في قلب المجاعة التي تفرضها إسرائيل على قطاع غزة، لم تعد الصور مجرد لقطات إخبارية، بل أصبحت وثائق حية لتاريخ إنساني يتشكل تحت أنقاض الحصار والحرب. أطفال يعانون من سوء تغذية حاد، وجوه ذابلة، وأضلاع بارزة، وعيون تسأل عن حياة لم تعد متاحة لهم، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية.
منذ شهور، كانت المؤشرات واضحة، مع نقص حاد في الطعام، وقوافل الإغاثة التي تتعرض للقصف، وطوابير طويلة تنتظر وجبات لا تكفي، وتحذيرات دولية متكررة من مجاعة وشيكة. وفي يوليو/تموز الماضي، حذرت منصة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي من أن غزة على وشك الدخول في أسوأ سيناريو للمجاعة، مع وجود عشرات الآلاف من الأطفال يعانون من سوء تغذية حاد، وتهدد حياتهم.
رغم تقارير الأمم المتحدة التي تشير إلى وجود 10 آلاف حالة سوء تغذية حاد منذ بداية 2025، و1600 حالة تتطلب رعاية فورية، إلا أن إسرائيل تواصل منع دخول المساعدات الغذائية والحيوية، مما يزيد من معاناة السكان ويهدد حياة الكثيرين. مدير الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي، روس سميث، وصف الوضع بأنه "كارثة تتكشف أمام أعيننا".
التجويع يُستخدم كوسيلة إبادة جماعية بهدف القضاء على جزء كبير من السكان أو كوسيلة للسيطرة والانتقام.
الحصار العسكري الشامل الذي تفرضه إسرائيل منذ مارس/آذار الماضي، أدى إلى إدانة واسعة، ووصفه منسق الإغاثة في حالات الطوارئ بأنه "حصار وحشي"، واعتبر قرار وقف المساعدات عقابا جماعيا قاسيا. ويُستخدم التجويع كوسيلة حرب، بهدف فرض عقاب جماعي، أو السيطرة على الشعوب، أو كوسيلة لإبادة جماعية، كما حدث مع قبائل الهيريرو والناما في بداية القرن العشرين، حيث أُجبر أفرادها على التوجه نحو صحراء كالاهاري، وتعرضوا للموت عطشا وجوعا.
وفي الحرب العالمية الثانية، حاصرت قوات ألمانيا مدينة لينينغراد، مخلفة نحو مليون قتيل، حيث عانى السكان من جوع شديد ودرجات حرارة تصل إلى 38 تحت الصفر، في مثال على استخدام التجويع كسلاح إبادة. أما في أفريقيا، فقد استخدم الاستعمار الألماني في ناميبيا التجويع لإبادة قبائل الهيريرو والناما، عبر إغلاق مصادر المياه، مما أدى إلى موت الآلاف.
وفي سياق آخر، شهدت الصومال والسودان حالات مجاعة نتيجة للجفاف والصراعات المسلحة، حيث أُعلن عن مجاعة في الصومال عام 2011، بسبب الجفاف والصراع مع حركة الشباب، مما أدى إلى وفاة نحو 260 ألف شخص. وفي السودان، أدت الحرب الأهلية إلى مجاعة في الجنوب عام 2017، وتفاقمت الأزمة مع الفيضانات والنزاعات في 2020، بينما في دارفور عام 2024، تفاقمت الأزمة نتيجة الصراع المستمر، مع نزوح ملايين السكان ومعاناة أكثر من 1.7 مليون نازح من انعدام الأمن الغذائي الحاد.





شارك برأيك
من الاستعمار والصراعات القبلية إلى غزّة.. تاريخ التجويع كسلاح حرب