قبل اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، كان أحمد الأطرش (47 عاما) يعيش مع زوجته شادية (45 عاما) وأطفالهما السبعة حياة بسيطة، حيث كانت مواردهم قليلة لكنها كانت تكفي لعيش كريم في بيت صغير بعيد عن الجوع. يقول الأطرش بحسرة إن الحرب قلبت حياتهم رأسا على عقب، وسلبت منهم سعادة البساطة وأحلامهم المتواضعة، ودفعتهم نحو جحيم الجوع الذي أكل أجسادهم حتى انهارت. كان يتقاضى 1800 شيكل من برنامج الرعاية الاجتماعية كل ثلاثة أشهر، ويعمل في مهنة الدهان بأجر يومي لا يتجاوز 40 شيكلا، ينفقه على أسرته ووالدته المسنة.
رغم ضيق الحال، كان الأطرش يشعر بالأمان وراحة البال، لكن مع بداية الحرب، انهار كل شيء، حيث توقفت مخصصات الشؤون الاجتماعية، وتوقف عمله، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، مما زاد من معاناة أسرته. لم يعد يملك ما يشتري به خبزا أو طعاما يقي أطفاله الجوع، فبدأ يرسل ابنه الأكبر محمد (17 عاما) إلى مراكز توزيع المساعدات في منطقة نتساريم، رغم خطورتها، على أمل أن يحمل لهم شيئا من الطعام. كان محمد يركض خلف الصناديق التي تُسقطها الطائرات، ينافس الرجال والنساء للوصول إليها أولا، خوفا من أن يعود خالي اليدين، وهو ما يهدد حياته في "مصائد الموت" التي تسمى مراكز التوزيع أو أماكن إلقاء المساعدات من الجو.
أما شقيقاته الثلاث، فكن يذهبن يوميا إلى "تكية أبناء النصيرات" القريبة من المنزل، للحصول على قليل من حساء العدس أو الفاصولياء أو الأرز، وهي الحصص الوحيدة التي تبقي على شريان الحياة، رغم قلة كفايتها. لم تكن حياة العائلة سهلة، فبيتهم تعرض للهدم خلال قصف إسرائيلي مباغت على مخيم النصيرات في 8 يونيو 2024، تزامن مع عملية إنقاذ أسرى إسرائيليين، حيث استشهدت والدتهم تحت الركام، ونجا أفراد العائلة بجراح متفاوتة. أصيب الأطرش بجروح في الرأس والظهر، وتحتاج زوجته إلى عمليات وعلاج طبيعي، بينما أطفالهما أصيبوا بجراح طفيفة.
الحرب على غزة دمرت حياتنا وأحلامنا، وأجبرتنا على العيش في جحيم الجوع والموت المستمر
منذ ذلك الحين، تعيش العائلة على حافة الموت جوعا، بلا عمل، ولا معونة، ولا طحين، ولا خبز، وتزداد معاناتهم مع استمرار الحصار الإسرائيلي الذي أوقف دخول المساعدات والمعونات، وفرض على القطاع مرحلة مجاعة حادة، وفق تصنيف شبكة معلومات الأمن الغذائي العالمية، حيث يعاني أكثر من مليوني إنسان من نقص حاد في الغذاء والأدوية، وسط تدهور خطير في الأوضاع الإنسانية.
تقول شادية، وهي تبكي، "من سيطعم أطفالي؟ من سيرحمهم من هذا الجوع؟ من سيوفر لي الدواء؟" وتضيف أن زوجها عاجز عن الوقوف، وأنها لا تملك شيئا، وأن أطفالها يتلوون جوعا أمامها، وتؤكد أن أملها الوحيد أن تنقذهم من الموت، رغم اليأس الذي يسيطر على حياتهم. أما آلاء، ابنة العائلة، فتقول وهي تحاول إخفاء دموعها، إن الحرب دمرت بيتهم وحرمتهم من أبسط حقوقهم، وأنهم لا يأكلون شيئا منذ أيام، وأنهم أطفال لا ذنب لهم، وأن الاحتلال يراهم أهدافا للموت والتجويع.





شارك برأيك
عائلة الأطرش.. أطفال موزعون بين التكايا و”مصائد الموت”