أقلام وأراء

الأحد 24 أغسطس 2025 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

في وجه الذاكرة المفزعة.. لا يملك الفلسطيني سوى الكرامة ليتشبث بالحياة

لم يعد التعاطف كافياً ولم تعد الشفقة نافعة. ولم تعد كل كلمات الصبر تجدي نفعنا مع ما يعيشه الفلسطيني من نكبات متجددة!  اليوم مايمر به الفلسطينيون  ليس أزمة عابرة يمكن ترميمها بخيمة إغاثة أو خطاب دبلوماسي بارد. نحن أمام ماساة ممنهجة تقطع شجرة العائلة من جذورها وتبعثر أوراقها في رياح المنافي. لهذا صار السؤال الحتمي: كيف تحول التشتيت الى سياسة؟ وكيف تحول البيت إلى ذكرى، والقرية إلى حكاية، والعائلة إلى صور متناثرة في هواتف بعيدة؟

منذ اللحظة التي أُزيح فيها الفلسطيني عن مكانه الأول صار المكان نفسه مطارداً. لم تتوقف القصة عند اقتلاع الناس من بيوتهم. تكاثرت طبقات القهر احتلال حصار .استيطان. جدار .حواجز . وقوانين تمزق الالفة وتمنع لم الشمل. صارت الجغرافيا سكيناً يقطع رحم القرابة، أُم في غزة أب في الضفة، ابن في الشتات، وجدة تحت صمت ثقيل في مخيم بعيد. والوقت نفسه تحول إلى خصم، سنة وراء سنة، يفوت عناق، يغيب عيد ميلاد، وتصبح الجنازات لقاءات مستحيلة.

القصة ليست أرقاماً. هي أسماء ووجوه وأنفاس. تخيل عائلة خرجت لزيارة قصيرة، فإذا بالزيارة تتحول ألى حصار طويل. الأم تحمل طفلتين ولدتا في بلد آمن لا تفهمان لماذا تتصدع الجدران ولماذا يختفي الضوء. الأب يحاول أن يطمئن بصوت ثابت بينما داخله يتهشم. القريب الذي كان يبتسم في المناسبات حتي أمسى صورة معلقة، والخالة التي كانت توزع الحلوى صارت علامة غياب. التشتيت لا يسلب البيت فقط، يسلب تفاصيل الحياة التي تصنع دفء العائلة. مائدة الجمعة صارت مكالمة فيديو متقطعة ورائحة القهوة التي كانت تملأ بيتاً واحداً صارت تتوزع بين بيوت متباعدة، وحتى الحزن صار فردياً كل شخص يبكي وحده في بلد بعيد.

الفلسطيني اليوم يحفر في الصخر ليصنع لأطفاله درعاً من التعليم واللغة والذاكرة. يعمل أكثر مما يحتمل الجسد يختزن راتبه ليجدد إقامة أو ليستصدر ورقة تمنح ابنه حق البقاء، أو ليسافر ليودع أُماً مريضة لا تسمح المعابر بعناقها الأخير. يحمي أطفاله من صور الدم والأشلاء، ثم ينكسر منفرداً قبل الفجر. يعلمهم ألا يكرهوا الحياة، وأن يتقنوا لغات العالم وألا ينسوا لغة الجدات. يعلمهم أن العدالة ليست كلمة في نشرة الأخبار، بل حق ينتزع من فم الإهانة.

وعلى المعابر حين يبصر الموظف جواز السفر الفلسطيني تنقلب الرحلة إلى اختبار إذلال طويل. تفتيش مضاعف أسئلة لا تنتهي انتظار بلا مبرر تفريق أفراد الأسرة في ممرات مختلفة، مصادرة أجهزة وهواتف أو العبث بمحتوياتها، نظرات ريبة تعامل صاحب الجواز كمتهم لمجرد أنه فلسطيني. يتعود المسافر على أن يخلع حزامه أكثر مما يخلع معطفه، وعلى أن يمد يديه للتفتيش أكثر مما يمدهما للسلام. كثيرون يخرجون من بوابة الحدود وفي داخلهم شعور ثقيل ليس المقصود آمن بقدر ما هو درس يومي في الإخضاع رسالة تقول ان الهوية نفسها جرم قابل للتفتيش.

وفي بعض البلدان العربية حيث كان يفترض أن تكون المظلة أوسع والقلوب أقرب يتعرض الفلسطيني في الشتات لأشكال متنوعة من سوء المعاملة. قيود على فرص العمل والسكن عراقيل إجرائية عند تجديد الاقامة أو لم الشمل، تنمر اجتماعي يلوك صوراً نمطية جارحة، وإشارات تذكر اللاجئ بأنه ضيف حتى لو ولد وكبر هناك. أطفال في المدارس يسألون بسخرية عن لهجتهم أو أوراقهم، وشباب يُمنعون من مهن معينة بلا سبب إلا خانة الجنسية. في بعض المخيمات تتكثف شروط العيش القاسي؛ اكتظاظ هشاشة بنية تحتية، حضور أمني خانق، وبطاقة تعريف تقول لصاحبها إن مساحته في العالم تقاس بخيمة لا بحقوق. هذا كله يضيف طبقة أخرى من الألم أن تهان بعيداً عن الوطن بين أُناس يجمعك بهم تاريخ وثقافة ثم يطلب منك المثالية والصمت.

العالم شاهد ملايين تملأ الشوارع مطالبة بوقف القتل ووقف تجريف البيوت والمدارس والذكريات. ومع ذلك ظلت حكومات كثيرة صماء وكأن إرادة الجماهير لا وزن لها. كيف تهدر أصوات المدن الكبرى التي امتلأت بالسواعد المرفوعة. كيف يستمر مشهد القصف وكأنه خبر عادي. ما قيمة الديمقراطية إذا كانت السلطة لا تصغي لشعوبها عندما تتكلم بلغتها الأعلى. المشكلة ليست في قسوة الصور فقط، بل في خطاب يجرد الضحية من إنسانيتها ويحيلها إلى رقم يمكن تجاوزه. لذلك نكرر كل رقم هو اسم وحلم وبدايات لم تكتمل وراء كل رقم طفل كان يريد لعبته الجديدة، وأب كان يخطط لدهان غرفة ابنته، وجدة كانت تخبز الخبز على نار هادئة كي لا يحترق.

هذا التفتيت ليس مصادفة. هو بناء طويل مبرمج، أوراق يتحكم بها، مناطق تقسم، تصاريح تمنع، حواجز تتحول إلى يوميات وقوانين تعطيك حقاً اليوم وتسحبه منك غداً. الرحلة من بيت إلى بيت تصبح مقامرة بالوقت والكرامة. كل ذلك يجري تحت سقف خطاب يطالب الضحية بالهدوء، بينما تهدم غرف نوم أطفالها، ويحول المعابر إلى مسار إذلال مقنن، والشتات إلى إقامة مؤقتة بلا أفق.

الشعوب قالت كلمتها. قالت إن الدم لا يساوم، وإن حياة طفل واحد أغلى من كل الحسابات. إذا كانت الحكومات لا تسمع فذلك يفضح هشاشة أخلاقية لا يمكن سترها. المواقف التي تبرر استمرار القتل تشارك فيه. الصمت يشارك. الحياد يشارك. وفي النهاية سيسأل كل عما فعل حين كان الحق واضحاً مثل شمس في كبد السماء.

قد يبدو العالم ميالاً إلى القوة التي تملك السلاح، لكن التاريخ ميال إلى الذين يملكون المعنى. الانتصار الممكن الآن ليس نشيداً، ولا شعاراً، هو تفاصيل صغيرة تعيد بناء الكيان، أن يبقى الطفل حياً ويتعلم، أن تحتفظ العائلة بذاكرتها ووثائقها وأسماء قراها، أن تحمل المفاتيح لا كرمزية باهتة، بل كعقد قانوني مع الزمن، أن تبقى العربية على ألسنة الأطفال في الغربة، وتبقى لهجة الجدات حية في الضحكات والدعاء، أن تتحول الأرشيفات العائلية إلى درع ضد النسيان، وأن تتحول القصص الفردية إلى سردية عامة لا تُمحى.

ما يحدث ليس قدراً، هو فعل سياسي وأخلاقي يمكن وقفه إذا تحركت الإرادة الحقيقية للحكومات والجماهير. مطلبنا واضح: حماية المدنيين فوراً، ورفع الحصار، ووقف الابادة، وإطلاق مسار عدالة يحاسب المجرمين وينصف الضحايا، وإعادة الاعتبار لحق بسيط هو حق الإنسان في بيته وعائلته وأمن أطفاله. الفلسطيني لم يطلب معجزة، طلب أن يعيش مثل الآخرين، أن ينمو أطفاله بلا خوف، أن تعود العائلات إلى موائدها وأن تفتح النوافذ لنسيم لا يحمل رائحة البارود. وحتى يحدث ذلك سنواصل الحفر في الصخر وسنواصل حمل أسمائنا وقصصنا ومفاتيحنا، وسنواصل تربية أطفالنا على أن الكرامة هي جزء من كفاحنا ونضالنا.


دلالات

شارك برأيك

في وجه الذاكرة المفزعة.. لا يملك الفلسطيني سوى الكرامة ليتشبث بالحياة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.