في عالم السياسة، قد يبدو من الطبيعي أن تُمنح الجوائز أحيانًا لغير مستحقيها، لكن أن يُطرح اسم الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب لنيل جائزة نوبل للسلام في ظل سياساته الداعمة للحروب، فهذا ليس مجرد مفارقة، بل أقرب إلى مسرحية سوداء تفضح ازدواجية المعايير في النظام الدولي.
منذ عاد إلى البيت الأبيض عام 2025، واصل ترمب نهجه المنحاز بالكامل لإسرائيل، مانحًا إياها غطاءً سياسياً ودبلوماسياً غير محدود. هذا الانحياز لم يكن جديداً، بل امتداد لسياسته في ولايته الأولى، حين نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وشرعن الاستيطان، ومنح الضوء الأخضر لعمليات عسكرية وصفت بأنها حرب إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة. واليوم، ومع كل مجزرة ترتكبها الآلة العسكرية الإسرائيلية، لا يكتفي ترمب بالصمت، بل يبارك ويدعم، في تجاهل صارخ للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
وإذا كانت جائزة نوبل للسلام قد مُنحت سابقاً لزعماء أوقفوا نزاعات أو أبرموا اتفاقيات تاريخية، فإنّ ترمب على النقيض، عزز الانقسامات وأجّج الصراعات. الضربة الأمريكية الأخيرة التي استهدفت منشأة فوردو النووية في إيران مثال واضح على ذلك، إذ رفعت مستوى التوتر الإقليمي إلى حافة الانفجار. لم تكن تلك الضربة مجرد عمل عسكري محدود، بل إعلان بأن الحلول الدبلوماسية ليست أولوية في قاموس ترمب السياسي.
إن الحديث عن منح ترمب جائزة نوبل للسلام في ظل هذا السجل الحافل بالصراعات، يجعلنا نتساءل: أي سلام هذا الذي يكافأ عليه؟ هل أصبح السلام مرادفاً لفرض الهيمنة بالقوة، ودعم الاحتلال، وتجاهل حقوق الشعوب؟ وإذا ما حصل ترمب على الجائزة، فسيكون ذلك بلا شك أكبر تكريس للنفاق السياسي والرياء في التاريخ الحديث، وضربة موجعة لمصداقية الجائزة التي يُفترض أنها تكافئ صانعي السلام لا مهندسي الحروب.
التاريخ لن يرحم. فكما خلد أسماء قادة حملوا مشاعل الحرية وأنهوا الحروب، سيسجل أيضاً أسماء من ادّعوا صناعة السلام، بينما كانت أيديهم ملطخة بدماء الأبرياء. وفي حالة ترمب، فإن الحديث عن "استحقاقه" جائزة نوبل للسلام ليس سوى انعكاس لزمن انقلاب القيم، حيث قد تُكافأ القوة المدمرة على أنها أداة سلام، ويُهمَّش صوت الضحايا في أروقة الجوائز العالمية.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 12 أغسطس 2025 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
ترمب وجائزة نوبل للسلام.. مفارقة القرن أم عنوان النفاق الدولي؟