فلسطين

الخميس 24 يوليو 2025 8:53 صباحًا - بتوقيت القدس

​تصويت الكنيست‪..‬ إطاحة أوسلو وتقويض حل الدولتين

رام الله - خاص بـ"القدس" والقدس دوت كوم-

د. سهيل دياب: هذا المقترح يُكمل قانوناً سبق أن أقرّته الكنيست ينصّ صراحةً على رفض قيام دولة فلسطينية

محمد أبو علان دراغمة: جوهر مشروع الضم هو ضرب أسس السلطة وتقويض أي أفق سياسي لإقامة دولة فلسطينية

فايز عباس: التصويت على فرض السيادة لا يعدو كونه مكسباً معنوياً لليمين المتطرف في الحكومة أو المعارضة لكنه لا يعني ضمّاً فعلياً للضفة

نزار نزال: مشروع الضم سيؤدي إلى تآكل دور السلطة الوظيفي الذي كان نواة مشروع الدولة الفلسطينية ما قد يقود إلى انهيارها

نبهان خريشة: هذه الخطوة تُعد الأخطر منذ توقيع أوسلو وتمهّد فعلياً لضم الضفة الغربية بالكامل إلى إسرائيل

ياسر مناع: تمرير هذا المقترح حتى لو بدا رمزياً يعني عملياً تكريس الضم وتقنين واقع الفصل القومي بما يرسّخ بنية الأبارتهايد


 تتسارع التحركات داخل الكنيست الإسرائيلي لفرض ما تسمّى "السيادة الإسرائيلية" الكاملة على الضفة الغربية، التي كان آخرها تصويت الأغلبية على قرار يمهد الطريق أمام قانون الضم وفرض السيادة على الضفة الغربية، في خطوة تمهّد فعلياً لتصفية فكرة الدولة الفلسطينية، وتقوض السلطة الوطنية الفلسطينية.

ويؤكد مختصون في الشأن الإسرائيلي وكتاب، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن هذا المسار لا يُعد رمزياً فقط، بل هو امتداد لقوانين سابقة ترفض قيام دولة فلسطينية، ويعكس توجهاً متصاعداً لاستثمار اللحظة الإقليمية وتوظيف أوراق الضغط سياسياً وأمنياً، من أجل منع إقامة الدولة الفلسطينية وضم الضفة الغربية.

ويرى هؤلاء أن التوقيت مرتبط بترتيبات صفقة غزة وتهدئة اليمين المتطرف لضمان تماسك الحكومة الإسرائيلية، بينما تُستخدم مشاريع الضم كورقة تفاوض مع الولايات المتحدة لإنهاء أي أفق لحل الدولتين.

ويرجحون أن تنعكس هذه الخطوات على مجمل الوضع الفلسطيني داخلياً وخارجياً، وسط تحذيرات من انهيار الدور الوظيفي للسلطة وتحولها إلى إدارة خدمية تحت الاحتلال.

وفي ظل التوسع في سن القوانين وخطاب الضم، تتصاعد دعوات لإعادة قراءة المشهد كاملاً وتوحيد الصف الفلسطيني لمواجهة أخطر مرحلة منذ توقيع اتفاق أوسلو قبل ثلاثة عقود، بل ومنذ احتلال الضفة الغربية عام 1967.



رؤية واضحة يجري ترتيبها على مستوى التشريعات والقوانين


ويحذّر أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب من خطورة اقتراح التصويت على إعلان القانون المطروح حالياً في الكنيست الإسرائيلي، الذي يهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، مؤكداً أن هذا المقترح ليس رمزياً كما يُروَّج له، بل يمثل خطوة متقدمة ضمن سلسلة خطوات سبقتها وستتبعها، في سياق خطة ممنهجة لتصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل.

ويوضح دياب أن هذا المقترح لا يأتي من فراغ، بل يُكمل قانوناً سبق أن أقرّته الكنيست بأغلبية كبيرة من الائتلاف الحاكم والمعارضة، وينصّ صراحةً على رفض قيام دولة فلسطينية. 

ويشير دياب إلى أن مشروع الضم الجديد يحمل توقيع 14 وزيراً من حزب الليكود وأحزاب الائتلاف، وهو يطالب بالضم الفوري وبسط السيادة الإسرائيلية على كامل أراضي الضفة الغربية، ما يكشف عن رؤية واضحة يجري ترتيبها على مستوى التشريعات والقوانين.

ويبيّن دياب أن هذه الخطوات التشريعية تأتي متزامنة مع ممارسات ميدانية تُنفذ على الأرض، من بينها اقتحامات المسجد الأقصى وإقامة الصلوات التلمودية فيه، والاقتحامات المتكررة وغير القانونية لقبر يوسف في نابلس ومحاولة فرض السيادة عليه، إلى جانب الخطوات المتقدمة لتهويد الحرم الإبراهيمي في الخليل، فضلاً عن التوسع الاستيطاني الواسع وغير المسبوق في أنحاء الضفة. 

ويشير دياب إلى تحضير مشروع قانون جديد أخطر من سابقاته، يهدف إلى حصر حق تقرير المصير في فلسطين التاريخية باليهود وحدهم، بما يعني عملياً إنهاء أي أفق لحل الدولتين وتصفيه الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وبرأي دياب، فإن خطورة المشروع الحالي حول ضم الضفة الغربية وفرض السيادة عليها تكمن في أنه يعكس مساراً سياسياً متصاعداً يستغل الظرف التاريخي الراهن، حتى وإن لم يكن قابلاً للتنفيذ المباشر حالياً بسبب أن التنفيذ بيد الحكومة الإسرائيلية التي لم تتخذ قراراً رسمياً بذلك بعد. 


توقيت طرح القانون قبل عطلة الكنيست الصيفية


ويشدد دياب على أن مجرد طرح القانون في هذا التوقيت، قبيل دخول الكنيست عطلته الصيفية، مرتبط بعاملين أساسيين: أولهما قرب التوصل إلى تفاهمات جديدة حول صفقة في غزة، وثانيهما تقديم خطوة تُرضي اليمين المتطرف لضمان تماسك الائتلاف الحاكم برئاسة نتنياهو بعد الإعلان عن الصفقة في غزة.

ويرى دياب أن هذه الخطوة ستُعمّق في الوعي الجمعي الإسرائيلي سردية أن الضفة الغربية ستظل جزءاً من إسرائيل، وتُستخدم كورقة مقايضة مع الولايات المتحدة إما لضم أجزاء واسعة من الضفة أو لإنهاء حل الدولتين برضا أمريكي ضمن الظروف الحالية التي يشهدها الإقليم. 

ويوضح دياب أن الانتهاك المتواصل لبنود اتفاق أوسلو منذ سنوات يكشف بوضوح أن ما يجري ليس صدفة أو قراراً رمزياً، بل مسار ممنهج.

ويدعو دياب القوى السياسية الفلسطينية، خصوصاً في الضفة الغربية، إلى إدراك أن الخطر المحدق لا يقتصر على غزة وحدها، بل يشمل مجمل الأرض الفلسطينية، معتبراً أن من يحسم معركة الضفة الغربية يحسم جوهر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بأكمله، لصالح القضية الفلسطينية أو ضدها، ما يتطلب رؤية جديدة تضع وحدة الأرض والشعب في صلب أي تحرك قادم.


الحراك داخل الكنيست سبقته ضغوط ومطالبات سياسية


من جانبه، يقول الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن التحركات الجارية داخل الكنيست بشأن فرض "السيادة الإسرائيلية" على الضفة الغربية، والتي حظيت بـ71 صوتاً مع قرار ضم الضفة الغربية وبمعارضة 13، حيث اعتبروا القرار تاريخياً بحق إسرائيل بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية ومنع إقامة دولة فلسطينية.

ويشير دراغمة إلى أن ذلك الحراك داخل الكنيست سبقته ضغوط ومطالبات سياسية متواصلة، كان آخرها قبل زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن، حيث طالبه أعضاء من مجلس المستوطنات والوزير روني دريمر بالعمل جدياً على ضم الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها.

ويبيّن دراغمة أن ما يجري لا يزال في إطار الخطوات الرمزية وغير الرسمية، لكن مشروع القانون المطروح يكتسب أهمية سياسية كبيرة، خاصة وأن تمريره يعتمد بشكل أساسي على مدى التزام الأحزاب الدينية بدعم الائتلاف الحكومي، ويتم الدعم بشكل واسع ويضمن مروره بسهولة.

ويشير دراغمة إلى أن هذا التصويت يأتي لدعم مشروع القانون، ووضعه على جدول اهتمام الكنيست لأجل تعزيز مشروع القانون، حتى وإن تم تمرير ذلك، ستكون خطوة التصويت أمس الاربعاء، رمزية لتأكيد توجهات نتنياهو والمستوى السياسي الإسرائيلي نحو الضم، لكنها لن تكون مُلزمة ما لم تمرّ عبر ثلاث قراءات تشريعية مكتملة. 


إسرائيل تواصل تنفيذ الضم على الأرض


ويرى دراغمة أن حكومة الاحتلال لن تتخذ خطوة الضم رسمياً إلا بضوء أخضر أمريكي كامل، رغم أنها تواصل عملياً تنفيذ الضم على الأرض من خلال التوسع الاستيطاني والسيطرة الميدانية، مؤكداً أن التصويت الإعلاني الذي جرى تم بدعم وموافقة أمريكية.

وبحسب دراغمة، فإن نتنياهو قد يستخدم هذه الورقة كورقة رابحة في التوقيت الانتخابي لتحقيق مكاسب لحزب الليكود قبيل الانتخابات المقبلة. 

وفي ما يتعلق بتأثير قانون الضم على السلطة الفلسطينية، يوضح دراغمة أن جوهر مشروع الضم هو ضرب أسس السلطة وتقويض أي أفق سياسي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما يتماهى مع سياسات سموتريتش وبن غفير وحزب الليكود.

ويؤكد دراغمة أن مثل هذا المشروع، إذا استُكمل حتى نهايته وأُعلن الضم رسمياً، فسيُطيح فعلياً بحلم الدولة الفلسطينية ويُنهي الدور السياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية التي وُجدت أصلاً كمرحلة انتقالية نحو الدولة المستقلة.

ويعتبر دراغمة أن تداعيات ذلك ستكون كارثية ليس فقط على السلطة، بل على مجمل الوضع السياسي والميداني الفلسطيني.

ويشير دراغمة إلى أن الاحتلال يترقب تطورات إقليمية ودولية، خاصة في ملف التطبيع العربي الذي يرتبط بشكل وثيق بوجود مسار سياسي لحل الدولتين. 

ويلفت دراغمة إلى أن الموقف السعودي سيكون مفتاحياً في هذه المرحلة، إذ ترفض الرياض أي تطبيع شامل من دون تقدّم فعلي نحو حل سياسي عادل.

ويؤكد دراغمة أن الائتلاف الإسرائيلي يرى في ضم الضفة تتويجاً لانتصاراته في "حرب الساحات المتعددة"، خاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة، باعتباره جزءاً من إنجازات الحرب التي يحاول استثمارها داخلياً وخارجياً.


تنافس في إسرائيل على من يكون أكثر تطرفاً وفاشية


بدوره، يقول الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي فايز عباس إنّ التنافس الحالي بين الائتلاف الحكومي والمعارضة الإسرائيلية بات يدور حول من الأكثر تطرفاً وفاشية بعد السابع من أكتوبر، مشدداً على أن قضية فرض "السيادة الإسرائيلية" على الضفة الغربية لن تغيّر من واقعها شيئاً، إذ إن الضفة محتلة بالكامل منذ عام 1967 وإسرائيل تفرض سيطرتها فعلياً على كل شبر فيها دون الحاجة لأي قرار جديد من الكنيست.

ويعتقد عباس أنّ قرار الكنيست بالتصويت على فرض السيادة لا يعدو كونه مكسباً معنوياً لليمين الإسرائيلي المتطرف في الحكومة أو المعارضة، لكنه لا يعني ضمّاً فعلياً للضفة الغربية. 

ويوضح عباس أن إسرائيل، وبرغم احتلالها الضفة منذ عقود، لم تتخذ أي خطوة رسمية لضمها كما فعلت مع القدس الشرقية والجولان السوري المحتل، متسائلاً: "ما الذي يمنع إسرائيل من الضم حتى الآن؟".

ويجيب عباس بأن ضم الضفة الغربية بالكامل يعني أن إسرائيل ستواجه معضلة فقدان الأغلبية اليهودية داخل حدودها من البحر إلى النهر، وهو ما يتناقض كلياً مع جوهر المشروع الصهيوني القائم على دولة يهودية بأغلبية كبيرة. 


الضم سيُرتب على إسرائيل التزامات ضخمة


ويؤكد عباس أن الضم سيُرتب على إسرائيل التزامات ضخمة، أبرزها تقديم خدمات أساسية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، إلى جانب الأمن الداخلي ومنح الفلسطينيين هويات إسرائيلية وحقوق إقامة، كما يحدث اليوم في القدس الشرقية والجولان.

ويشير عباس إلى أن الاحتلال بصيغته الحالية يمنح إسرائيل سيطرة كاملة على موارد الضفة دون أن تتحمل أي كلفة مالية أو التزامات خدمية للفلسطينيين، معتبراً أن الاحتلال اليوم "احتلال سبعة نجوم"، إذ تُنهب الموارد وتُباع البضائع الإسرائيلية بمليارات الدولارات سنوياً دون استثمار حقيقي في الأرض المحتلة.

ويؤكد عباس على أن إسرائيل ستواصل سياسة الاحتلال ومصادرة الأراضي وإقامة البؤر الإرهابية دون أي نية حقيقية للضم، حيث أنّ القرار الأخير لن يكون له أي تأثير على السلطة الوطنية الفلسطينية في هذه المرحلة.


أرضية سياسية وأيديولوجية لإجراءات أكثر خطورة


من جهته، يؤكد الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع، نزار نزال، أن التصويت بأغلبية كبيرة داخل الكنيست الإسرائيلي على البدء بمشروع ضم الضفة الغربية يشكل أرضية سياسية وأيديولوجية جديدة، تمهد الطريق لإجراءات وخطوات مستقبلية أكثر خطورة، من بينها تشريعات وقوانين قد تؤدي إلى ضم فعلي وخاصة لمناطق "ج" في الضفة الغربية. 

ويوضح نزال أن هذا المخطط يعني فرض القانون الإسرائيلي على المستوطنات بشكل كامل، وليس إدارة هذه المناطق من خلال الإدارة المدنية، بما يعزز من واقع الاحتلال وشرعنته على الأرض.

ويرى نزال أن هذه الخطوة ستفتح الباب أمام تدهور خطير في الوضع الأمني بالضفة الغربية، خاصة إذا ما فهم الفلسطينيون أن هذا التصويت يعني عملياً دفن مشروع حل الدولتين والقضاء عليه بالكامل. 

ويلفت نزال إلى أن ذلك سيقود إلى تصعيد فعلي وليس رمزياً، قد يتجلى في مواجهات عسكرية أو حراك شعبي واسع، خاصة في مدينة القدس، فضلاً عن احتمال وقوع عمليات فردية ضد قوات الاحتلال والمستوطنين.

ويتوقع نزال أن تتوزع ردود الفعل إزاء هذا التطور الخطير على ثلاثة محاور أساسية؛ فلسطينياً وعربياً ودولياً، فعلى المستوى الفلسطيني، قد تشهد المرحلة المقبلة إعادة تقييم شاملة للعلاقة مع إسرائيل، مع تفعيل الدبلوماسية الفلسطينية في المحافل الدولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن والجمعية العامة، وكذلك استثمار الحضور في المؤسسات الدولية للضغط على إسرائيل.

ويشير نزال إلى أن الموقف قد يتطلب أيضاً تعزيز الوحدة الوطنية وتفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي بديل عن السلطة الفلسطينية التي تُستخدم حالياً كأداة تنفيذية.


إمكانية تحريك أدوات ضغط على إسرائيل


أما على الصعيد العربي والإسلامي، فيرى نزال أن هناك إمكانية لتحريك أدوات ضغط على إسرائيل، خاصة من الدول التي وقعت اتفاقيات تطبيع معها، وذلك عبر تفعيل الاتفاقات الاقتصادية كوسيلة ضغط، إضافة إلى تحريك أطر مثل منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية للقيام بخطوات عملية.

دولياً، يتوقع نزال أن يُفعّل الفلسطينيون دور المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية لملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية، مع تصاعد الحراك المجتمعي العالمي وحملات المقاطعة مثل حركة BDS التي قد تستهدف المستوطنات والمستوطنين بشكل أكبر.

وفيما يتعلق بمصير السلطة الفلسطينية، يشير نزال إلى أن مشروع الضم سيؤدي إلى تآكل دور السلطة الوظيفي الذي كان نواة مشروع الدولة الفلسطينية، ما قد يقود إلى انهيارها وتحولها إلى مجرد إدارة بلديات تحت الاحتلال، وهو ما سيُفقدها شرعيتها الوطنية ويشكل تهديداً وجودياً مباشراً لها. 

ويرجّح نزال أن تفكر السلطة في حال تنفيذ الضم بفك الارتباط كلياً مع إسرائيل، لكن مثل هذا القرار يحتاج توافقاً عربياً ودولياً وقد يفتح الباب أمام حالة من الفوضى في الضفة الغربية، ما قد يدفع باتجاه حل السلطة وتسليم مفاتيح إدارتها بالكامل وتدويل القضية الفلسطينية مجدداً.


تحدٍّ صارخ للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة


الكاتب الصحفي نبهان خريشة يحذّر من خطورة الخطوة التي أقدم عليها الكنيست الإسرائيلي، الأربعاء، حين صوّت لصالح مشروع قرار يدعم فرض ما يُسمّى بـ"السيادة الإسرائيلية" على الضفة الغربية، قبل دخوله العطلة الصيفية.

ويؤكد خريشة أنّ هذه الخطوة تُعد الأخطر منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، إذ تمهّد فعلياً لضم الضفة الغربية بالكامل إلى إسرائيل، في تحدٍّ صارخ للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي تعتبر الضفة أرضاً محتلة منذ عام 1967.

ويوضح خريشة أنّ هذا التصويت يفتح الباب أمام سيناريوهات سياسية وقانونية شديدة التعقيد، قد تُعيد رسم ملامح الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وتُبدّد آخر ما تبقى من رهانات على التسوية السياسية.

ويشير خريشة إلى أنّ أول السيناريوهات المتوقعة هو شروع إسرائيل في تنفيذ الضم بشكل تدريجي، عبر فرض القوانين المدنية الإسرائيلية داخل المستوطنات أولاً، ثم توسيع نطاقها لتشمل مساحات أوسع من أراضي الضفة، مستغلة حالة الانقسام الفلسطيني وضعف المواقف العربية والإقليمية.

ويبيّن خريشة أنّ هناك سيناريو آخر يقوم على ردود فعل فلسطينية وغربية محدودة، وهو ما قد يمنح إسرائيل القدرة على تثبيت الأمر الواقع وتحويله إلى شرعية قانونية داخلية، حتى وإن ظلّ مرفوضاً دولياً. 

ويحذّر خريشة من أنّ هذه التطورات قد تدفع الفلسطينيين إلى احتجاجات واسعة وتصعيد ميداني غير محسوب في مناطق متفرقة من الضفة الغربية.


أمريكا قد تمنح غطاءً ضمنياً لهذه الخطوة


وبحسب خريشة، فإن الموقف الأمريكي في عهد الرئيس دونالد ترمب قد يمنح غطاءً ضمنياً لهذه الخطوة، في ظل التحالف القوي بين اليمين الإسرائيلي والإدارة الأمريكية الحالية. ورغم احتمال صدور تصريحات أمريكية تحاول إظهار التحفظ، إلا أن خريشة يوضح أنّ سجل إدارة ترمب، الذي تضمن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل عام 2017 ونقل السفارة إليها، يؤكد أنّ واشنطن قد تنظر إلى قرار الضم باعتباره "شأناً سيادياً" إسرائيلياً، ما يزيد من عزلة الموقف الفلسطيني على الساحة الدولية.

ويشير خريشة إلى أنّ السعي إلى إقرار القرار بالقراءات الثلاث ليُصبح قانوناً نافذاً، سيجعل الوضع القانوني للفلسطينيين في الضفة معقّداً للغاية، إذ قد تعرض إسرائيل صيغ "إقامة" لبعض السكان دون منحهم الجنسية، كما حدث مع المقدسيين، إلا أنّ أغلبية الفلسطينيين سيرفضون هذا الوضع الذي يعني عملياً الاعتراف بالاحتلال.

ويؤكد خريشة أنّ الضفة قد تواجه عندها نظام فصل عنصري واضح، يُكرّس حقوق المواطنة الكاملة للمستوطنين، في مقابل بقاء الفلسطينيين بلا سيادة ولا حقوق سياسية حقيقية.

ويرى خريشة أنّ الخيارات المتاحة أمام السلطة الفلسطينية محدودة لكنها حاسمة، مشيراً إلى إمكانية التوجه إلى الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية لتجريم الضم باعتباره جريمة حرب. 

ويدعو خريشة إلى إعادة النظر في الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال، بما في ذلك اتفاق أوسلو، والتفكير بجدية في المصالحة الداخلية مع بقية الفصائل لمواجهة هذه الخطوة بوحدة سياسية وميدانية.

ويحذر خريشة من أنّ المضي قدماً في هذا المشروع سيحوّل السلطة الفلسطينية إلى كيان بلا معنى أو سلطة حقيقية، وقد يدفع الفلسطينيين إلى إعادة التفكير كلياً في مشروع الدولة المستقلة وحلّ الدولتين، وربما التوجه إلى خيار الدولة الواحدة بحقوق متساوية، وهو سيناريو ترفضه إسرائيل بشدة وتسعى لمنعه بكافة الوسائل.

 

إجراء يمهّد الطريق لخطوات تشريعية قادمة

 

بدوره، يوضح الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أنّ نقاش وتصويت الكنيست الإسرائيلي الأربعاء، لا يتعلّق بتصويت رسمي على قانون ضم أو فرض سيادة كاملة على الضفة الغربية، بل يهدف إلى إدراج موضوع "فرض السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة وغور الأردن" على جدول الأعمال البرلماني. 

وبحسب مناع، فإن ما سيتم التصويت عليه يحمل طابعاً رمزياً أو تصريحياً فقط، مثل دعوة الكنيست للحكومة إلى المضي في فرض السيادة، لكنه في جوهره يُشكّل مؤشراً سياسياً بالغ الدلالة على توجهات الائتلاف اليميني الحاكم.

ويرى مناع أنّ هذا الإجراء رغم كونه غير ملزم قانونياً، إلا أنه يمهّد الطريق لخطوات تشريعية قادمة ذات صفة إلزامية، مشيراً إلى أن السيناريو الأرجح هو ما يعرف بـ"ضم الأرض دون السكان"، وبموجب هذا المسار، ستفرض إسرائيل سيادتها القانونية على كامل الضفة الغربية، مع إبقاء الفلسطينيين بلا حقوق مدنية أو سياسية، عبر استمرار الحكم العسكري أو الإداري، وذلك لحماية "الطابع اليهودي" للدولة وتجنب أي التزامات قانونية دولية تفرضها اتفاقيات الضم الرسمية.

 

تمرير المشروع يُطيح بـ"أوسلو" ويُفرغ السلطة من مضمونها

 

ويؤكد مناع أن هذا الاتجاه ليس وليد اللحظة، بل يُعد حلقة جديدة في مسار تشريعي متواصل منذ عام 2009، حيث شهد الكنيست عشرات المحاولات لطرح مقترحات الضم، جميعها موثقة ضمن "الراصد القانوني" في مركز مدار للدراسات الإسرائيلية. 

ويشير مناع إلى أن المقترح الحالي، الذي قدّمه النائب المتطرف آفي معوز، من المتوقع أن يُحال إلى لجنة برلمانية مختصة، ليُدمج مع مشاريع مشابهة.

ويؤكد مناع أن تمرير هذا المقترح، حتى لو بدا رمزياً، يعني عملياً تكريس الضم الزاحف وتقنين واقع الفصل القومي، بما يرسّخ بنية أبارتهايد قانوني موسّع على الأرض. 

ويلفت مناع إلى أن تمرير المشروع ليصبح أمرا فعلياً قد يُطيح ببنية اتفاق أوسلو بالكامل، ويُفرغ السلطة الفلسطينية من مضمونها، محوّلاً إياها إلى كيان إداري بلا صلاحيات سيادية، يعمل تحت الإشراف الأمني الإسرائيلي المباشر أو غير المباشر. 

وفي ظل هذا الواقع، يرى مناع أن السلطة ستكون أمام مسارين: إما التآكل التدريجي حتى التفكك، أو البقاء كهيئة خدمية شكلية في ظل سيطرة إسرائيلية مطلقة.

دلالات

شارك برأيك

​تصويت الكنيست‪..‬ إطاحة أوسلو وتقويض حل الدولتين

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.