اقتصاد

الأربعاء 06 أغسطس 2025 2:38 مساءً - بتوقيت القدس

مصر ضمن الـ10 الكبار اقتصاديا: رؤية إسلامية لنهضة اقتصادية شاملة (9)

تسعى مصر لتحقيق حلمها بالوصول إلى مصاف العشرة الكبار اقتصاديا بحلول عام 2040، ويعد تهيئة المجتمع للتنمية والتحول الاقتصادي ركيزة أساسية في هذا المسار. فالحضارة الإسلامية قدمت دروسا عظيمة في إحداث تحول ثقافي شامل، حيث غير الوحي مفاهيم وقيم وسلوكيات المجتمع، مما حول قبائل متناحرة إلى أمة منتجة ومبدعة. هذا التحول لم يكن سطحيا، بل كان تغييرا جذريا في البنية الثقافية، حيث أصبح العمل عبادة، والإتقان فريضة، والسعي في الأرض مقصدا شرعيا. شهدت الأندلس، بغداد، القاهرة، ودمشق نهضات اقتصادية وعلمية لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.

نسعى لاستعادة مكانة مصر الاقتصادية العالمية، ونتساءل كيف نعيد إحياء هذه الروح الحضارية في المجتمع المصري؟ الأمر يتطلب إعادة تشكيل جذرية للوعي الجماعي، عبر جهود المؤسسات المختلفة من الأسرة، المدرسة، المسجد، والإعلام، لبناء مجتمع منتج ومبادِر ومبدع. الأمة التي أنجبت ابن خلدون وابن سينا والخوارزمي قادرة على إنجاب جيل جديد من المبدعين والرواد.

أما التحول الثقافي، فهو أساس النهضة الاقتصادية، حيث استطاع الإسلام خلال عقود قليلة أن يحول مجتمعا بدويا بسيطا إلى قوة اقتصادية وحضارية عالمية، عبر تغيير جذري في الثقافة والوعي. قبل الإسلام، كانت الجزيرة العربية تعتمد على الرعي والغارات، وتتمجد القوة والنهب، لكن الرسالة الإسلامية أحدثت انقلابا في المفاهيم، فالتاجر الصادق أصبح في مرتبة الشهداء، والحرفي المتقن محبوبا عند الله. هذا التحول لم يكن فقط في القوانين، بل في طريقة تفكير الناس ونظرتهم للحياة، حيث أصبح البحث عن الفرص التجارية والعمل والإتقان من القيم الأساسية.

النتيجة كانت ظهور مدن إسلامية مراكز تجارية عالمية، وازدهار الصناعات، وظهور أسواق منظمة بقوانين تجارية لا تزال تُدرس حتى اليوم. إن التحول الحقيقي يبدأ من الداخل، من تغيير المفاهيم والقيم التي تحكم سلوك الأفراد، فحين يؤمن الإنسان أن عمله عبادة وأن إتقانه فريضة، يتحول إلى محرك حقيقي للنهضة الاقتصادية. مصر بحاجة إلى هذا التحول الثقافي، الذي يعيد إحياء روح العمل والإبداع والمبادرة.

أما بناء ثقافة العمل والإنتاج، فالمسلم يجب أن يرى أن العمل عبادة، وأن إتقانه فريضة، وأن كسب الحلال جهاد. يقول الله تعالى: "هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور" (الملك: 15). والنبي صلى الله عليه وسلم أكد أن من يعمل بإتقان يحب الله عمله، حيث قال: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" (الطبراني). فحين تتعزز قيمة الوقت، وتُحترم المواعيد، وتُعظم قيمة الإنتاج، ستتغير نظرة المجتمع نحو العمل، وتصبح ثقافة الإتقان سائدة.

كما أن الإسلام يدعو إلى التجديد والاجتهاد، ويشجع على تطوير أساليب العمل، ويؤكد أن العمل الصالح في الدنيا يُجزى عليه في الآخرة. فالسعي للرزق الحلال هو عبادة، وهذه النظرة تخلق دافعية عميقة للعمل والإبداع، لأنها ليست فقط من أجل المصلحة المادية، بل من أجل تحقيق الرسالة وكسب رضا الله. فالمفهوم العميق للوقت كأمانة إلهية يُحتم على الإنسان حسن استغلاله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه" (الطبراني).

الإسلام دين التجديد، ويشجع على الابتكار، ويؤمن بأن الإنسان مستخلف في الأرض ليعمرها ويطورها، كما قال الله تعالى: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" (هود: 61). من هنا، فإن ثقافة الريادة تتطلب تغيير نظرة المجتمع للفشل، حيث يُنظر إليه كعار، بينما هو مدرسة للتعلم، ويكافئ الإسلام المجتهد حتى لو أخطأ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (متفق عليه).

تحقيق التحول الثقافي يتطلب استراتيجيات عملية، منها التدرج في التغيير، وتحويل الإعلام إلى أداة تنمية، وخلق منظومة حوافز تشجع على الإبداع والكفاءة. كما أن إشراك المجتمع في صناعة التغيير عبر المبادرات والمشاريع التطوعية يعزز من تطبيق القيم الجديدة على أرض الواقع. المؤسسات، بدءا من الأسرة والمدرسة، مرورا بالمسجد، وانتهاء بالإعلام، تلعب دورا محوريا في ترسيخ هذه القيم، مع ضرورة وجود قيادات إدارية تحفز على الإبداع وتكافئ الأداء المتميز.

أما التحديات، فهي كثيرة، منها الزمن، حيث يحتاج التغيير إلى عقود، وشبكات المصالح الراسخة، والضغوط الاقتصادية، والتأثير السلبي للثقافة العالمية عبر التكنولوجيا الحديثة، التي تروج للاستهلاك والإشباع الفوري. مقاومة التغيير طبيعية، ويجب مواجهتها بالحوار والصبر، مع استثمار التكنولوجيا بشكل إيجابي، وتوظيفها لنشر القيم، وإشراك فئات المجتمع المختلفة في عملية التغيير.

ختاما، مصر التي أضاءت العالم بحضارة الفراعنة وعلماء الأزهر، قادرة على استعادة مجدها الاقتصادي إذا استعادت روحها الحضارية أولا. فالتغيير من مجتمع مستهلك إلى منتج، ومن أمة منتظرة إلى مبادرة، هو رحلة تبدأ بخطوة واحدة، وهي تغيير ما بأنفسنا ليغير الله ما بنا.

دلالات

شارك برأيك

مصر ضمن الـ10 الكبار اقتصاديا: رؤية إسلامية لنهضة اقتصادية شاملة (9)

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.