وسط جحيم قطاع غزة، فقد رجال كثيرون شريكات حياتهم، وهم اليوم يعانون بعد أن وجدوا أنفسهم مجبرين على تحمّل أعباء معيشية إضافية إلى جانب التعامل مع أولادهم المحتاجين إلى أحضان أمهاتهم.
وسط الأوجاع التي تخلّفها حرب الإبادة التي ترتكبها إسرائيل بحقّ الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر والمتواصلة منذ أكثر من 22 شهراً، ومع محاولة الجميع التركيز فيها على ما يعانيه الأطفال والنساء، يظهر رجال وحيدون في مواجهة أعباء حياة الأسرة اليومية بعدما اغتالت آلة الحرب الإسرائيلية زوجاتهم وتركت أطفالهم بلا حضن أمّ.
تطارد الظروف القاسية التي فرضتها الحرب الإسرائيلية جميع أطياف المجتمع، لكن يركّز المصوّرون كاميراتهم على الأطفال الجوعى وهؤلاء الذين ينتظرون دورهم في طوابير المطابخ الخيرية والذين يضيعون بين ركام المنازل التي دمّرتها الصواريخ والقذائف، وكذلك على النساء المفجوعات بفلذات أكبادهنّ واللواتي يسرن على دروب النزوح وهنّ يحملنَ متاعاً ثقيلاً.
لكنّ الرجال لا يُرصَدون إلا نادراً، خصوصاً وهم ينتظرون حصص المساعدات، بينما مآسي كثيرين منهم تضاعفت بعد فقدانهم شريكاتهم، لا سيّما أن أعداد الشهداء من النساء من بين الأعلى بعد أعداد الأطفال.
وإلى جانب اضطرار الرجال إلى توفير ما يسدّ، ولو قليلاً، جوع أبنائهم من المساعدات التي يسمح الاحتلال بإدخالها إلى قطاع غزة المحاصر، فهم يشقون لتوفير الحليب لأطفالهم ويجهدون لغسل الملابس وإنجاز مهام أخرى لطالما اتّكلوا على زوجاتهم لإتمامها.
فكانوا يعودون إلى بيوتهم الدافئة التي تعبق فيها رائحة الخبز والتي تتّضح فيه لمسة المرأة أو الزوجة التي تحتويهم. أمّا اليوم، فقد تغيّر كلّ شيء.
وتتضاعف الأعباء الملقاة على عاتق رجال غزة في ظلّ تردّي الأوضاع المعيشية التي بلغت مستويات كارثية بفعل التجويع الممنهج الذي يرتكبه الاحتلال في كلّ محافظات القطاع، الأمر الذي جعل توفير وجبة طعام واحدة لأفراد العائلة مهمّة شاقة.
تُضاف إلى رحلات النزوح القسري المتكرّرة مع كلّ عملية عسكرية تنفّذها قوات الاحتلال في مناطق مختلفة فتُصدر أوامر إخلاء تضع العائلات أمام مصيرهم.
وتفيد البيانات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بأنّ العدوان الإسرائيلي أسفر عن استشهاد أكثر من 58 ألف شهيد، من بينهم أكثر من 12 ألفاً و500 امرأة، مع العلم أنّ النساء والأطفال يمثّلون معاً 70% من نسبة شهداء غزة في خلال الحرب المتواصلة.
في داخل إحدى غرف الصفّ بمدرسة إيواء في حيّ الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، يجلس الفلسطيني محمد أنور الدوش (47 سنة) عاجزاً عن تصديق غياب زوجته وردة نعيم عروق وابنته، واللتَين استشهدتا في قصف طاول منزل العائلة في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023.
يقول الدوش: "استشهدت زوجتي وابنتي، وبقي عندي ابنان وابنة واحدة"، مضيفاً أنّه "منذ ذلك اليوم وأنا أشعر بأنّ الدنيا اسودّت في وجهي".
ويشرح: "لم أكن أعرف كيفية القيام بأيّ من شؤون البيت، إذ كانت كلّ المهام المنزلية ملقاة على عاتق زوجتي بالإضافة إلى تربية أولادنا. لكن بعد استشهادها، اختلف الواقع كثيراً عليّ."
ويضيف الدوش أنّ "المصيبة الكبرى هي في أنّني لا أستطيع تحقيق أيّ من متطلبات أولادي، خصوصاً أنّنا ما زلنا نازحين ونعيش في غرفة صفّ داخل مدرسة إيواء."
ويقرّ: "أنا أشعر باختناق. ولا حلّ إلا بانتهاء الحرب والعودة إلى العيش كما في السابق قبل".
لكنّ الحياة كما في السابق لم تعد خياراً متاحاً مع استشهاد زوجته ووالدة أولاده.
استشهدت زوجتي وابنتي، وبقي عندي ابنان وابنة واحدة، ومنذ ذلك اليوم وأنا أشعر بأنّ الدنيا اسودّت في وجهي.
وبألم يقول الدوش: "أنا حزين على نفسي كثيراً بعد استشهاد زوجتي، فهي كانت تمثّل نصفي الثاني، خصوصاً في ظلّ تردّي الأوضاع وقساوة الحياة التي وصلنا إليها."
بدوره، فقد طبيب الأمراض النفسية والعقلية إسلام شريتح (40 سنة) زوجته نسمة الوكيل في قصف استهدف جلسة على سطح منزل العائلة في حيّ الصبرة جنوبي مدينة غزة في 23 مايو/ أيار الماضي.
يقول شريتح: "كنت معهم قبل دقائق فقط، وبعدها ألقت الزنّانة (المسيّرة الإسرائيلية) صاروخاً عليهم... فاستشهدت زوجتي وأخي وزوجته".
ولا يخفي شريتح "الفراغ الكبير الذي تركه استشهاد نسمة"، أضف إلى ذلك أنّه يهتمّ اليوم بشؤون أطفاله الثلاثة.
ويشير إلى أنّ "أكثر من 80% من أعباء الحياة أصبحت علي عتقي. أنا أغسل وأطبخ وأتابع الأولاد، وهذا الأمر يجعلني أتأخّر عن عملي."
ويضيف شريتح: "استشهاد الزوجة أمر صعب، وهذا الشعور لا يحسّ به إلا من فقد زوجته. كانت ركن البيت الأساسي، والنصف الثاني الذي يُكمّلني."
حكاية مؤلمة أخرى يروي فصولها معتز زيادة (41 سنة)، الذي استشهدت زوجته سحر فايز زيادة فيما كانت ترفع الراية البيضاء وهي تتّجه نحو منزل العائلة.
ويخبر زيادة: "كنّا محاصرين لثلاثة أيام من دون مياه ولا طعام في مستشفى كمال عدوان في مشروع بيت لاهيا، خلال العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في الشهر الماضي."
ويشير إلى أنّ "زوجتي كانت نصف البيت، وغيابها حوّل حياتنا إلى جحيم."
في خيمة قريبة من الميناء، يعيش محمد الدريني (39 سنة) مأساة لا تقلّ قساوة منذ فقد زوجته هالة كساب في قصف استهدف منزل جيرانهما في جباليا شمالي قطاع غزة.
يقول الدريني: "لديّ أربعة أولاد، وأنا أتحمّل مسؤوليتهم بمفردي. وما يزيد التعب والإرهاق هو النزوح المستمرّ."
ويؤكد أنّ "الحياة صعبة جداً في الوقت الحالي، وتوفير الطعام أمر معقّد. ففي صباح كلّ يوم، لا أعلم من أين أبدأ بالأعباء الملقاة عليّ."
قضايا وناس التحديثات الحية أرامل غزة وأيتامها... تداعيات العدوان تقسو على الفئات الضعيفة.
من جهته، يعيش كمال عوني البراوي (38 سنة) قصة أخرى من الألم، منذ ذلك اليوم الذي فقد فيه زوجته وأطفال أربعة بعد قصف منزلهم الواقع في بيت لاهيا.
ويقول البراوي: "كنّا نازحين في مدرسة أبو تمام في بيت لاهيا ووردتنا معلومات بانسحاب قوات الاحتلال من المنطقة التي نسكن فيها. فعدنا إلى بيتنا، لكن بعد ثلاثة أيام فقط، قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية المبنى السكني المؤلّف من ستّ طبقات، واستشهدت زوجتي وأربعة من أولادنا."





شارك برأيك
آباء وحيدون يواجهون قسوة الحياة والحرب في غزة