تشهد الساحة الفلسطينية حراكاً سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً بعد أن أعلن الساسة الفلسطينيون عزمهم على الانتقال من السلطة للدولة، تزامناً مع إعلان العديد من الدول الغربية عزمها الاعتراف بالدولة الفلسطينية في أيلول المقبل. وتأتي أهمية هذا المقال لتناول سبب تأجيل الانتقال وتجسيد الدولة الفلسطينية من قبل الساسة الفلسطينيين من جهة، على الرغم من أن هناك قراراً وطنياً في المجلسين الوطني والمركزي بضرورة الانتقال وتجسيد الدولة الفلسطينية وفقاً للدستور المؤقت ووثيقة الاستقلال، ومن جهة أخرى عزم الدول الغربية الاعتراف بالدولة الفلسطينية بدون تجسيد يذكر في ظل الإجراءات الإسرائيلية وبدعم أمريكي من جانب واحد. وعليه، تقديم الآليات والحلول الممكنة لتجسيد الاعتراف بالدولة الفلسطينية وفق القانون الدولي والقرارات ذات الصلة، وبما يتلاءم مع تطلعات الفلسطينيين العادلة والمشروعة في الحرية وتقرير المصير كباقي الشعوب.
على الرغم من أهمية اعتراف الدول الغربية بالدولة الفلسطينية في أيلول المقبل، فإن هذا التأجيل غير مبرر سوى أنه يخدم الإجراءات الإسرائيلية الأحادية بطريقة غير مباشرة، خاصة أن الفلسطينيين تحت الاحتلال المباشر ويعانون من إجراءات الاحتلال اليومية التي يدفع الفلسطيني حياته ثمنها، خاصة أن تلك الإجراءات تستهدف الكل الفلسطيني، وأصبحت تهدد الإمكانية لتطبيق حل الدولتين على أرض الواقع.
وعليه نتساءل: كيف يمكن لهذا الإعتراف الحالي أو القادم أن يكون قادراً على تجسيد الدولة الفلسطينية في ظل تلك الإجراءات والمعطيات؟ أعتقد أن ذلك لن ينجح، والسبب مرتبط بتجاهل الولايات المتحدة وإسرائيل للقانون الدولي والقرارات المتعلقة بحل القضية الفلسطينية، ولم يعد مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة قادرين على إجبارهما على ذلك في ظل تنامي النظام الأحادي الذي يسيطر على المنظومة الدولية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
فنجاح التعددية الدولية يعني حل العديد من القضايا الدولية العالقة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وهذا يحتاج لإجراءات جدية وعملية من قبل الدول الأعضاء وبدون مجاملة لأحد للمطالبة بانصياع الجميع للقانون الدولي من خلال تعزيز التعاون والعمل المشترك وفقاً لمبدأ الاحترام المتبادل واحترام حقوق وسيادة الدول بصرف النظر عن حجمها أو قوتها أو ثروتها. وهذا ما أكدت عليه الصين باستمرار بشكل "حازم وثابت" من خلال طرح العديد من المبادرات والأفكار عبر تعزيز التعاون والعمل المشترك مع الجميع ليعم السلام والاستقرار في المنطقة من خلال حل القضية الفلسطينية بشكل جذري وشامل وعادل، ولكن الولايات المتحدة وحلفاءها لا تريد التعاون مع الصين والأطراف الدولية الأخرى لتحقيق تلك الغاية.
وأعتقد جازماً هنا أنها لا تريد للصين ومبادراتها النجاح في هذا الملف لتفادي نشر الأفكار ذات الخصائص الصينية لحل القضايا الدولية العالقة وأهمها القضية الفلسطينية، خوفاً من أن تصبح تلك المباردات والأفكار مرجعية للدول الأعضاء، وبالتالي مفتاحاً لتحقيق وتجسيد مبدأ التعددية والإنصاف والحوكمة في المنظومة الدولية، الأمر الذي يشكل خطراً على النظام الأحادي وحلفائه، علماً أن الصين لم تقدم مبادرات أو أفكاراً لتكون بديلاً عن المنظومة الدولية، وإنما لتساعد الدول الأعضاء على تقوية النظام الدولي بهدف تعزيز العدالة والحوكمة في الأداء، وبالتالي الحفاظ عليه كمرجعية للجميع دون استثناء.
وفيما يتعلق بالجانب الفلسطيني، مازال الساسة الفلسطينيون يراهنون على تحقيق طموحات الفلسطينيين على الولايات المتحدة وحلفائهم الغربيين، على الرغم من التجربة والخبرة الطويلة التي راهن فيها الساسة الفلسطينيون على النظام الأحادي منذ عام 1974 لتحقيق تلك الغاية ولكن دون جدوى. وهنا نتساءل: لماذا هذا الإصرار الفلسطيني من جانب الساسة الفلسطينيين في المراهنة من جديد على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لحل القضية الفلسطينية وتحقيق أهداف وطموحات الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير؟ خاصة أن ما يعيشه الفلسطيني اليوم مختلف عما سبق، وأن الظروف الموضوعية التي تنتهجها إسرائيل في التعامل مع الفلسطينيين تهدد القضية الفلسطينية والحقوق العادلة والمشروعة للفلسطينيين بدعم من الولايات المتحدة وتجاهلها المتعمد لتلك الحقوق.
وعليه، فالساسة الفلسطينيون انتهجوا نفس السياسة السابقة في المراهنة من جديد على القرار الغربي لتحقيق طموحات الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير، وذلك من خلال الإعلان الرسمي عن عزمهم تجسيد الدولة الفلسطينية في أيلول المقبل، وكأن الفلسطيني يعيش في ترف وحرية واستقرار سياسي واقتصادي وما شابه، وبالتالي فإن ذلك يحتمل التأجيل.
من جهة أخرى، وإن تحقق ذلك الحلم في أيلول المقبل، نتساءل من جديد: ما هي الأدوات التي يمتلكها الساسة الفلسطينيون للتعامل مع الواقع الجديد، واقع الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال، الحدود والخدمات التي يحتاجها الفلسطينيين يومياً، فمثلاً: هل يستطيع الساسة الفلسطينيون كتابة مصطلح الدولة الفسطينية على جوازالسفر الفلسطيني؟ هل ستعترف إسرائيل بهذا التغيير؟ وإن لم تعترف فكيف سيعبر الفلسطيني الحدود؟ وكذلك هل يستطيع الساسة الفلسطينيون إصدار بطاقة الفلسطيني كغيره من الشعوب وإلغاء الهوية الخضراء؟ والعديد من التساؤلات التي تتعلق بالحقوق الفلسطينية ومدى القدرة على تجسيدها عملياً، وهذه أبسط الحقوق التي نتكلم عنها، في المقابل هناك الحقوق والاحتياجات الأكبر المتعلقة بالسيادة والأمن والإقتصاد والعملة وخدمات الكهرباء والمياه وغيرهما، التي تمتلك إسرائيل حق التصرف بها عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، فكيف سيتم التعامل معها!
من جهة أخرى، هل الدول الغربية المعترفة بالدولة الفلسطينية في أيلول المقبل قادرة على حماية وصون وتوفير الحقوق الفلسطينية تلك؟ وهل تستطيع حماية تلك الدولة ومكتسباتها؟ فالواقع يجيب إن تلك الدول غير قادرة على حماية الحق في الحياة للفلسطيني، وكذلك عدم اتخاذ القرار الجدي بتوفير الدعم التنموي المطلوب لينعم الفلسطيني بحياة كريمة واستقرار مالي لتعزيز صموده على أرضه كغيره من الشعوب، وأيضاً عدم تمكين المؤسسة الفلسطينية بالمعنى المطلوب وطنياً من أجل القيام بواجباتها تجاه الفلسطينيين، فهي تريد مؤسسة ضعيفة بهدف ممارسة الضغوط على الفلسطينيين لتحقيق أهداف سياسية تتلائم مع الرؤية الغربية للحل والتي تخدم مصالحها المشتركة مع إسرائيل، على اعتبار أن أمن إسرائيل من أمن الدول الغربية القومي في منطقة الشرق الأوسط.
في المحصلة، على الساسة الفلسطينيين المراهنة على تضحيات وصمود الفلسطينيين فقط، واتخاذ قرار وطني "حازم وثابت"، ينسجم مع حجم تلك التضحيات ويؤكد أن الفلسطيني يستحق كغيره من الشعوب العيش بسلام وحرية وأمان، بعمل استفتاء شعبي يتعلق بالمطالبة في تجسيد الدولة الفلسطينية على أرض الواقع وفق وثيقة الإستقلال والقانون الاساسي (الدستور المؤقت) دون تأجيل، وعندئذ مطالبة الدول المعترفة بالدولة الفلسطينية تحمل مسؤولياتها القانونية والدولية لإحترام إرادة الشعوب بحق تقرير مصيرها وفق القانون الدولي، وبالتالي احترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها وعدم الإعتداء عليها.
والأمر الأخر، الاتفاق على رؤية سياسية فلسطينية واحدة هدفها صون الحق الفلسطيني، أولاً من خلال تجسيد الحقوق العادلة والمشروعة للفلسطينيين على الأرض الفلسطينية دون مجاملة لأحد، ودون القبول بشروط مسبقة على أي طرف من الأطراف، وعدم قبول الإملاءات أو التدخل في الشأن الفلسطيني الداخلي. وأخيراً تجسيد "إعلان بكين" لتعزيز الوحدة الداخلية الفلسطينية بشكل حازم رغماً عن كل الضغوطات التي تحاول إفشال ذلك.
وعليه، فإن إرادة الساسة الفلسطينيبن هي النواة الحقيقية للخروج من المأزق الحالي الذي يعيشه الفلسطينيون، فإما القرار الوطني المستقل المستمد شرعيته من الشعب، أو المراهنة على الغير من جديد دون جدوى، وإنما مزيد من التراجع والخسارة للفلسطينيين وربط قضيتهم الوطنية بالمجهول.





شارك برأيك
ما المطلوب لتجسيد الاعتراف بالدولة الفلسطينية