجاعة إلى برنامج عمل سريع، وعلى المنظمات الدولية أن تبادر بوسائل عملية لإنهاء المأساة التي يعيشها أبناء غزة".
وشددت العبيدي على أن "على الدول العربية، وبالأخص مصر، أن تتدخل لحماية سكان غزة، ولا يكفي أن تقف ضد تهجيرهم، يجب حمايتهم أيضاً. الوضع في غزة يهدد الأمن القومي المصري، إنه شأن مصري وشأن عربي يستوجب التحرك بسرعة وعدم الانتظار، لأن الخسائر في الأرواح البشرية تزداد، لقد حان الوقت كي تشكل جامعة الدول العربية وتنشر قوات حفظ سلام.
الوضع في هولندا مركّب
ويعتقد السفير الفلسطيني لدى الدنمارك أ.د. مناويل حساسيان أن الوضع في هولندا مركّب، حيث إن الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال، ولذلك توجد أيضًا بعض الحسابات الداخلية. وقال: إن الاستقالات جاءت من حزب الوسط-اليسار (NSC)، وبدأت من وزير الخارجية ثم تبعها بعض الوزراء الآخرين.
وأضاف: نحن نتمنى أن تتبنى هولندا هذا الموقف بشكل دائم، سيما وأن محكمة العدل الدولية مقرها هناك، إضافةً إلى ضغط الشارع الهولندي الرافض لسياسة حكومة تصريف الأعمال.
وأوضح حساسيان أن هذه الاستقالات ستُعجِّل بانتخابات ستفرز قيادة جديدة، ومن ثم ستقرر موقف الدولة النهائي بخصوص علاقتها مع إسرائيل.
لكنه اعتبر أنه من المبكر الحديث عن تفشّي هذه الظاهرة في دول يحكمها اليمين في معظم أوروبا، في ظل الاستقرار السياسي ورضا الشعوب هناك، بخلاف مواقفها تجاه إسرائيل.
التأثير سيكون أوضح في الدول الإسكندنافية
وبيّن حساسيان أن التأثير سيكون أوضح في الدول الإسكندنافية، خصوصاً الدنمارك التي بدأت بالفعل تغيير موقفها تجاه إسرائيل، لأنها لا تستطيع الدفاع عن سياسة التجويع المفروضة على شعبنا في غزة.
وأكد أن ضغط المجتمع الدنماركي من خلال التظاهرات والاحتجاجات كان له أثر إيجابي في تغيير هذا الموقف.
وأعرب حساسيان عن الأمل في أن يكون الاعتراف بدولة فلسطين قريبًا، لافتًا إلى أن الاتحاد الأوروبي بدأ يأخذ منحى أكثر تفاعلًا مع القضية الفلسطينية، وأن الفجوة بينه وبين الولايات المتحدة بدأت تتسع.
وتوقع السفير حساسيان أنه في الشهر القادم سنرى موقفًا أوروبيًا أكثر تعاطفًا مع الموقف الفلسطيني.
خطوة مميزة في إطار العمل الحكومي
وأكد المحلل السياسي اللبناني الدكتور خالد العزي أن استقالة وزير الخارجية الهولندي كانت حدثاً مهماً جداً في التأثير على الرأي العام الأوروبي وعلى مجرى الحكومات وسياستها.
وقال: إن هذا الوزير الذي لم يستطع إقناع الوزارة بفرض عقوبات على إسرائيل بسبب جرائمها، التي باتت واضحة لكل شاهد عيان في أوروبا، قدّم استقالته كوزير شريف يحتكم إلى آراء الرأي العام.
وأشارالعزي إلى أن هذه الاستقالة انعكست على حزبه، حيث جارى عدد من أعضائه قراره، وأدّت في النهاية إلى استقالة الحكومة الهولندية.
وتُعد هذه الخطوة مميزة في إطار العمل الحكومي والوزاري في الدول الأوروبية، إذ إن الرأي العام بدأ يتبلور لدى غالبية السياسيين بأن معاقبة إسرائيل باتت ضرورة ملحّة في السياسات الدولية، خصوصاً في الوسط الأوروبي.
ويرى د. العزي أن التفاعل الذي أحدثه الرأي العام الأوروبي سينعكس إيجاباً لمصلحة الدولة الفلسطينية القادمة، خصوصاً مع أحداث غزة التي باتت أحداثاً معيبة للأوروبيين أن يتحمّلوها أو يغضّوا النظر عمّا يرتكبه الاحتلال الإسرائيلي من جرائم بشعة بحق الأبرياء، وصلت إلى حد الاضطهاد والإبادة والتجويع. ويزداد هذا التأثير في ظل عصر التواصل الاجتماعي، حيث تُتداول الصور في مختلف دول العالم.
العالم بدأ يتحرر تدريجياً من سطوة الإعلام الصهيوني
ولفت إلى التظاهرات التي خرجت مؤخراً في أستراليا، الدولة البعيدة، التي بدأ شعبها يتبنى موقفاً عدائياً من السياسات الإسرائيلية. وهذا يعني أن العالم بدأ يتحرر تدريجياً من سطوة الإعلام الصهيوني ومن الأكاذيب والتضليل التي لطالما استُخدمت لتبرير الجرائم ضد الشعب الفلسطيني، من قتل وتعذيب وممارسات تناقض أبسط مبادئ حقوق الإنسان.
ويرى العزي أن ما يضاعف الحرج الأوروبي أن هذه الدول ترفع شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية وحماية الأقليات، وتعاقب دولاً أخرى على انتهاكها، بينما تُمارَس أمام أعينهم جرائم القتل والتجويع والتعذيب من قبل إسرائيل.
وأشار إلى التغير في الموقف الأوروبي، حين يعلن الرئيس الفرنسي أنه حان الوقت للاعتراف بدولة فلسطين، ويلحقه الموقف البريطاني، وتتغيّر السياسة الألمانية بهذا الاتجاه، إضافة إلى المظاهرات في أستراليا وتغير الموقف الكندي.
وقال: نحن أمام تحوّل كامل في الدبلوماسية والإعلام والرأي العام العالمي نحو دعم القضية الفلسطينية وفرض عزلة متزايدة على إسرائيل.
وأكد العزي أن إسرائيل التي تتبجّح بأنها تقاتل على سبع جبهات، لا تستطيع حلّ عقدة غزة، التي باتت مأزقاً للجيش الإسرائيلي وللسياسة الإسرائيلية ككل، بعدما فشلت في تحرير أسراها رغم تدميرها واحتلالها المدن الفلسطينية عشرات المرات.
ويرى أن العيب الذي يلاحق الجسم الأوروبي هو السكوت على ما ترتكبه إسرائيل. لكنه يعتقد أن هذه المواقف ستتصاعد في كثير من الدول، وسنشهد تغييرات في المواقف الدبلوماسية والسياسات الإعلامية الأوروبية، وهو ما سيزعج إسرائيل والولايات المتحدة معاً.
وقال العزي: إن أكبر دليل على هذا الإزعاج ما قامت به واشنطن بفرض عقوبات على أربعة قضاة من المحكمة الجنائية الدولية، ومنعهم من دخول الولايات المتحدة ومعاقبتهم اقتصادياً. وهذا يعكس أن إسرائيل تضيق ذرعاً، وتلجأ إلى واشنطن لفك العزلة، في محاولة لضرب القوانين الدولية والمبادئ الإنسانية. لكن العالم ليس إسرائيل ولا الولايات المتحدة، بل بات يتشكل برؤية جديدة أكثر عدلاً وإنصافاً.
العلاقات الإسرائيلية الأوروبية مرت بثلاث مراحل
بدوره، استهل المختص في الشؤون الأوروبية في الجامعة العربية الأمريكية د. أمجد أبو العز حديثه بالإشارة الى أن العلاقات الإسرائيلية – الأوروبية مرت بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى هي مرحلة المظلّة الأخلاقية، التي سادت منذ عام 1948، أو منذ الهولوكوست، حتى أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات.
أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الشراكة الأمنية والعسكرية والاستخبارية، التي بدأت منذ التسعينيات وما زالت قائمة حتى الآن، وتشمل التعاون الأمني وتبادل المعلومات مع الدول الغربية في مجال مكافحة الإرهاب وغيرها، مستفيدةً من شبكة العلاقات الواسعة التي تمتلكها إسرائيل، إضافة إلى التقدم التكنولوجي والاستخباري.
في حين بدأت المرحلة الثالثة مؤخرًا، وهي مرحلة الاختراق والاندماج، من خلال مجموعات الضغط (اللوبيات) والمنظمات الإسرائيلية مثل "إيباك" و"جاي ستريت" وغيرها، وكذلك عبر تفعيل دور الجاليات اليهودية في الغرب (الدياسبورا). وهكذا تبلورت العلاقة على ثلاثة عناصر أساسية: الاختراق السياسي والاجتماعي، التعاون الأمني والاستخباري، والمظلّة الأخلاقية.
وأضاف أبو العز: إن هذه المراحل تفسر طبيعة السياسات والعلاقات بين إسرائيل وأوروبا، خاصةً أن حجم الاستثمارات الأوروبية في إسرائيل يبلغ نحو 57 مليار دولار، منها 17 مليار دولار من هولندا وحدها. وبالتالي يمكن تصنيف العلاقات إلى ثلاثة مستويات: سياسي، واقتصادي، وأمني-استخباري، يضاف إليها البعد الأخلاقي.
وأشار إلى أنه منذ السابع من أكتوبر، تأثرت بعض هذه المستويات، بينما ظلّت أخرى ثابتة. فالمستوى الأمني والعسكري والاستخباراتي ما يزال "مقدسًا" بالنسبة للغرب، ولا يمكن المساس به أو وقفه. أما المستوى السياسي فقد تراجع بفعل الانتقادات الغربية لتصريحات إسرائيلية متعلقة بالتجويع والتهجير والمجازر، خاصة مع وجود قرارات صادرة عن مؤسسات دولية أنشأها الغرب نفسه.
ويرى ابو العز أن هذه الانتقادات ليست ضد إسرائيل بقدر ما هي خوف على مصالحها من تهوّر السياسات الإسرائيلية.
وعلى المستوى الاقتصادي، أوضح د. ابو العز أن العلاقات تشهد تذبذبًا، خصوصًا مع طرح عقوبات أو إعادة النظر في تصدير السلاح لإسرائيل على مستوى الاتحاد الأوروبي، وهو مسار ما يزال في طور التشكّل.
أما المستوى الأخلاقي، فقال: إنها تشهد تحوّلًا مهمًا، إذ لا تزال إسرائيل تستخدم ورقة الهولوكوست كمشروعية أخلاقية في الغرب، إلا أن الفلسطينيين باتوا بدورهم يحظون بشرعية أخلاقية نتيجة ما يتعرضون له من قتل وتجويع.
وفيما يتعلق بهولندا، قال أبو العز إن هذا البلد يشهد "انقلابًا سياسيًا" بمقدار 180 درجة؛ فبعد أن كانت الدولة الوحيدة في أوروبا التي دعمت إسرائيل خلال حرب 1973، وفتحت مطاراتها للطائرات الأمريكية، أصبحت اليوم تشهد استقالات وزارية احتجاجًا على سياسات إسرائيل، وهو ما اعتبره "شرفًا في تاريخ هولندا". وأضاف أن الضغوط الشعبية والرأي العام لعبت دورًا كبيرًا في دفع المسؤولين الهولنديين إلى تغيير مواقفهم.
واضاف إن انتقال هذه الظاهرة إلى دول أوروبية أخرى قد يكون ممكنًا، لكن ليس على مستوى الحكومات بل على مستوى منظمات دولية، أو برلمانات، أو أحزاب سياسية كالأحزاب اليسارية والخضر.
وأكد أبو العز أن الحكومات المنتخبة معنية أولًا بخدمة شعوبها وقضاياها الداخلية، لا بالقضايا الخارجية، إلا في حال توافق حزبي واسع داخل الدولة.
حالة من العدوى السياسية
من جانبه أكد المحلل المختص بالشان الاسرائيلي عماد أبو عواد أن ما يحدث في أوروبا على وجه الخصوص، وفي العالم بشكل عام، أمرٌ مهم وله عدة نقاط إيجابية، أهمها كشف صورة إسرائيل الحقيقية، وهذا برأيه الجانب الأهم.
وأضاف أن الأمر الثاني يتمثل في الوقوف إلى جانب الحق الفلسطيني، مشيراً إلى أن هناك حالة من العدوى السياسية بدأت تنتقل من دولة إلى أخرى، وهو أمر مهم.
وأوضح أبو عواد أن ما حدث في هولندا كان ضاغطًا ويعبر عن وجود حالة جماهيرية مؤثرة تدفع باتجاه هذا المسار، لأن السياسيين في نهاية المطاف هم تعبير عن الحالة الشعبية.
وأشار إلى أن هذا هو ما دفع بريطانيا إلى المسارعة في الإعلان عن نيتها الاعتراف بدولة فلسطين.
وبيّن أنه لا يمكن التقليل من أهمية ما يحدث، لكن في السياق ذاته لا يمكن الحديث عن تأثير قريب لهذه الأحداث في أوروبا، من إدانات وشجب واستنكارات أو بعض المواقف والاستقالات، على سياسة الحكومة الإسرائيلية. ومع ذلك، لا شك أن الأمر يزعج إسرائيل، التي ستحاول المناورة وربما التخفيف من وطأة هذه الانتقادات، خاصة في ظل الغليان الشعبي الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية.
لكن، بحسب تقدير أبو عواد، وعلى صعيد العمل على الأرض، لن يكون هناك تأثير مباشر في هذه المرحلة لعدة أسباب؛ أولها أن الحكومات الأوروبية ما زالت في دائرة الإدانة والشجب والاستنكار، ولم تتخذ مواقف حقيقية أو إجراءات وعقوبات يمكن أن تؤثر على إسرائيل بشكل مباشر.
وأضاف: إن العالم بالنسبة لإسرائيل يتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية، وما دامت تحظى بالدعم الأمريكي فستستمر في سياستها ذاتها.
وأكد أن إسرائيل تخشى المستقبل، لأن التحولات الشعبية في أوروبا ستنعكس في النهاية على السياسيين، باعتبار أن القيادات السياسية هي نتاج لهذه الشعوب، وبالتالي التعويل سيكون على المستقبل أكثر من الحاضر.
وخلص ابو عواد إلى أن "كل ما يحدث حاليا يصب في صالح القضية الفلسطينية على المدى البعيد".





شارك برأيك
تنامي التضامن الدولي مع فلسطين.. انكشاف السردية الإسرائيلية الـملفّقة