اقتصاد

الثّلاثاء 12 أغسطس 2025 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

اتفاق ترامب مع أوروبا.. هدنة جمركية بثمن السيادة

في خطوة وُصفت بأنها تحوّل إستراتيجي بالغ الخطورة، وقّع الاتحاد الأوروبي، أواخر الشهر الماضي، اتفاقا تجاريا مثيرا للجدل مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذا الاتفاق أوقف مؤقتا حربا جمركية وشيكة، لكنه في الوقت ذاته فتح الباب لموجة انتقادات داخلية حادّة لم تهدأ حتى الآن.

الاتفاق، الذي أُعلن عنه من منتجع "ترامب ترنبري" في أسكتلندا، نص على فرض رسوم أميركية بـ15% على صادرات أوروبية محددة، أبرزها السيارات والآلات الدقيقة، مقابل تخفيض الرسوم الأوروبية على السيارات الأميركية إلى 2.5%. كما تضمّن التزاما أوروبيا بزيادة مشترياته من الطاقة الأميركية.

فور الإعلان عن الاتفاق، تصاعدت موجة غضب في الأروقة الأوروبية. ففي فرنسا، وصف رئيس الوزراء فرانسوا بايرو يوم التوقيع بأنه "يوم مظلم في تاريخ الاتحاد"، بينما نقلت وسائل إعلام فرنسية عن الرئيس إيمانويل ماكرون قوله: "حتى تكون حرًا يجب أن يخشوك.. ونحن لم نكن مخيفين".

أما النائبة الأوروبية فاليري هايير، فرأت أن الصفقة "لا تعكس شراكة، بل تكشف هشاشة أوروبا أمام تهديدات خارجية متكررة". وذهب بيرند لانغه، رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، إلى أن الاتحاد "أصبح رهينة لابتزاز اقتصادي يتكرر كل أربع سنوات مع تغيّر الإدارات الأميركية".

في المقابل، تبنّت الحكومة الألمانية خطابًا أكثر واقعية؛ إذ قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن: "الاتفاق حال دون حرب تجارية، كان يمكن أن تضرب صادراتنا". بينما وصف وزير المالية لارس كلينغبايل الاتفاق بـ"الضعيف"، لكنه أضاف: "علينا البناء عليه من أجل موقف أوروبي أقوى في المستقبل".

البروفيسور ريمي بييه، الخبير الاقتصادي الأميركي، أوضح أن الانقسامات بين الدول الأعضاء كانت السبب الجوهري وراء تمرير الاتفاق. وأشار إلى أن غياب التماسك يعيد إلى الأذهان الانقسامات الهيكلية بين دول الشمال الصناعي والجنوب الزراعي.

تباينت المواقف الأوروبية تجاه الاتفاق، حيث تمحورت بين القبول الحذر والرفض الواضح.

تباينت المواقف الأوروبية تجاه الاتفاق، حيث تمحورت بين القبول الحذر والرفض الواضح.

الاتحاد الأوروبي يواجه صعوبة في اتخاذ موقف اقتصادي موحد تجاه الولايات المتحدة.

الاتحاد الأوروبي يواجه صعوبة في اتخاذ موقف اقتصادي موحد تجاه الولايات المتحدة.

الدكتور كميل الساري، الخبير الاقتصادي الفرنسي، اعتبر أن الاتفاق يمثل انتكاسة خطِرة للسيادة الأوروبية، مشيرًا إلى أن "70 ألف وظيفة في قطاع السيارات الألماني مهددة بالانتقال إلى أميركا". كما حذر من خطر "إعادة التموضع الصناعي" نحو الولايات المتحدة.

وعن فرص البحث عن شراكات بديلة، يرى بييه أن العلاقة مع الصين "تمر بمرحلة حرجة"، وأن "فرص التعاون في ملفات مثل المناخ قائمة، لكن التباينات الهيكلية تعيق إحراز تقدم حقيقي". وأشار إلى أن تهميش أوروبا من واشنطن قد يكون حافزًا لـ"تعميق التكامل الاقتصادي والدفاعي داخل الاتحاد".

ويرى بييه أن الاتفاق يمكن أن يشكل فرصة للمراجعة، بشرط تجنب مخاطر التشتت. وأكد أن ما نحتاجه الآن هو تنسيق فرنسي ألماني يعيد الزخم لمشاريع، مثل السوق الموحدة أو السياسات الصناعية المشتركة.

أحد البنود الأكثر إثارة للجدل كان إعلان ترامب أن أوروبا ستشتري 750 مليار دولار من الغاز والنفط الأميركيين، لكن المفوضية الأوروبية سارعت للتوضيح أن قرارات الشراء تعود للشركات لا للحكومات.

ورغم أن الاتفاق أنقذ أوروبا من مواجهة جمركية مدمّرة، فإنه كشف عن ثغرات بنيوية في آليات التفاوض والتكامل داخل الاتحاد. ويختتم الساري بالتحذير من أن استمرار هذا المسار قد يحوّل أوروبا إلى ملعب مفتوح للابتزاز التجاري.

الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب تمثل تحديات جديدة أمام الاتحاد الأوروبي.

الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب تمثل تحديات جديدة أمام الاتحاد الأوروبي.

دلالات

شارك برأيك

اتفاق ترامب مع أوروبا.. هدنة جمركية بثمن السيادة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.