أقلام وأراء

الأحد 03 أغسطس 2025 8:54 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة تموت جوعاً وإسرائيل تبحث عن متهم بديل

غزة تموت جوعاً هذا ليس شعاراً ولا عنواناً مثيراً بل واقع مرير يعيشه أكثر من مليوني إنسان تركوا لمصيرهم داخل أكبر سجن مفتوح في العالم. لم تعد القضية تتعلق بالقصف والدمار فقط بل بالجوع القاتل الذي يحاصر السكان من كل الجهات الناس. هناك لا يبحثون عن كرامة أو حرية أو وطن بل عن وجبة تسد رمقهم وعن جرعة ماء تبقيهم على قيد الألم. أطفال يموتون في أحضان أمهاتهم لأن أجسادهم الهزيلة لم تعد تحتمل الانتظار وأمهات يحضن الموت بصمت لأن لا غذاء في البيوت ولا دواء في المستشفيات ولا أمل في الأفق. المجاعة لم تعد خطرا محتملا بل أصبحت واقعا دامغا ومقصودا والموت لم يعد نتيجة الحرب بل هدف من أهدافها.

 ما يحدث في غزة اليوم لا يمكن تفسيره إلا باعتباره جريمة حرب ممنهجة ترتكبها إسرائيل بدم بارد وعلى مرأى من العالم. لم يعد السلاح وحده هو الأداة بل الحصار والتجويع والحرمان الكامل من أساسيات الحياة إسرائيل التي تحكم الخناق على غزة منذ سنوات صعدت خلال الأشهر الأخيرة أساليب عقابها الجماعي حتى وصلت إلى درجة منع الغذاء عن المدنيين وتحويل الخبز إلى حلم والماء إلى غنيمة .

في بعض المناطق يتقاسم الأطفال قطعة خبز واحدة في اليوم وفي أخرى يقتل المدنيون في طوابير انتظار الطعام برصاص الاحتلال. المجاعة ليست نتيجة الحرب بل أداة من أدواتها، والجوع لم يعد كارثة طبيعية بل سياسة مدروسة لكن إسرائيل لا تكتفي بذلك بل تتجاوز الجريمة إلى التزوير العلني. فبعد أن حاصرت وقتلت وجوعت بدأت تبحث عن مخرج من الورطة الأخلاقية والسياسية التي وقعت فيها، وبدلا من الاعتراف بمسؤوليتها المباشرة راحت تتهم الآخرين وتحمل دولاً مجاورة مسؤولية ما اقترفته بيديها. مصر كانت أول المتهمين، فجأة بدأت إسرائيل تروج بأن مصر هي من تحاصر غزة وأنها من تمنع إدخال الطعام وأنها تغلق معبر رفح عمداً. حملة تضليل منسقة تهدف لتشويه صورة مصر أمام الرأي العام الغربي وتحويل الأنظار عن الجاني الحقيقي. إسرائيل في الحقيقة لا تسعى فقط لتبرئة نفسها من الجريمة بل تريد أكثر من ذلك أن تجر مصر عمداً إلى دائرة الاتهام لتقاسم الجريمة معها وخلق حالة من الغموض الأخلاقي. في نظر العالم هي لا تريد أن تتحمل وحدها وزر المجاعة بل تخطط منذ الآن لأن تقول لاحقا لسنا وحدنا من أخطأ مصر أيضا أخطأت وكانت شريكة في الحصار، كانت متواطئة في تجويع غزة. إنها محاولات مكشوفة لخلط الأوراق وتقسيم المسؤولية كي تظهر لاحقا في قاعات التحقيق الدولية أو في تقارير المنظمات الأممية كطرف من أطراف متعددة لا كجانية وحيدة. هذا ليس عفويا ولا ارتجاليا بل مدروس بعناية، جزء من خطة تمهد للمستقبل حيث تسعى إسرائيل لأن تتبرأ تدريجيا أمام المجتمع الدولي عبر جر مصر إلى منطقة الاشتباه ثم وضعها في مرمى المساءلة هي تعرف تماما أن فضيحة المجاعة ستفتح يوما ما وأن السؤال سيطرح من الجاني، ومن كان يعلم وسكت ومن أغلق الأبواب، ولذلك تبدأ الآن بتمهيد الإجابة التي تريدها، لسنا وحدنا لكن الوقائع تقف ضدها إسرائيل التي تسيطر على كل شيء من الجو إلى البحر والتي تتحكم بالمنافذ وتراقب الحدود والتي تمنع دخول المساعدات، وتعيق مرور الشاحنات وتهدد العاملين في الإغاثة. لا يمكنها أن تتهرب إنها الدولة الوحيدة التي بيدها القرار وهي من أغلقت كل الأبواب وهي من استهدفت من حاول فتحها. ولأن الجوع وحده لا يكفي تمضي إسرائيل في سياسات إذلال الغزيين وتفريغهم من كرامتهم وتحويلهم إلى طوابير من المتسولين على شاحنات الأمم المتحدة. الناس هناك لم يعودوا مواطنين بل أجساد تنتظر الغذاء والنجاة. الموت أصبح لغتهم اليومية المشهد ليس فقط عارا أخلاقيا، بل وصمة في جبين الإنسانية بأسرها لكن المسؤولية ليست جماعية كما تحاول إسرائيل الإيحاء. هناك فاعل مباشر وهناك من قرر، وهناك من نفذ. كل طفل مات جوعا في غزة قتل مرتين، مرة حين أغلق المعبر ومرة حين حاول العالم أن يبحث عمن يلومه غير القاتل. كل أم فقدت جنينها بسبب سوء التغذية، وكل مسن انهار وهو ينتظر علبة حليب. هو دليل إضافي على أن إسرائيل تمارس أقذر أنواع القتل، القتل بالجوع، القتل بالمنع، القتل بالإذلال. غزة اليوم لا تطلب الشفقة ولا تناشد الضمير العالمي كما كانت تفعل. غزة تموت أمام الجميع وإسرائيل هي الجلاد. محاولات تل أبيب لتزييف الحقيقة لن تنجح فالجريمة موثقة وشهودها بالملايين. إسرائيل قد تحاول أن تقنع العالم أن مصر أو غيرها هي من يتحمل مسؤولية ما يحدث لكنها نسيت أن العالم تغير وأن الجثث لا تكذب وصراخ الأطفال لا يمكن تزييفه. الجوع في غزة ليس لعنة بل قرار إسرائيلي بامتياز مجاعة مخطط لها لتدمير ما تبقى من صمود الإنسان الفلسطيني، وعلى هذا العالم إذا تبقى فيه شيء من الضمير أن يقولها صراحة، من جوع غزة هي إسرائيل ولا متهم آخر، وما يثير المرارة أكثر أن إسرائيل التي تدعي أنها قامت على أنقاض المذابح والمحرقة والتي يفترض بها أن تكون أكثر دول العالم وعيا بخطورة تجويع البشر وتعذيبهم جماعياً لم تتعلم من التاريخ شيئاً بل يبدو أنها بدل أن تتعلم من المحرقة أعجبت بها، وكأن الضحية القديمة أصبحت تلميذاً وفياً للجلاد. ما تقوم به حكومة نتنياهو في غزة يشبه، بل يفوق أساليب النازية في قسوته وتجريده للإنسان من إنسانيته، لكن الفرق أن هتلر في النهاية أحرق نفسه حين ضاقت به الدنيا، وضاق به التاريخ، ونتنياهو بمساره الحالي لا يسير إلا في الطريق ذاته، طريق الخراب العزلة والنهاية المذلة. قد يظن نتنياهو أنه يكتب مجده الآن وأنه سيكون بطل إسرائيل الأول، لكن الحقيقة أن أول من سيلعنه هو الشعب الإسرائيلي نفسه، وأول من سيبصق في وجهه هم أولئك الذين يشعرون بالعار من هذه المجازر والذين لا يريدون أن يرتبط اسم دولتهم بدماء الأطفال وصور الجثث الهزيلة. سوف يلحق العار حكومة نتنياهو إلى أبد الآبدين ولن ترفع صورته كما يتوهم بل ستطبع في كتب التاريخ على صفحة سوداء إلى جانب أسوأ الطغاة الذين لطخوا القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين بالخزي والجريمة. الدم لا يمحى بالتبرير، والعار لا يغسل بالإنكار، وستبقى غزة رغم الألم شاهدة وستبقى الأفران الباردة التي يموت فيها الأطفال جوعاً وصمة لن تمحى عن وجه من قرر ونفذ واحتفل.

دلالات

شارك برأيك

غزة تموت جوعاً وإسرائيل تبحث عن متهم بديل

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.