د. جمال حرفوش: سكوت العالم عن المجاعة في غزة لا يُعد فقط انحداراً أخلاقياً مروعاً بل خيانة حقيقية للعهد الدولي لحماية المدنيين
د. تمارا حداد: كسر "الحلقة الجهنمية" في غزة يبدأ بوقف إطلاق النار وتسليم الرهائن وخروج "حماس" من الحكم لإنهاء ذرائع إسرائيل
عدنان الصباح: المطلوب تشكيل جبهة عالمية موحدة تنطلق من فلسطين وتضم القوى الحية في العالم بهدف مواجهة الظلم وإنهاء معاناة غزة
د. أمجد بشكار: الأمم المتحدة مطالبة بإعلان المجاعة رسمياً في غزة والتأخير في ذلك يمنح إسرائيل الغطاء للاستمرار في سياساتها
د. محمد الطماوي: أول المخارج الممكنة يتمثل في الضغط الدولي الجاد على الاحتلال لوقف العدوان ورفع الحصار بشكل فوري
سامر عنبتاوي: ما يجري في قطاع غزة ليس مجرد مجاعة بل تجويع ممنهج لخدمة أهداف سياسية والدفع نحو التهجير القسري
في ظل تفاقم المأساة الإنسانية في قطاع غزة، يتعاظم القلق الدولي من التحول الممنهج للتجويع إلى أداة حرب بيد الاحتلال الإسرائيلي، حيث باتت صور المجاعة وشح الغذاء والمياه وندرة الدواء مشاهد يومية تدك القطاع المنهك بحرب الإبادة.
تجاوزت المعاناة في قطاع غزة توصيف "أزمة إنسانية" إلى ما يصفه كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "ے"، بكونه "جريمة إبادة جماعية بالتجويع"، وسط صمت دولي مريب يُنظر إليه على أنه خذلان متواطئ يشرعن استمرار المأساة.
ويؤكد الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات ضرورة تفعيل أدوات العدالة الدولية، وطرح مبادرات لتشكيل ائتلافات دولية تفرض عقوبات على الاحتلال في حال استمرار سياسة التجويع، بالتوازي مع تفعيل مبدأ "مسؤولية الحماية" الأممي، باعتبار ما يحدث في غزة جريمة ضد الإنسانية لا يجوز الصمت عليها.
ويحذرون من أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل دولي جاد، سيقود إلى كارثة شاملة تُسجل كوصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء.
جريمة إبادة جماعية بالتجويع
يؤكد أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، د. جمال حرفوش، أن ما تتعرض له غزة منذ أشهر يتجاوز حدود الأزمة الإنسانية المعتادة، ليصل إلى "جريمة إبادة جماعية بالتجويع" تنفذ بشكل ممنهج ومتعمد، وفقاً للمعايير القانونية الدولية، خصوصاً اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 والمادتين 7 و8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ويعتبر حرفوش أن ما يجري في قطاع غزة من خنق متواصل للحياة وتجويع للمدنيين يجب ألا يُواجه بنداءات الشفقة أو بيانات الإدانة، بل بتحرك قانوني وسياسي وإنساني شامل، يضع حداً نهائياً لهذه المأساة.
ويلفت حرفوش إلى أن كسر هذه "الحلقة الجهنمية" يبدأ بتدويل المأساة قانونياً، من خلال تفعيل الآليات القضائية الدولية، وتقديم مذكرات إحالة عاجلة إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، لفتح تحقيق رسمي في جريمة استخدام التجويع كسلاح حرب، استناداً للمادة 8 (2)(ب)(xxv) من نظام روما.
ويشدد حرفوش على ضرورة إجبار الاحتلال قانونياً على رفع الحصار الكامل، عبر استصدار أوامر قضائية من محكمة العدل الدولية، وقرارات ملزمة من مجلس الأمن استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بما يفرض فتح المعابر وتسهيل دخول الغذاء والدواء دون أي قيد.
ويدعو حرفوش إلى تفعيل مبدأ "مسؤولية الحماية" (R2P)، الذي يلزم المجتمع الدولي بالتدخل الفوري حين تُرتكب جرائم إبادة أو جرائم ضد الإنسانية، وهو ما ينطبق على الحالة الغزية بكل وضوح، في ظل غياب أي وسيلة محلية لحماية السكان.
إطلاق جسر ثلاثي الأبعاد
ويقترح حرفوش إطلاق جسر ثلاثي الأبعاد: قانوني، وإعلامي، ودبلوماسي، لعرض الأدلة على المجتمع الدولي، وتجريد الاحتلال من غطاء الإفلات من العقاب.
ويؤكد حرفوش أن هذا المسار سيُمهّد الطريق أمام مقاطعة شاملة للمسؤولين الإسرائيليين المتورطين في الجرائم، وسيخلق بيئة دولية ملائمة لمحاسبتهم.
ويصف حرفوش الصمت الدولي بأنه "تقاعس متواطئ" و"اشتراك سلبي"، داعياً إلى مساءلة الدول التي تمتنع عن التحرك، استناداً إلى مبدأ "المسؤولية الدولية عن الامتناع"، كما ورد في مشروع قواعد لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة لعام 2001.
سيناريوهات تنفيذية
وفي ما وصفه بـ"ساعة قانونية صفر"، يطرح حرفوش عدة سيناريوهات تنفيذية يمكن اعتمادها فوراً: اما السيناريو الإنساني القسري عبر السماح بدخول مساعدات إنسانية دون موافقة الاحتلال، استناداً إلى المادة 70 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، تحت إشراف الأمم المتحدة ودول موقعة على اتفاقيات جنيف.
ويشير حرفوش إلى السيناريو القضائي الدولي عبر إصدار أمر مؤقت من محكمة العدل الدولية يلزم إسرائيل والدول الداعمة لها بفتح ممرات إنسانية، بناءً على طلب دولة عضو مثل جنوب أفريقيا أو الجزائر.
وبحسب حرفوش، هناك السيناريو الدبلوماسي الردعي عبر تشكيل ائتلاف دولي مستعد لتفعيل عقوبات سياسية واقتصادية على إسرائيل، في حال استمرار الحصار، وهو ما يُعد مشروعاً وفق القانون الدولي العرفي.
ويلفت حرفوش إلى السيناريو القضائي البديل من خلال استخدام مبدأ "الولاية القضائية العالمية" لمحاكمة المسؤولين الإسرائيليين أمام محاكم دولية في بلدان أجنبية، كون جرائم الإبادة لا تسقط بالتقادم.
ويتطرق حرفوش إلى السيناريو الإعلامي التحريضي المشروع من خلال إعداد لوائح اتهام قانونية موجهة للرأي العام العالمي، وليس فقط نشر صور المعاناة، بهدف خلق ضغط أخلاقي وقانوني يدفع المؤسسات الأممية إلى التحرك.
ويؤكد حرفوش أن "سكوت العالم عن المجاعة في غزة لا يُعد فقط انحداراً أخلاقياً مروعاً، بل خيانة حقيقية للعهد الدولي لحماية المدنيين"، مشدداً أن "غزة لا تطلب فقط خبزاً للبقاء، بل عدالة تُنزع بها الأقنعة القانونية عن القتلة".
وقف النار المفتاح الأول والأساسي لإدخال المساعدات
تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن السبيل الوحيد لإنهاء "الحلقة الجهنمية" التي يعيشها سكان قطاع غزة، والتي تتجسد بالمجاعة والانهيار الإنساني، يتمثل أولاً في وقف إطلاق النار، معتبرة أن هذا الوقف لا يمكن تحقيقه إلا من خلال خيارين: إما هدنة إنسانية مؤقتة أو دائمة، على أن تتطور المؤقتة لتصبح دائمة لاحقاً.
وتشدد حداد على أن وقف إطلاق النار هو المفتاح الأول والأساسي لإدخال المساعدات الإنسانية ووقف المجاعة التي باتت تُنذر بالموت البطيء، لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب ضغطاً سياسياً ودولياً حقيقياً على جميع الأطراف.
وتوضح حداد أن الوصول إلى الهدنة ما زال معقداً بسبب تمسك إسرائيل بشروطها وفي المقابل تمسك حركة حماس بمواقفها، ما يبقي الأوضاع في حلقة مفرغة، في ظل غياب أي بوادر لسد الفجوات بين الطرفين.
وتشير حداد إلى أن إسرائيل تضع شرطين أساسيين لوقف الحرب: استعادة المحتجزين وإنهاء حكم حركة حماس، بما في ذلك نزع سلاحها وإبعاد قيادتها إلى خارج قطاع غزة، في المقابل، ترفض حماس هذه الشروط، ما يعرقل الوصول لأي تسوية، لافتة إلى أن إنهاء الحرب يتطلب إنهاء الذريعتين اللتين تستغلهما إسرائيل لمواصلة عدوانها: الرهائن وحكم حماس.
وترى حداد أن تسليم المحتجزين يمكن أن يتم من خلال جهة دولية أو عربية موثوقة تتسلمهم، كحل لضمان وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.
السلطة الفلسطينية تبقى الخيار الأنسب
وترى حداد أن حركة حماس بإمكانها التخلي عن الحكم في غزة، بكل أبعاده الأمنية والسياسية والمدنية، لصالح جهة أكثر اتزاناً وحكمة، مشيرة إلى أن السلطة الفلسطينية تبقى الخيار الأنسب نظراً للاعتراف الدولي بها، ولدعم الاتحاد الأوروبي لوجودها.
وتؤكد حداد أن تسليم زمام الأمور للسلطة الفلسطينية من شأنه أن يزيل ذرائع إسرائيل، ويفتح المجال لضغط دولي واسع لوقف العدوان.
وتطالب حداد بفتح المعابر فوراً بعد تسوية ملفي الرهائن والحكم، لضمان إدخال المساعدات والوقود والطعام والمستلزمات الطبية بشكل مستدام وكامل.
ولضمان استمرار إدخال المساعدات دون عراقيل، تقترح حداد إصدار قرار دولي تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لتجاوز الفيتو الأمريكي، إضافة إلى تشكيل لجنة دولية أو أممية – وربما قوات حفظ سلام – لمراقبة المعابر وعمليات التوزيع، كما هو معمول به في بؤر التوتر الأخرى حول العالم.
وتشدد حداد على أن هذه الإجراءات يجب أن تتبعها خطوة جذرية تتمثل في رفع الحصار بشكل كامل عن غزة، وهو ما لن يحدث إلا إذا اطمأنت إسرائيل إلى زوال التهديد الأمني من القطاع، عبر تشكيل إدارة جديدة لا تشكل خطراً على أمنها القومي، على حد تعبيرها.
ثلاثة مسارات
وحول السيناريوهات المتوقعة، ترى حداد أن هناك ثلاثة مسارات: الأول إيجابي يتضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار، وإدخال مساعدات، وإعادة النازحين، وبدء خطة إعمار، خصوصاً في ظل المبادرات المصرية والعربية القائمة.
والسيناريو الثاني وفق حداد، "رمادي" يتمثل في استمرار الحصار المتقطع والقصف المتواصل، ما يفاقم الأزمة.،أما الثالث، فهو السيناريو الكارثي: احتلال غزة بالكامل، وتفشي المجاعة والأوبئة، وتهجير السكان قسراً، وهو السيناريو الذي يدفع إليه اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو وسموتريتش وبن غفير.
وتؤكد حداد أن الوضع في غزة يتطلب ضغطاً إعلامياً، وقانونياً، وسياسياً دولياً عاجلاً، وتحركاً شعبياً عالمياً لوقف المجاعة وإنقاذ المدنيين، مؤكدة أن المسؤولية تقع على عاتق جميع الأطراف، وأن حماس مطالبة بإنهاء الذريعتين (الرهائن والحكم) لكسر هذه الحلقة الجهنمية، في ظل غياب ردع دولي لإسرائيل التي ترى نفسها فوق القانون.
المخرج الحقيقي يبدأ من الشعب الفلسطيني ذاته
يشدد الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح على أن المخرج الحقيقي من الجريمة المستمرة في قطاع غزة يجب أن يبدأ من الشعب الفلسطيني ذاته، لا من خلال مناشدة المجتمع الدولي أو التعويل على تحرك الدول العربية أو الإسلامية.
ويؤكد الصباح أن الشعب الفلسطيني هو صاحب الحق، وهو الأحق بالدفاع عنه، مشيراً إلى أن جميع مكونات الشعب الفلسطيني من فصائل ومنظمات وقوى مجتمع مدني واتحادات ونقابات وجمعيات، إضافة إلى الجهات الرسمية كمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية، مطالبة بتحمل مسؤولياتها.
ويشير الصباح إلى أن استمرار حالة الجمود الفلسطيني تضعف أي جهد يمكن بذله لوقف ما وصفه بـ"الجريمة الجماعية" التي تُرتكب بحق غزة، محذراً من أن هذه الجريمة ليست فقط جريمة احتلال، بل هي جريمة تشمل أيضاً كل من يقف صامتاً أمامها.
ويعتبر الصباح أن الصمت الدولي يعكس حالة خذلان لا تطال غزة فقط، بل تطال القيم والأخلاق والإنسانية، موضحاً أن العالم يخذل المبادئ التي يدّعي الإيمان بها، ويخذل حتى الله الذي يعبده، لأنه يرى الظلم ويصمت.
ويرى الصباح أن المطلوب اليوم هو تشكيل جبهة عالمية موحدة تنطلق من فلسطين وتضم كل القوى الحية في العالم، بهدف مواجهة الظلم ورفع الحصار عن غزة وانهاء العدوان ومعاناة القطاع، مشيراً إلى أن هذه المبادرة يجب أن يقودها الفلسطينيون أنفسهم، لأن الحق الفلسطيني إذا غاب من الداخل فلا يمكن أن يأتي من الخارج.
ويؤكد الصباح أن المشهد في غزة يفرض ضرورة تحرك شعبي واسع، داعياً إلى خروج مليوني فلسطيني في قطاع غزة، عزّل، بشكل موحّد في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، وهو ما قد يهزّ ضمير العالم.
ويرى الصباح أن هذا التحرك يجب أن يترافق مع موقف فلسطيني مقاوم موحّد ومؤمن بعدالة القضية، معتبراً أن الانتظار هو شكل من أشكال الموت، والمسؤولية لا تقع فقط على الأنظمة الرسمية، بل على قوى المجتمع العالمي وأصحاب الضمير والعدالة في كل مكان.
ويعتقد الصباح أن الغياب الدولي التام لما يحدث في غزة هو نتيجة لغياب المبادرة الفلسطينية، مؤكداً أن رفع الراية الفلسطينية الموحدة هو السبيل الوحيد لإعادة إحياء الضمير العالمي وتحريك الجبهات الإنسانية والدولية لمواجهة الظلم.
الواقع في غزة تجاوز حدود الكارثة
يؤكد أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار أن ما يجري في قطاع غزة من حصار وتجويع هو "عملية مهندسة وممنهجة" يقودها الاحتلال الإسرائيلي، عبر فرض قيود قاسية على دخول المساعدات الإنسانية، ومنع المنظمات الدولية والأهلية من أداء دورها الإغاثي.
ويصف بشكار ما يحدث بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، تستوجب تحركاً فورياً وفعّالاً، عربياً ودولياً، معتبراً أن الصمت حيال ذلك هو عار وجريمة بحد ذاته.
وبحسب بشكار، فإن الواقع في غزة تجاوز حدود الكارثة، قائلاً: "واحد من كل ثلاثة غزيين يقضي أيامه دون طعام، وما نشهده اليوم هو نسخة حقيقية من لعبة الحبار، لكن بفارق أن هذه ليست دراما خيالية بل واقع مأساوي تعيشه عشرات الآلاف من العائلات التي تقاتل لأجل لقمة العيش".
ويشدد بشكار على أن الاحتلال يعمد إلى إذلال الفلسطينيين بالتجويع، حتى بات الناس يتقاتلون على الفتات، ثم يُطلق الجيش الإسرائيلي النار عليهم كما لو أنهم طرائد صيد.
ويشير بشكار إلى أن السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح اليوم هو: "كم من الأطفال والنساء وكبار السن يجب أن يموتوا جوعاً حتى يصحو ضمير العالم ويقول: كفى؟"، متسائلاً في الوقت نفسه عن مدى جدية الشعارات التي طالما رددها العرب بأن فلسطين هي "قضية العرب المركزية"، قائلاً: "حين صار الموضوع جدياً، تُرك الغزيون وحدهم في الميدان، يقاتلون ويبحثون عن الماء والغذاء دون دعم يُذكر".
وينتقد بشكار بشدة غياب الإرادة السياسية العربية، معتبراً أن ما تم تقديمه للفلسطينيين لا يتجاوز بيانات تقليدية من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، بينما الحقيقة أن كل الإمكانيات المطلوبة للتحرك الفعلي موجودة، لكنها معطلة بسبب الحسابات السياسية الضيقة.
تجريد الملف الإنساني من التجاذبات السياسية
ويدعو بشكار إلى تجريد الملف الإنساني من التجاذبات السياسية، مؤكداً أن إسرائيل تستخدمه كسلاح لفرض وقائع ميدانية، في ظل غياب أي موقف حازم من الأنظمة العربية أو حتى الشعوب التي، بحسب تعبير بشكار، "تأوي إلى بيوتها دون حتى أن تشعر بالإذلال الذي يعيشه الغزيون".
ويوضح بشكار أن نهاية هذا التجويع لا تتحقق إلا عبر إرادة سياسية حقيقية، تبدأ من الاعتراف الدولي بأن ما يجري في غزة ليس نزاعاً، بل جريمة ضد الإنسانية.
ويدعو بشكار الأمم المتحدة إلى إعلان المجاعة رسمياً في قطاع غزة، مشيراً إلى أن التأخير في ذلك يمنح إسرائيل الغطاء للاستمرار في سياساتها.
ويلفت بشكار إلى تصريحات خطيرة أدلى بها مؤخراً السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، الذي قال إن "العرب منفتحون على خطة هجينة لإخلاء قطاع غزة".
وهي، بحسب بشكار، خطة تقوم على جزأين: تهجير قسري عبر التجويع والضغط، وآخر طوعي عبر الابتزاز بإعادة الإعمار.
ويؤكد بشكار أن هذه التصريحات تعكس تنسيقاً خطيراً بين أطراف دولية وإقليمية لفرض وقائع تؤدي إلى تفريغ غزة من سكانها، خاصة بعد أن عاد عشرات الآلاف لشمال غزة عقب الهدنة السابقة.
ويؤكد بشكار أن "الوقت ينفد"، لكن الأمل لا ينفد، إذا توفرت الإرادة السياسية العربية والدولية، محذراً من أن استمرار هذا المشهد دون تدخل حقيقي سيُسجل في التاريخ كوصمة عار على جبين الإنسانية جمعاء.
دائرة جهنمية من الجوع والدمار والموت البطيء
يوضح الباحث في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية، د. محمد الطماوي، أن قطاع غزة يعيش منذ أشهر في ظل حصار خانق وعدوان متواصل، أدى إلى تحويل حياة السكان إلى "دائرة جهنمية من الجوع والدمار والموت البطيء"، مؤكداً أن كسر هذه الحلقة لا يمكن أن يتم من خلال المساعدات الرمزية أو الحلول المؤقتة، بل من خلال تحرك شامل يعالج جذور المأساة.
ويؤكد الطماوي أن أول المخارج الممكنة يتمثل في الضغط الدولي الجاد على الاحتلال الإسرائيلي من أجل وقف العدوان ورفع الحصار بشكل فوري.
ويدعو الطماوي إلى تفعيل أدوات القانون الدولي، وممارسة ضغوط دبلوماسية حقيقية من قبل الحكومات والمنظمات الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات رادعة على إسرائيل، مشابهة لتلك التي فرضت على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في السابق.
فتح ممرات إنسانية دائمة
ويرى الطماوي أن فتح ممرات إنسانية دائمة، بإشراف أممي مستقل، يعد أمراً ضرورياً وملحاً، حيث يجب أن تدخل المساعدات الغذائية والطبية والوقود دون ابتزاز سياسي أو عراقيل أمنية من قبل الاحتلال.
ويشدد الطماوي على أن إدارة هذه الممرات يجب أن تُنتزع من سيطرة إسرائيل، وتوضع تحت رقابة دولية عاجلة.
ويشير الطماوي إلى أهمية الدور المصري في هذه المرحلة، بحكم موقعه الجغرافي وسيطرته على معبر رفح، مؤكداً أن مصر تمتلك القدرة على قيادة مبادرة حاسمة لزيادة تدفق المساعدات إلى غزة، وتوفير مراكز إيواء آمنة على حدودها.
ويؤكد الطماوي أن هذا الدور يجب أن يُمارس دون خضوع لأي ضغوط خارجية تعيق الجهد الإنساني المصري.
ويدعو الطماوي إلى تفعيل أدوات الضغط الشعبي والإعلامي في العالم، من خلال التظاهرات والاحتجاجات وحملات المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل، إضافة إلى توسيع نطاق حملات فضح الجرائم الإسرائيلية في المحافل الدولية، معتبراً أن الرأي العام العالمي بات أحد أهم أسلحة المقاومة المعنوية التي يمكن أن تفرض تغييراً حقيقياً في المواقف السياسية.
وعن السيناريوهات المتوقعة، يوضح الطماوي أن السيناريو الأول يتمثل في تدخل إنساني دولي فوري، تقوده الأمم المتحدة أو مجموعة دول مؤثرة لإجبار إسرائيل على إدخال المساعدات وتوفير مناطق آمنة مؤقتة داخل القطاع، لكنه يبقى صعب التحقيق في ظل التجاذبات الدولية.
أما السيناريو الثاني، بحسب الطماوي، فهو مبادرة إقليمية تقودها مصر وقطر وتركيا والأردن، وتهدف إلى فرض هدنة إنسانية عاجلة، وتسهيل إدخال المساعدات، وإقامة مستشفيات ميدانية ومراكز إيواء مؤقتة جنوب غزة، معتبراً هذا السيناريو أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ في المدى القريب.
وفي المقابل، يعتبر الطماوي أن السيناريو الثالث، وهو استمرار الوضع الراهن دون تدخل فعال، سيكون كارثة أخلاقية وإنسانية على العالم، حيث ستتفاقم المجاعة، وتنتشر الأوبئة، ويرتفع عدد الوفيات، خاصة بين الأطفال وكبار السن، محذراً من أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى انفجار شعبي عربي أو إلى مواجهة إقليمية شاملة.
تجويع ممنهج
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن ما يجري في قطاع غزة لا يُعدّ مجرد أزمة غذائية أو مجاعة بالمعنى التقليدي، بل هو "تجويع ممنهج" يخدم أهدافاً سياسية واضحة، على رأسها الضغط على الفلسطينيين داخل القطاع، ودفعهم إلى أقصى درجات المعاناة في ظل الحرب المستمرة، بهدف دفع الأمور نحو التهجير القسري وتفريغ غزة من سكانها.
ويوضح عنبتاوي أن هذه السياسات العدوانية لم تعد تقتصر على القصف والتدمير، بل باتت تأخذ شكلاً أشد قسوة عبر الحصار والتجويع، مشيراً إلى أن الاحتلال يسعى عبر هذه الإجراءات إلى حرمان السكان من أبسط مقومات الحياة، حتى تصل الأمور إلى استشهاد الأطفال والنساء والمرضى جوعاً وعطشاً، ما يعكس مرحلة خطيرة في العدوان المستمر على القطاع منذ 23 شهراً.
ويشير عنبتاوي إلى أن الاحتلال لا يكتفي بمنع إدخال المواد الغذائية، بل حتى ما يتم إدخاله من مساعدات غذائية هو غير كافٍ ولا يسدّ رمق الجوعى، علاوة على أن هذه المساعدات تتعرض للقرصنة والنهب تحت حماية الجيش الإسرائيلي، ومن يحاول منع هذه القرصنة يكون مصيره الاستهداف بالرصاص أو القصف.
ويلفت عنبتاوي إلى أن هذه السياسات تنتهك كل القوانين الدولية والإنسانية، وتعكس توجّه الاحتلال نحو حرب شاملة ضد المدنيين.
مطلوب تحرك دولي أوسع
ويؤكد عنبتاوي أن كسر هذه "الحلقة الجهنمية" من التجويع والعدوان الإسرائيلي لا يمكن أن يتم إلا عبر تحرك دولي أوسع، مشيراً إلى أن إسرائيل، التي باتت منبوذة عالمياً، ومعها الولايات المتحدة الداعمة لها، تواجه موجات احتجاج وغضب غير مسبوقة حول العالم. ويقول عنبتاوي: "هناك تظاهرات ضخمة، ودعوات متزايدة لمقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها ووقف تصدير السلاح إليها، وهي خطوات يجب دعمها وتطويرها لحصار الموقف الإسرائيلي".
وينوّه عنبتاوي إلى أن الضغط الدولي المتزامن مع احتجاجات داخلية في إسرائيل، فيما يتعلق بقضية الرهائن، تظهر خلافات عميقة بين القيادة السياسية والعسكرية، نتيجة استنزاف الجيش الإسرائيلي وانهياره النفسي والعملياتي، هي مقدمة تصدع إسرائيلي مهم لإنهاء العدوان على قطاع غزة.
ويشير عنبتاوي إلى أن أكثر من 10,000 جندي يعانون من اضطرابات نفسية، بينما تفشل القيادة العسكرية في تحقيق أي إنجاز ميداني حقيقي في غزة، وهو ما يؤكد أهمية هذه الأمور في مسار الحرب على قطاع غزة.
ويشدد عنبتاوي على أن السيناريو الوحيد لإنقاذ من تبقى من البشر في غزة يتمثل في فتح المعابر بشكل كامل وإدخال المساعدات، إلى جانب تعزيز الجهد العربي والإسلامي، وزيادة قوافل وسفن الإغاثة البحرية، بالتزامن مع فضح السياسات الإسرائيلية عالمياً، لجلب المزيد من الضغط والتضامن مع أهالي قطاع غزة.





شارك برأيك
غزة تختنق.. التجويع أشد فتكاً من الرصاص