د. عبد المجيد سويلم: ليس مطلوباً من السلطة أن تتسول مستحقاتها وأموالها فهذه الحالة تعكس وهناً وضعفاً خطيرين
د. فوزي علي السمهوري: استمرار حجز أموال المقاصة استهداف مباشر للشرعية الفلسطينية في إطار سعي الاحتلال لإنكار وجود الشعب وقيادته السياسية
أيهم أبو غوش: الأزمة المالية التي تمر بها السلطة تراكمية ومركبة ولها أسباب موضوعية وأخرى ذاتية متعلقة بالإيرادات والنفقات
د. أحمد رفيق عوض: سيناريو الانهيار قد يصبح واقعاً خاصة في ظل سعي إسرائيل لإفشال حل الدولتين وفرض وقائع جديدة تقوم على التوسع الاستيطاني
أشرف العجرمي: ما قامت به الحكومة جاء متأخراً جداً ومحدوداً للغاية ويجب تبني سياسة فلسطينية تعكس وجود أزمة حقيقية تُقلق العالم
جهاد حرب: إسرائيل تسعى إلى إبقاء السلطة على حافة الانهيار ما يعني أننا قد نكون أمام مرحلة غير قصيرة من استمرار هذا الوضع الخطير
تعالت في الآونة الأخيرة الأصوات المحذرة من احتمال انهيار السلطة في ظل عجزها عن الوفاء بأهم التزاماتها تجاه موظفيها وهو صرف الرواتب حتى ولو جزئياً، إضافة إلى عجزها عن تقديم الخدمات الأساسية، الصحية والتعليمية وغيرها للمواطنين، بسبب استمرار دولة الاحتلال في السطو على الأموال الفلسطينية المعروفة بـ"المقاصة"، ولجوئها في الفترة الأخيرة إلى وقف تحول ما تبقى من هذه المستحقات.
وقد بادرت الحكومة الفلسطينية برئاسة الدكتور محمد مصطفى إلى عقد جلسة طارئة مساء الخميس الماضي، حذّرت خلالها من أن استمرار سلطات الاحتلال في احتجاز أموال المقاصة التي تشكّل أكثر من ثلثي إيرادات السلطة يهدد قدرة المؤسسات الحكومية على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، ومختلف القطاعات الحيوية الأُخرى.
كما حذرت من أن استمرار هذا الوضع، وعجز الحكومة عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين ومختلف القطاعات، سينعكسان سلباً على جودة الخدمات، وأداء مهامها المختلفة، الأمر الذي قد يدفع لاتخاذ قرار بإيقاف مؤقت لعمل بعض الدوائر الرسمية وتقليص حادِ في دوام الموظفين.
كتاب ومحللون ومختصون، تحدثوا لـ"ے"، قالوا إن سيناريو الانهيار قد يصبح واقعاً، خاصة في ظل سعي إسرائيل لإفشال حل الدولتين وفرض وقائع جديدة تقوم على التوسع الاستيطاني، مشيرين إلى أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء السلطة على حافة الانهيار، ما يعني أننا قد نكون أمام مرحلة غير قصيرة من استمرار هذا الوضع الخطير.
وأكدوا أن الأزمة المالية التي تمر بها السلطة تراكمية ومركبة، ولها أسباب موضوعية، وأُخرى ذاتية متعلقة بالإيرادات والنفقات. وأضافوا: ليس مطلوباً من السلطة أن تتسول مستحقاتها وأموالها، فهذه الحالة تعكس وهناً وضعفاً خطيرين.
واعتبروا استمرار حجز أموال المقاصة استهدافاً مباشراً للشرعية الفلسطينية في إطار سعي الاحتلال لإنكار وجود الشعب وقيادته السياسية.
استراتيجية التكيف والتأقلم مع العقوبات الإسرائيلية
وأكد الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن قرارات الحكومة تعكس عجزها عن الإيفاء بالتزاماتها، ليس فقط على مستوى الرواتب، وإنما أيضا على مستوى تقديم جزء حيوي من الخدمات.
وأضاف: "نحن بدأنا بمرحلة اسمها التقليص، وبعد قليل سننتقل إلى الإلغاء ودمج الوزارات والمؤسسات".
وأوضح أن "الاستراتيجية المتبعة حالياً هي التكيف مع العقوبات والإجراءات الإسرائيلية، وليس مقاومتها"، مشدداً على أن ذلك سيؤدي فقط إلى انهيارات أكبر فأكبر، ويعني عملياً الاعتراف بأن هذه السلطة عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها.
وأكد سويلم أن هذا الوضع يضع المجتمع الفلسطيني أمام صعوبات كبيرة وخطيرة، مضيفا: "ليس مطلوباً من السلطة والحكومة أن تتسول مستحقاتها وأموالها، فهذه الحالة تعكس وهناً وضعفا خطيرين ".
وأشار إلى أن الاستراتيجية المطلوبة يجب أن تقوم على امتلاك أدوات فعالة للتعامل مع المجتمع الدولي، بدلاً من حالة السكوت المريب. وتساءل: ماذا يفعل النظام العربي لدعم صمود الحكومة والسلطة والشعب؟ ما نراه هو صمت وقبول ضمني بالإجراءات الإسرائيلية.
مطلوب انتفاضة سياسية من السلطة والحكومة
ولفت إلى "الوهن" القائم في مؤسسات السلطة وفي مواقف الحكومة"، معتبراً أن "هذه الاستراتيجية لن تعيد الحقوق إلى أصحابها، بل ستؤدي إلى مزيد من الانهيار ومزيد من الانغماس في استراتيجية التكيف والتأقلم، وصولاً إلى قبول السلطة بالتحلل والاضمحلال إذا بقيت الأمور تسير وفق هذا النهج".
وبخصوص الحلول، دعا سويلم إلى انتفاضة سياسية من السلطة والحكومة على هذا الواقع، عبر مقاومة سياسية تصل إلى حد التهديد بسحب الاعتراف بإسرائيل، وتطبيق قرارات المجلسين المركزي والوطني.
وقال سويلم: "بدون أن تشعر إسرائيل بوجود ثمن سياسي حقيقي، فإنها ستواصل مشروعها، موضحاً أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش مستعد لإدخال مساعدات أكثر إلى غزة فقط من أجل خنق الضفة الغربية مالياً، مؤكدا أن ما يجري هو مقدمة لمعركة الضفة القادمة، معركة الحصار والتجويع".
مخطط إسرائيلي لتقويض وجود السلطة
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي د. فوزي علي السمهوري إن المخطط الإسرائيلي لتقويض وجود السلطة الفلسطينية مستمر منذ فترة طويلة.
وأضاف: إن ما جرى من تدمير شبه شامل في قطاع غزة، إضافة إلى مخطط التهجير والحصار المفروض، والقرارات الاستراتيجية الإسرائيلية، كلها تهدف إلى تقويض السلطة من خلال إجراءات مباشرة سياسية وعسكرية وأمنية، ويتزامن معها تصعيد ميداني في الضفة الغربية ودعم عصابات المستوطنين، وتمكينهم من إطلاق النار على المواطنين وحرق منازلهم تحت حماية قوات الاحتلال وأجهزته الأمنية.
وأشار السمهوري إلى أن هذا النهج يمثل دليلاً واضحاً على سعي إسرائيل لتهجير الشعب الفلسطيني، إما إلى خارج فلسطين التاريخية، أو عبر محاولة حشر أكبر عدد منهم في أصغر مساحة جغرافية، كما يحدث حالياً في جنين وطولكرم، حيث تسعى إسرائيل لتدمير المخيمات كجزء من محاولات تصفية الجذور وأسس القضية الفلسطينية، لكون المخيمات تمثل الشاهد الحي على نكبة اللاجئين.
وأكد أن هذه السياسات تجري في ظل حكومة يمينية متطرفة تمثل غالبية المجتمع الإسرائيلي، والتي لم تتوانَ في استهداف الوجود الفلسطيني.
وأوضح أن هذه الحكومة تواصل فرض تغييرات ديموغرافية وتشريعية لتضييق سبل الحياة أمام الفلسطينيين.
وقال: إن من أبرز أوجه هذا المخطط هو استمرار احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، التي تبلغ نحو 9 مليارات شيكل، متسائلاً: "كيف يمكن للحكومة الفلسطينية أداء واجباتها تجاه الموظفين وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية، في ظل غياب القدرة المالية؟".
إجراءات تهدف لإثارة الشارع ضد السلطة لإضعافها
ويرى الكاتب السمهوري أن استمرار حجز أموال المقاصة هو استهداف مباشر للشرعية الفلسطينية، في إطار سعي الاحتلال لإنكار وجود الشعب الفلسطيني وقيادته السياسية التي تعمل وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وأشار إلى أن هذا يأتي أيضاً في سياق تجاهل تنفيذ قرارات الجمعية العامة، بما فيها القرار الصادر في أيلول الماضي، الذي طالب الاحتلال بإنهاء وجوده خلال 12 شهراً، استناداً إلى قرار محكمة العدل الدولية الصادر في تموز الماضي.
وتابع: إن هذا يترافق مع عزلة دولية متزايدة يعاني منها الاحتلال بعد ارتكاب جرائم الحرب، مقابل تصاعد الدعم الشعبي والسياسي للقضية الفلسطينية.
وأكد أن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة، من تضييق مالي وتشويش على الحكومة، تهدف إلى إثارة الشارع ضد السلطة الفلسطينية لإضعافها، بما يخدم مزاعم الاحتلال بأنه لا توجد سلطة شرعية قائمة.
وانتقد السمهوري صمت الدول العربية، متسائلاً: "هل تعجز الحكومات العربية عن تقديم قرض أو هبة لا تتجاوز 3 مليارات دولار لدعم صمود الشعب الفلسطيني؟ كيف يمكن لمواطن أن يُطالب بالصمود في ظل عجز حكومته عن تأمين الحياة الكريمة؟".
ولفت إلى أن القطاع الخاص أيضاً بدأ يتأثر، مع تزايد نسب البطالة والفقر، محذراً من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى انهيار الخدمات التعليمية والصحية، ما يضع المواطن الفلسطيني أمام خيارات صعبة.
وقال: إن بيان الحكومة الفلسطينية الصادر مؤخراً كان مهماً، ووجه نداءً للدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، خاصة الولايات المتحدة وفرنسا، من أجل الضغط على إسرائيل لوقف قرصنتها لأموال الشعب الفلسطيني.
وأضاف: إن إسرائيل تنتهك اتفاق باريس الاقتصادي، الذي لا يزال سارياً، شأنه شأن اتفاق أوسلو الذي لم يُلغ رسمياً.
وشدد السمهوري على أن عدم التحرك لنجدة الشعب الفلسطيني وإجبار إسرائيل على إعادة الأموال المحتجزة، سيدفع نحو مزيد من التصعيد، وستكون الخيارات التي قد يلجأ لها المواطن الفلسطيني غير مرضية للمجتمع الدولي، وستخدم مشروع الاحتلال لتقويض السلطة وإلغاء خيار الدولة الفلسطينية.
ثلاثة مصادر رئيسية للإيرادات
بدوره، قال الصحفي المختص في الشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش: إن الإيرادات المالية للسلطة الوطنية الفلسطينية محدودة ومعروفة منذ إنشائها، إذ قامت على ثلاثة مصادر رئيسية: الأول: الضرائب غير المباشرة التي يجبيها الاحتلال الاسرائيلي نيابة عن السلطة الوطنية والتي تسمه اصطلاحاً المقاصة والتي تضمن أربعة أنواع من الضرائب (الجمارك، والقيمة المضافة، وضريبة المحروقات، وضريبة الدخل للعمال الفلسطينيين الذين يعملون في إسرائيل والمستوطنات،) وهذه أصبحت عبر السنوات تزداد نسبتها من الموازنة العامة، ففي ظل تراجع المساعدات الدولية أصبحت تشكل نحو 68% من الإيرادات.
وأكد أبو غوش أن الإيراد الثاني الرسوم المحلية التي تجبيها السلطة مباشرة مثل ضريبة الدخل للشركات والأفراد، ورسوم المحاكم والتراخيص وغيرها. أما الإيراد الثالث فهو المساعدات الدولية التي كانت تشكل بالمعدل عبر السنوات نحو مليار دولار سنوياً، لكنها بدأت تتراجع تدريجياً منذ عشر سنوات ولم تعد مصدراً رئيسياً في الموازنة.
ويرى الصحفي أبو غوش أن الأزمة المالية التي تمر بها السلطة الوطنية هي تراكمية وممتدة منذ سنوات، مشيرا الى انها أزمة مركبة ولها أسباب موضوعية وأخرى ذاتية، ولها أسباب متعلقة بالإيرادات وأخرى بالنفقات.
تراجع المساعدات الدولية وصولاً إلى تجفيفها
وقال: إن تراجع المساعدات الدولية وصولاً إلى تجفيفها تقريباً منذ أكثر من عشر سنوات، ترافق مع زيادة إجمالي النفقات من خلال زيادة فاتورة الرواتب، ومن ثم لجوء الاحتلال إلى اقتطاعات من أموال المقاصة لأسباب مختلفة بدأت من خلال قانون في الكنيست لاقتطاع مخصصات الأسرى وأسر الشهداء والجرحى، ثم لجوء الاحتلال إلى احتجاز مخصصات قطاع غزة منذ أحداث 7 أكتوبر 2023، وتراجع قيمة أموال المقاصة التي تورد للسلطة الوطنية إلى نحو 40% فقط من قيمها الحقيقية.
وتابع أبو غوش: إن كل ذلك عمق الأزمة المالية للسلطة الوطنية ورفع حجم الدين العام إلى أكثر من 45 مليار شيكل، ما أدى إلى إلى عدم قدرة السلطة الوطنية إلى الإيفاء بكافة التزاماتها منذ نحو 4 سنوات، موضحاً أن ذلك زاد بسبب الضغوط الإسرائيلية باقتطاع أموال المقاصة، ما وضع السلطة الوطنية حقيقة على حافة انهيار وشيك.
وذكر أن السلطة الوطنية من الناحية العملية فقدت ثلثي إيراداتها، وتحتاج إلى القيام بالتزاماتها من رواتب ونفقات تشغيلية وخدمة الدين العام إلى قرابة 1.5 مليار شيكل شهرياً، وإلى قرابة 1.3 مليار شيكل فيما لو قررت الابقاء على صرف الراتب بنسبة 70% مع النفقات التشيغيلة وخدمة الدين العام.
الحاجة إلى تفعيل شبكة الأمان العربية
وأكد أبو غوش أنه في ظل احتجاز أموال المقاصة لا يمكن للسلطة الوطنية بأي حال من الأحوال الإيفاء بالتزامتها، وهذا سيمس بجوهر الخدمات الأساسية، إلا إذا مد المجتمع الدولي يد الانقاذ لها من خلال تفعيل شبكة الأمان العربية التي تم إقرارها عبر عدة قمم عربية، ولكنها للأسف بقيت حبيسة الإدراج.
وختم الصحفي أبو غوش تعقيبه بالتأكيد على أن الإبقاء على الوضع الحالي سيقود إلى انهيار مالي واقتصادي حتمي.
وأضاف: يوجد أمامنا سيناريوهان لا ثالث لهما باعتقادي: الأول أن يدفع الاحتلال إلى انهيار فعلي للسلطة باتباع هذه السياسية، ولكن ذلك يحتاج إلى قرار استراتيجي إسرائيلي وليس فقط إلى قرار من وزير المالية الإسرائيلي، والثاني: هو أن يتم تزويد السلطة الوطنية بأوكسجين الحياة ومنع انهيارها على الأقل حالياً من خلال تحويل بعض دفعات المقاصة، وهذا ما أرجحه خلال الأسابيع المقبلة، لكن ذلك إن حصل لا يعني انفراجاً مالياً بالمطلق، وإنما للحيلولة فقط دون حدوث انهيار كبير.
السلطة تواجه خطراً حقيقياً بالانهيار
من جهته، أكد الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن السلطة الفلسطينية تواجه خطراً حقيقياً بالانهيار، في ظل عجزها المتزايد عن تقديم الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها صرف الرواتب، إلى جانب خدمات الصحة والتعليم والقضاء والشرطة وغيرها.
وأشار إلى أن هذا التهديد يأتي نتيجة العجز المالي الذي تعاني منه السلطة، بسبب قرارات الحكومة الإسرائيلية، وخاصة من قبل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يصر على منع تحويل أموال المقاصة إلى السلطة الفلسطينية.
وأضاف د. عوض أن إسرائيل تبرر هذه الإجراءات بوجود سيولة مفرطة من عملة الشيكل في السوق الفلسطينية، مدعية أن الضفة باتت مركزا لغسل الأموال، وهي اتهامات تستدعي التحقق منها، لا سيما أن البنوك الإسرائيلية ترفض استقبال العملة من البنوك الفلسطينية.
وأوضح أن الأزمات التي تفرضها إسرائيل على السلطة لا تقتصر على أموال المقاصة، بل تشمل أيضاً أزمة الوقود، وأزمة الشيكل، وقيود الحركة، مما يؤدي إلى مضاعفة معاناة المواطنين ودفعهم نحو الفقر.
ونوه إلى أن خطر انهيار السلطة لا يأتي فقط من الخارج، بل من الداخل أيضاً، إذ قد يؤدي العجز عن تقديم الخدمات إلى غضب جماهيري قد يساهم في تقويضها.
الحاجة لتدخل عربي وأوروبي لإنقاذ السلطة
وتساءل عوض: هل يمكن للدول العربية أو الاتحاد الأوروبي أن تتدخل لإنقاذ السلطة؟ مؤكداً أن ذلك مرهون بموافقة إسرائيل والولايات المتحدة، إذ أن الدعم العربي لطالما كان مشروطاً ومحكوماً بإرادة سياسية خارجية، وسط ذرائع تتعلق بغياب الإصلاح أو استمرار الانقسام الفلسطيني.
وأضاف: إن التمويل الأوروبي كذلك مشروط، ويأتي غالباً على شكل دعم مخصص لمؤسسات معينة، مثل الصحة والتعليم، وليس دعماً مباشراً للخزينة، مما يجعل هذه المساعدات أقرب إلى إغاثة منها إلى دعم تنموي.
وحذر د. عوض من أن استمرار هذا الوضع دون رؤية سياسية أو تسوية شاملة، ومع وجود حكومة إسرائيلية تسعى صراحة إلى إسقاط السلطة، يعني أن سيناريو الانهيار قد يصبح واقعاً، خاصة في ظل سعي إسرائيل لإفشال حل الدولتين، وفرض وقائع جديدة تقوم على التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية وحتى في قطاع غزة، لطرد السكان.
وختم عوض بالقول: "السلطة الفلسطينية، لا تزال تمثل قوة الاعتدال والخيار الممكن الوحيد أمام الانهيار الكامل. لذلك، دعمها اليوم ضرورة حتمية، وإلا فإن القادم سيكون مظلما."
السلطة تنهار تدريجياً ولا تُتخَذ المواقف المطلوبة
بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي أشرف العجرمي إن ما قامت به الحكومة جاء متأخراً جداً ومحدوداً للغاية فيما يتعلق بالوضع الحالي، مشيراً إلى ضرورة تبني سياسة فلسطينية تعكس وجود أزمة حقيقية تُقلق العالم.
وأضاف: حتى الآن، لم ننجح في إيصال صورة للعالم بأننا نعيش وضعاً كارثياً ومأساوياً يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لكي لا تنهار السلطة. فالسلطة تنهار تدريجياً، ومع ذلك لا تُتخذ المواقف المطلوبة لمواجهة هذا الانهيار.
وأوضح العجرمي أن هناك خطوات عديدة يمكن للسلطة الفلسطينية اتخاذها، منها مثلاً تسريح عدد أكبر من أفراد الأجهزة الأمنية، ووقف جميع أشكال التعاون مع الجانب الإسرائيلي، باعتبار أن إسرائيل تتحمل مسؤولية هذا الوضع الكارثي.
وأشار إلى أن من بين الخطوات الممكنة أيضاً، خلق أزمة، حتى لو وصلت إلى حد تقديم الحكومة لاستقالتها، وذلك كنوع من الضغط على المستوى الدولي، وإيصال رسالة واضحة بأن السلطة غير قادرة على القيام بواجباتها تجاه الشعب الفلسطيني في ظل الحصار الإسرائيلي الشديد، والاقتطاع المتكرر والدائم لأموال المقاصة الفلسطينية، وكذلك في ظل غياب أي دعم أو ضغط دولي على إسرائيل.
وشدد العجرمي على ضرورة اتخاذ خطوات أكثر حزماً وصرامة لإظهار أن هناك أزمة حقيقية، وأن السلطة على وشك الانهيار.
أهمية خلق أزمة حقيقية داخل إسرائيل
وأكد أن إسرائيل لا تكترث كثيراً بالوضع الكارثي، في ظل تصريح سموتريتش سابقاً بأن "السلطة عبء، وحماس كنز"، وهو موقف يعكس توجه الحكومة الإسرائيلية، لذلك ينبغي أن يكون موقف السلطة الفلسطينية مناقضاً تماماً لهذا التوجه.
وأشار إلى أهمية خلق أزمة حقيقية داخل إسرائيل، وإجبارها على تحمل مسؤولياتها في الضفة الغربية، بدلاً من أن تتحمل السلطة المسؤولية المدنية، بينما تمضي إسرائيل في سياساتها من عمليات اقتحام واعتداءات، وتطلق العنان لعصابات المستوطنين للاعتداء على المواطنين الفلسطينيين.
وقال: أنا لا اقول أن على السلطة أن تنهار أو حل السلطة الفلسطينية، لكن يجب أن تتحمل إسرائيل كامل المسؤولية عما يجري، بما في ذلك الوضع الأمني المتدهور، والذي قد يؤدي إلى فوضى عارمة في الضفة الغربية.
ويرى العجرمي أن النقد الشعبي لجلسة الحكومة الطارثة منطقي، في ظل الوضع الراهن. وقال: "الناس تطالب بسياسات عملية، قادرة على خلق أزمة حقيقية في العلاقة مع إسرائيل، وتُظهر للمجتمع الدولي أن الوضع القائم لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة.
واضاف العجرمي: إن الموقف الشعبي يتطلع إلى رؤية إجراءات أكثر جدية وحزماً من قبل الحكومة الفلسطينية. والمطلوب هو قرارات قيادية أكثر صرامة ووضوحاً.
الحكومة لن تتمكن من الاستمرار في تقديم الخدمات
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب أن الحكومة الفلسطينية، لن تتمكن من الاستمرار في تقديم الخدمات خلال الأيام أو الأشهر المقبلة، في حال استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة، التي تشكل نحو ثلثي إيرادات السلطة الفلسطينية.
وأضاف: إن غياب هذه الأموال سيُحدث عجزاً واضحاً وكبيراً، خاصة بعد أربع سنوات من الاقتطاعات ومن تراجع قدرة الحكومة على صرف الرواتب بشكل منتظم وكامل، الأمر الذي يشير إلى أن السلطة الفلسطينية قد تعجز عن الاستمرار، ما قد يؤدي إلى انهيار فعلي أو اقترابها من حافة الانهيار.
ويرى الكاتب حرب أن المشاورات والإجراءات والاتفاقيات التي جرت الأسبوع الماضي بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، كان هدفها ممارسة الضغط على الحكومة الإسرائيلية لتحويل أموال المقاصة المحتجزة، وخاصة أموال الشهرين الأخيرين، التي لم تُحول بعد إلى خزينة السلطة الفلسطينية، رغم الاقتطاعات الكبيرة التي تمارسها إسرائيل.
وأكد أن الخطر الرئيس من عدم قدرة السلطة على تقديم الخدمات يتمثل في احتمال انهيارها، ما قد يفضي إلى فوضى وعدم قدرة المؤسسات الفلسطينية على العمل، أو اقتصار أدائها على حد أدنى ضعيف، في ظل ضغوط هائلة لا تقتصر على الجانب المالي، بل تشمل أيضاً الضغوط الأمنية، لا سيما الاقتحامات اليومية التي تنفذها قوات الاحتلال لمناطق (أ)، ما يضعف ثقة المواطنين بالسلطة، ويزيد من حالة التشرذم والفوضى داخل التجمعات الفلسطينية، وخصوصا في المناطق التي تشهد كثافة سكانية عالية.
كما أشار حرب إلى أن استمرار هذا الوضع قد يقود إلى مواجهة مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي، أي إلى انفجار ميداني، في وقت لا تبدو فيه القوى أو الأحزاب الفلسطينية الرئيسية في الضفة الغربية مستعدة لمثل هذا الاحتمال، بعد نحو 21 شهراً من الضربات الأمنية التي طالت الفصائل، خصوصاً في شمال الضفة الغربية، في مدينتي جنين وطولكرم.
خشية من تصاعد جرائم المستوطنين
وأوضح أن جرائم المستوطنين، المدعومة بسياسات الحكومة الإسرائيلية، قد تتصاعد في القرى والبلدات الفلسطينية المحاذية للمستوطنات.
وأشار إلى أن الدول الأوروبية، وتحديداً الاتحاد الأوروبي، لا ترغب بانهيار السلطة الفلسطينية لسببين رئيسيين: الأول أنها استثمرت لسنوات طويلة أموالاً وجهوداً سياسية في خيار حل الدولتين، والسلطة الفلسطينية تُعد ركيزة أساسية في هذا الإطار، وقد تسهم مستقبلاً في الوصول إلى اتفاق سياسي شامل لتحقيق السلام.
أما السبب الثاني، حسب حرب فيتعلق بالتخوف الأوروبي من انفجار جديد قد يؤدي إلى موجات هجرة واضطرابات إقليمية، في ظل الأزمات المتواصلة في الشرق الأوسط، كالوضع في سوريا، وليبيا، ودول الجنوب، وهي أزمات لها تداعيات مباشرة على دول الاتحاد الأوروبي.
وأكد حرب أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء السلطة الفلسطينية على حافة الانهيار، ما يعني أننا قد نكون أمام مرحلة غير قصيرة من استمرار هذا الوضع الخطير، القائم على احتمالية الانهيار الوشيك للسلطة نتيجة عجزها عن الوفاء بالتزاماتها، وعلى رأسها دفع رواتب الموظفين.





شارك برأيك
اجتماع المساء.. رسالة من تحت الماء