منذ بداية العدوان على قطاع غزة المحاصر، يتنقل بنيامين نتنياهو بين استراتيجيات متناقضة، حيث تتعارض أقواله مع أفعاله بشكل صارخ. يتحدث عن صفقات لتبادل الأسرى ووقف مؤقت لإطلاق النار، بينما يفتح الباب أمام خطاب التهجير الجماعي للفلسطينيين، مما يعيد إلى الأذهان سيناريو النكبة التاريخي.
تظهر تناقضات نتنياهو في موقفه من حماس، فهو يسعى لإنهائها عسكرياً وسياسياً، لكنه يستمر في التفاوض غير المباشر معها عبر الوسطاء. هذا يعكس إدراكه الضمني بعدم إمكانية محو حماس وأن أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تتم دون مشاركتها.
في الوقت نفسه، يصر نتنياهو على نزع سلاح حماس وتحويلها إلى قوة سياسية منزوعه القدرات، بينما يرفض عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، مما يخلق فراغاً سياسياً صعباً على الأرض. هذا الفراغ يعكس غياب خطة استراتيجية واضحة ويزيد من تعقيد الوضع الإنساني.
الأبعاد الإنسانية لهذه السياسات خطيرة، حيث ينفي نتنياهو استخدام سياسة التجويع ضد الفلسطينيين، لكنه يفرض قيوداً صارمة على دخول المساعدات الغذائية والدوائية. العمليات العسكرية تستهدف البنية التحتية وسكان القطاع المدنيين، مما يجعل المعاناة اليومية أداة ضغط سياسية.
إعادة إحياء خطاب 'إسرائيل الكبرى' من قبل نتنياهو يهدف إلى تبرير التوسع والسيطرة الجغرافية والسياسية، مما يلغي أي أفق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. الحرب على غزة تتحول إلى أداة لتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية.
إسرائيل لن تتراجع عن مشروعها التوسعي، مما يهدد استقرار الشرق الأوسط وأمن أوروبا.
أوروبا، التي تتأثر بالصراع أكثر من غيرها، تواجه صعوبة في فرض موقف صارم على دولة الاحتلال بسبب مصالح استراتيجية. على الرغم من التنديد المستمر، لم تتجاوز أوروبا غالباً التصريحات السياسية إلى خطوات عملية ملموسة.
استمرار العدوان على قطاع غزة يزيد من الضغط على أوروبا لإعادة التفكير في أدواتها الدبلوماسية، حيث تخلق سياسات نتنياهو المتناقضة بيئة حاضنة للتطرف، مما يمثل تهديداً غير مباشر للأمن الأوروبي.
السياسة الإسرائيلية تجاه غزة ليست مجرد أزمة إنسانية، بل اختبار لقدرة أوروبا على فرض قيود دبلوماسية وحقوقية حقيقية على دولة الاحتلال. النتائج الكارثية لهذا النهج تهدد مستقبل غزة وسكانها، وتمتد تأثيراتها لتقويض استقرار الشرق الأوسط.
على المجتمع الدولي، وأوروبا تحديداً، أن يتحمل مسؤولياته من خلال الضغط الجاد لوقف الانتهاكات وضمان تدفق المساعدات الإنسانية. يجب منع تحويل غزة إلى ساحة دائمة للتجارب السياسية والعسكرية الإسرائيلية.





شارك برأيك
التهجير ووهم التوسع: أين أوروبا من سياسة نتنياهو تجاه غزة؟