فلسطين

الثّلاثاء 15 يوليو 2025 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

وثيقة الإنقاذ الوطني.. رسالة أمل أم تكرار الـمكرر؟

رام الله - خاص بـ"القدس" والقدس دوت كوم-

د. تحسين الأسطل: الوثيقة تقدّم حلاً عملياً وقابلاً للتطبيق يتطلب من جميع الأطراف التزاماً صادقاً يضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار

ماجد هديب: الوثيقة لن تحقق نجاحاً لأنها تأخرت كثيراً ولم تعد تلبي حاجة الشارع الذي لم يعد بحاجة لتنظير أو نصوص مطولة

محمد جودة: الوثيقة بالرغم من أنها جاءت متأخرة لكنها قد تشكل فرصة جدية لإعادة بناء النظام السياسي وسط تحديات جمة

د. جمال حرفوش: الوثيقة المطروحة تمتلك القدرة على إحداث تأثير حقيقي إذا ما جرى البناء عليها سياسياً وشعبياً وإعلامياً

طلال عوكل: ما يميز المبادرة الحالية التوقيت المرتبط بوجود تفاؤل نسبي بإمكانية التوصل لاتفاق لوقف الحرب وإدارة "اليوم التالي"

عدنان الصباح: الحالة الفلسطينية الراهنة باتت أكبر من قدرة المبادرات وحدها على حلّها والمطلوب ضغط شعبي على أطراف الانقسام

 

تطلق مجموعة من الشخصيات الوطنية والسياسية والأكاديمية والنقابية من قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، وثيقة الإنقاذ الوطني الفلسطيني، بهدف وضع حد للانقسام المستمر منذ 18 عاماً، وتوحيد الصف الفلسطيني أمام التحديات الوجودية التي تهدد المشروع الوطني، وفي ظل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من حرب إبادة متواصلة منذ نحو عامين. 

ويرى مطلقو المبادرة، خلال حديث مع "ے"، أن هذه الوثيقة تأتي كجهد جامع يرتكز على منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي، داعية إلى التزام وطني صادق يضع المصلحة العليا فوق كل اعتبار.

وتطالب الوثيقة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته لوقف حرب الإبادة في غزة، التي تشكل تهديداً وجودياً للشعب الفلسطيني، وتسعى إلى تقديم رؤية سياسية وعملية تستند إلى الحقوق الوطنية المشروعة والقانون الدولي، مع مراعاة واقع المعاناة والحاجة الملحة للإنقاذ.

ويوضح كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن الوثيقة تؤكد ضرورة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام الفلسطيني، لكنها تواجه تحديات الانقسام المزمن، وضعف الإرادة السياسية، والضغوط الإقليمية، ورغم تأخرها، قد تشكل فرصة لبناء نظام سياسي موحد إذا دُعمت بحراك شعبي وإرادة جادة.

في غضون ذلك، ينتقد البعض تأخر وثيقة الإنقاذ الوطني لسنوات طويلة من الانقسام وحرب مدمرة في غزة، وسط صمت النخب الفكرية.

 

 

توحيد الصف في مواجهة التحديات المصيرية

 

ويؤكد رئيس اللجنة الإعلامية والناطق باسم وثيقة الإنقاذ الوطني الفلسطيني ونائب نقيب الصحفيين الفلسطينيين د. تحسين الأسطل، أن مجموعة فاعلة من الشخصيات الوطنية والسياسية والأكاديمية والنقابية والشعبية والاجتماعية من مكونات المجتمع المدني الفلسطيني تطلق من قطاع غزة اليوم الثلاثاء، وثيقة للإنقاذ الوطني الفلسطيني، في محاولة لوضع حد لحالة الانقسام الفلسطيني وتوحيد الصف في مواجهة التحديات المصيرية التي تهدد الوجود والكيان الوطني الفلسطيني.

ويوضح الأسطل أن الوثيقة تطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية والضغط الفوري لوقف حرب الإبادة الجماعية التي تُمارَس بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والتي باتت تشكل خطراً وجودياً على الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني العادل.

 ويشدد الأسطل على أن الوثيقة تُشكّل انطلاقة سياسية جديدة برؤية واضحة تلبي طموحات الشعب الفلسطيني وتضحياته، وترتكز على الحقوق المشروعة والشرعية الوطنية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، استناداً إلى القانون الدولي والاتفاقيات الدولية، مع الأخذ في الحسبان واقع المعاناة والحاجة الملحّة للخلاص والإنقاذ.

ويشير الأسطل إلى أن الوثيقة لا تأتي بديلاً عن أي مكوّن وطني أو سياسي، بل تُعد جهداً جامعاً يهدف إلى تحقيق توافق فلسطيني شامل، ووضع حدٍ لحالة الانقسام المستمرة منذ أكثر من 18 عاماً، والعمل على توحيد الصف الفلسطيني في معركة البناء وتوحيد كل الطاقات الوطنية لمواجهة التحديات الراهنة. 

 

رؤية سياسية وعملية تأخذ في الاعتبار أبعاد الواقع الأليم

 

ويؤكد الأسطل أن الهدف الأساسي للوثيقة هو تقديم رؤية سياسية وعملية تأخذ في الاعتبار كل أبعاد الواقع الأليم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، والتهديدات الوجودية التي تستهدف وجوده وكيانه الوطني المتمثل بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

ويشير الأسطل إلى أن الوثيقة جاءت نتيجة نقاشات وتباحث معمّق بين عدد كبير من الشخصيات الوطنية والنقابية والأكاديمية، الذين قدموا رؤاهم واتفقوا على الصيغة التي تلبي الحد الأدنى من تطلعات جميع مكونات الشعب الفلسطيني. 

ويوضح الأسطل أن هذه الشخصيات تقدّم الوثيقة بصفتها الشخصية والاعتبارية، لكنها تملك تأثيراً واسعاً على مختلف المستويات، مؤكداً أن الوثيقة تستند إلى وثيقة الاستقلال الوطني الفلسطيني والميثاق الوطني الفلسطيني والقانون الأساسي الفلسطيني.

وحول توقيت إطلاق الوثيقة، يوضح الأسطل أن استمرار العجز الدولي والصمت أمام المجازر المتواصلة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، والتي باتت تهدد وجود الشعب الفلسطيني على أرضه وتستهدف مشروعه الوطني بكامله، فرض ضرورة إطلاق الوثيقة لحماية ما يمكن إنقاذه من هذا المشروع الوطني العادل، داعياً إلى وقف الخلافات الداخلية التي استنزفت الشعب الفلسطيني على مدار سنوات الانقسام الطويلة والتي خدمت الاحتلال دون مقابل.

 

وضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار 

 

ويبيّن الأسطل أن الاحتلال الإسرائيلي وحكومته اليمينية المتطرفة يعملان بشكل مستمر على ترسيخ الانقسام وإدامته لضرب وحدة الشعب الفلسطيني وتمزيق صفوفه، مشدداً على أن الوثيقة تأتي لتقدّم حلاً عملياً وقابلاً للتطبيق يتطلب من جميع الأطراف الفلسطينية التزاماً صادقاً يضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار. 

ويؤكد الأسطل أن الوثيقة تعتبر منظمة التحرير الفلسطينية هي البيت الشرعي الجامع لكل الفلسطينيين والانطلاق منها أساس أي عمل وطني جامع.

وبشأن برنامج العمل للوثيقة، يشير الأسطل إلى أنه سيتم طرحها على وسائل الإعلام والمجتمع الفلسطيني اليوم الثلاثاء، وسيُعمَل على نشرها على أوسع نطاق بين أبناء الشعب الفلسطيني، بالتزامن مع إرسالها إلى الرئيس محمود عباس وإلى جميع الفصائل الفلسطينية دون استثناء، تقديراً لدور هذه الفصائل وتضحياتها وبرامجها السياسية التي تحظى باحترام القائمين على الوثيقة. 

ويشدد الأسطل على ضرورة أن تنطلق كل البرامج من التزامات منظمة التحرير الفلسطينية والقانون الدولي والمواثيق والأعراف الدولية.

ويؤكد الأسطل أن المشاركة الشعبية عنصر أساسي في إنجاح الوثيقة، داعياً إلى توظيف كل أشكال الضغط الشعبي لضمان تبني الوثيقة من كل المستويات الرسمية والشعبية، مذكّراً بالتحركات الشعبية التي شهدها قطاع غزة وباقي المناطق الفلسطينية في 15 آذار/مارس 2011 للمطالبة بإنهاء الانقسام، والتي جرى الالتفاف عليها ومصادرتها لصالح استمرار الانقسام.

 

مبادرة من وسط الموت والدمار والألم

 

ويؤكد الأسطل أن الوثيقة خرجت من غزة، من قلب الدمار والألم، لتحمل رسالة أمل وقوة إلى كل الوطن، وأنها تضع الشعب والوطن فوق كل اعتبار.

ويشدد الأسطل على أن الخطوات القادمة واضحة وتشمل تنفيذ خطة عمل عملية ومنظمة لضمان انتشار الوثيقة ودعمها شعبياً، مع مواصلة الضغط لضمان تبنيها رسمياً، حيث أن نجاح الوثيقة رهين بوعي الشعب الفلسطيني ومشاركته الجادة في حماية المشروع الوطني ومحاسبة كل من يتجاهل هذه الجهود المصيرية.

ويشير الأسطل إلى أن الوثيقة تقدّم خطة واضحة للإجابة عن الكثير من التساؤلات وتضع أسساً عملية للتنفيذ على الأرض إذا التقت الإرادة الشعبية والرسمية حولها.

ويؤكد الأسطل أن اللحظة التاريخية تستدعي التوافق الجاد والالتحام خلف مشروع سياسي واضح يضمن للشعب الفلسطيني حقه في الحرية والبناء وإعادة الإعمار، وأن غزة رغم الألم أثبتت أنها قادرة على تقديم الرؤية والقيادة والأمل من جديد.

 

 

مبادرة "الإنقاذ الوطني" متأخرة للغاية

 

من جانبه، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن مبادرة وثيقة الإنقاذ الوطني جاءت في توقيت متأخر للغاية، خاصة بعد عامين مما يتعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من حرب مدمرة أسفرت عن مقتل وتهجير الآلاف، إضافة إلى أنها جاءت بعد أكثر من 18 عاماً من الانقسام السياسي الذي دفع الشعب الفلسطيني إلى حالة من التيه والضياع.

ويرى هديب أن القائمين على هذه الوثيقة من قادة الفكر والثقافة والإعلام والأكاديميين كان يمكنهم التقدم بمبادرات مماثلة خلال سنوات الانقسام أو حتى في بدايات الحرب الجارية، إلا أنهم التزموا الصمت رغم تكرار مطالبة الشعب الفلسطيني لهم بالتحرك وتقديم حلول لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. 

وأكد أن الوثيقة المطروحة حالياً لن تحقق نجاحاً لأنها تأخرت كثيراً ولم تعد تلبي حاجة الشارع الفلسطيني الذي لم يعد بحاجة إلى تنظير أو نصوص مطولة، بل يحتاج إلى قرارات عاجلة وحاسمة.

 

بحاجة لقادة حقيقيين من المثقفين والأكاديميين

 

ويوضح هديب أن الوثيقة الحالية تطالب بإعادة الوحدة الوطنية وتشكيل حكومة وحدة، لكن هذه المطالب تجاوزتها الأحداث المتسارعة، ولم يعد لدى الفلسطينيين ترف الوقت لانتظار مناقشتها أو تعديلها ثم إطلاقها كخطة عمل. ويحذر هديب من أن بقاء الأمور كما هي سيمنح الاحتلال الإسرائيلي بقيادة نتنياهو فرصة لتحقيق مخططاته في التهجير والإبادة الجماعية.

ويعتقد هديب أن الشعب الفلسطيني لن ينجح في تغيير الواقع دون أن يلتف حوله قادة حقيقيون من المثقفين والأكاديميين والشخصيات الاعتبارية، ليكونوا منارة توجه الشباب وتحدد لهم الطريق لاستعادة القضية الفلسطينية مكانتها عربياً ودولياً ولحماية ما تبقى من وجود الشعب على أرضه.

 

 إطلاق الوثيقة يأتي في لحظة تاريخية فارقة

 

بدوره، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي محمد جودة أن إطلاق "وثيقة الإنقاذ الوطني" يأتي في لحظة تاريخية فارقة تمر بها القضية الفلسطينية، في ظل ما يشهده قطاع غزة من عدوان متواصل، وحرب إبادة جماعية وتطهير عرقي غير مسبوق، يشكل تهديداً وجودياً حقيقياً للشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني ككل.

ويوضح جودة أن توقيت إطلاق الوثيقة يكتسب أهمية مضاعفة بسبب حالة الانقسام السياسي العميق بين الفصائل الفلسطينية، والذي يعرقل أي جهد وطني موحد، ويضعف من قدرة الفلسطينيين على مخاطبة المجتمع الدولي بموقف واحد يعكس تضحياتهم وحقوقهم المشروعة. 

ويؤكد جودة أن فقدان الثقة بين المواطن الفلسطيني ومؤسساته القيادية، إلى جانب الفراغ السياسي المتفاقم، خلقا حاجة ماسة لمبادرات وطنية جامعة تتبنى رؤية شاملة تعيد ترتيب البيت الداخلي وتمنح الفلسطينيين الأمل بإمكانية تجاوز الأزمات.

ويشير جودة إلى أن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة قد تفرض على الفلسطينيين حلولاً لا تنسجم مع طموحاتهم، وهو ما يستدعي موقفاً فلسطينياً موحداً يحمي الحقوق الوطنية ويرفض أي إملاءات خارجية تنتقص من الثوابت.

ويصف جودة الوثيقة بأنها بمثابة "صرخة إنقاذ وطني" رغم أنها جاءت متأخرة، لكنها قد تشكل فرصة جدية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الوحدة والشراكة والشرعية الوطنية الجامعة، وسط تحديات جمة.

 

تحديات تهدد قدرة الوثيقة على تحقيق أهدافها

 

وفي المقابل، يحذر جودة من جملة تحديات تهدد قدرة الوثيقة على تحقيق أهدافها، في مقدمتها الانقسام المزمن بين حركتي "فتح" و"حماس" الذي بقي عائقاً أمام أي مشروع وطني جامع، إلى جانب وجود حالة من التشكيك والريبة لدى بعض القوى السياسية التي قد تنظر إلى أي مبادرة وطنية جديدة كبديل أو منافس للقيادة القائمة، مما يضعف من فرص التجاوب معها.

ويؤكد جودة أن هناك ضغوطاً إقليمية ودولية قد تسعى لإفشال أي مشروع فلسطيني مستقل لا يتماشى مع أجنداتها، إلى جانب ضعف مؤسسات المجتمع المدني التي باتت تعاني من تراجع تأثيرها، فضلاً عن الواقع الميداني المعقد في قطاع غزة الذي يصعّب من إمكانية تنظيم الحراك الشعبي والجماهيري المطلوب لإنجاح الوثيقة وإنهاء الانقسام في ظل استمرار القصف والحصار والدمار.

رغم ذلك، يعتقد جودة أن للوثيقة فرصة حقيقية لإحداث تأثير ملموس إذا حظيت بتأييد شعبي واسع يعكس حاجة الفلسطينيين الماسة للوحدة الوطنية والخطاب السياسي الموحد، مؤكداً أن نجاحها مرهون بتحويلها إلى برنامج عمل ملموس يتجاوز الشعارات والبيانات ليقدم حلولاً عملية قابلة للتطبيق على الأرض.

ويوضح جودة أن الخطوات المطلوبة في المرحلة المقبلة تتمثل في إطلاق حوار وطني شامل يشارك فيه كل الفصائل والقوى والفئات الاجتماعية لمناقشة الوثيقة وتطوير بنودها، إلى جانب تشكيل جسم وطني توافقي لمتابعة تنفيذ بنود الوثيقة يضم ممثلين عن مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.

ويشدد جودة على ضرورة ربط الوثيقة برؤية استراتيجية واضحة لتجديد المشروع الوطني الفلسطيني وتفعيل دور منظمة التحرير كمظلة جامعة للكل الفلسطيني، والعمل على حشد الدعم الإقليمي والدولي اللازم للوثيقة وطرحها كموقف موحد أمام العالم، إلى جانب استثمارها كأداة ضغط حقيقي على القيادات والفصائل للانخراط الجاد في إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية الشاملة.

ويؤكد جودة أن الوثيقة تشكل فرصة مهمة لمحاولة الخروج من الواقع الفلسطيني المزري الراهن، لكنها بحاجة قبل كل شيء إلى إرادة وطنية صادقة ومشاركة جماهيرية واسعة والتزام سياسي جاد من كل الأطراف حتى تتحول من مجرد مبادرة إلى واقع ملموس يغيّر المشهد الفلسطيني برمته.

 

 

التوقيت يحمل دلالات استراتيجية ووطنية عميقة

 

من جهته، يشدد البروفيسور د.جمال حرفوش، أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، على أن إطلاق "وثيقة الإنقاذ الوطني" في هذا التوقيت بالذات يحمل دلالات استراتيجية ووطنية عميقة، معتبراً أنها تأتي في لحظة حرجة تمر بها القضية الفلسطينية، وسط حرب إبادة جماعية ممنهجة تُرتكب بحق أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وانسداد سياسي غير مسبوق، وانقسام داخلي أضعف البنيان الوطني وضرب الثقة الشعبية بالمؤسسات القائمة.

ويؤكد حرفوش أن هذه الوثيقة تمثل صرخة ضمير جمعي في وجه حالة الانقسام والتردد والتقاعس التي يعاني منها الواقع الفلسطيني منذ سنوات، مشدداً على أن وحدة الصف الفلسطيني لم تعد خياراً سياسياً يمكن المساومة عليه، بل باتت اليوم ضرورة وجودية تحمي الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني من محاولات التصفية والتهميش.

ويوضح حرفوش أن التحديات التي تعترض طريق الوثيقة كثيرة ومعقدة، يأتي في مقدمتها ممانعة القوى المستفيدة من استمرار الانقسام، والتي ترفض أي مشروع وطني جامع قد يُعيد توجيه البوصلة من الحفاظ على سلطة وهمية إلى مشروع تحرري حقيقي، إضافة إلى ضعف الإرادة السياسية لدى بعض النخب الفلسطينية، وغياب الآليات الملزمة التي تحوّل الوثيقة من مجرد إعلان نوايا إلى خطة عملية قابلة للتنفيذ.

 

تقاطع الأجندات على حساب الحقوق الفلسطينية 

 

ويؤكد حرفوش أن تعقيدات الواقع الإقليمي والدولي تزيد من صعوبة المشهد، حيث تتقاطع أجندات عديدة على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتُستخدم الضغوط الخارجية لتعميق الانقسام وإضعاف أي مسعى جاد لرأب الصدع الوطني.

ورغم ذلك، يشدد حرفوش على قناعته بأن الوثيقة تمتلك القدرة على إحداث تأثير حقيقي إذا ما جرى البناء عليها سياسياً وشعبياً وإعلامياً، مؤكداً أن قيمتها تكمن حال كونها ليست مجرد نص نظري، بل تجسيد حقيقي لإرادة شعبية عابرة للفصائل والحسابات الضيقة، ومنطلِقة من عمق المعاناة الوطنية.

ويلفت حرفوش إلى أن هذا التأثير لن يتحقق تلقائياً، بل يتطلب خطوات عملية شجاعة، أبرزها تبني الوثيقة من قبل مرجعيات وطنية جامعة وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، مع إخضاعها لنقاش شعبي شامل، وتشكيل لجنة متابعة مستقلة تضم شخصيات وطنية مشهود لها بالنزاهة والكفاءة، تتولى تحويل بنود الوثيقة إلى خارطة طريق تنفيذية قابلة للتطبيق.

ويدعو حرفوش إلى تفعيل الضغط الشعبي السلمي والمدني من أجل فرض الالتزام بالوثيقة خاصة على الفصائل والقوى السياسية التي طالما ترددت في مغادرة مربع الانقسام، وطرح الوثيقة أمام المجتمع الدولي كمبادرة فلسطينية مسؤولة تؤكد جدية الفلسطينيين في إعادة بناء وحدتهم ومؤسساتهم التمثيلية.

ويشدد حرفوش على أهمية إطلاق برنامج إعلامي وتربوي وتوعوي شامل يعمق من حضور الوثيقة في الوعي الجمعي الفلسطيني، ويحولها إلى وثيقة عهد وطني يلتف حولها الجميع، مؤكداً أن الوثيقة ليست نهاية المطاف، بل بداية جديدة لمشروع خلاص وطني حقيقي يتطلب من الجميع التقدم خطوة باتجاه الوطن بعيداً عن المصالح الفصائلية والشخصية الضيقة.

 

 

مبادرات لا تؤثر على أصحاب القرار الفلسطيني

 

الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل يؤكد أن إطلاق مبادرات وطنية من أجل التوافق الفلسطيني ليس جديداً، مشيراً إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها الإعلان عن مثل هذه المبادرات، والتي هي تعبيراً عن المسؤولية والشعور الوطني لكنها للأسف لا تترك أثراً فعلياً على أصحاب القرار الفلسطيني.

ويرى عوكل توقيت إطلاق مثل هذه الوثيقة دائماً يكون مناسباً، خاصة في ظل الظروف الحرجة التي يمر بها الشعب الفلسطيني، إلا أن ما يميز المبادرة المطروحة حالياً هو خصوصية التوقيت المرتبطة بوجود تفاؤل نسبي لدى البعض بإمكانية التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب، وما يمكن أن يفتح الباب لاحقاً للبحث الجدي في سؤال "اليوم التالي"، وخاصة ضرورة تفعيل الدور الفلسطيني في إدارة شؤونه وعدم ترك فراغات قد تستغلها قوى أخرى بما في ذلك الاحتلال الإسرائيلي.

ويوضح عوكل أن مثل هذه المبادرات الوطنية المسؤولة تعبّر عن وجدان الرأي العام الفلسطيني وتطلعاته لإنهاء الانقسام وتحقيق التوافق الداخلي، لكنها في واقع الأمر لم تنجح عبر السنوات الماضية في إحداث أي تغيير حقيقي على مستوى أصحاب القرار الفلسطيني، وإلا لكان الوضع الداخلي الفلسطيني مختلفاً جذرياً عن ما هو عليه اليوم.

ويرى عوكل أنه رغم صدق النوايا وتعدد الآليات التي جُرّبت خلال سنوات طويلة، فإن النتائج الملموسة ستظل مرهونة بما ستسفر عنه التطورات الميدانية الجارية في قطاع غزة، وما ستفرزه هذه الحرب من تداعيات ستلقي بظلالها على مجمل القضية الفلسطينية ومستقبلها، مؤكداً أن أي جهود داخلية لن تثمر ما لم تُدعّم بتغييرات حقيقية في المعادلة السياسية والوقائع على الأرض.

 

 

المبادرات والوثائق وحدها لن تجدي نفعاً

 

بدوره، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن حجم الكارثة الإنسانية والمأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده تجاوزت حدود المعالجات التقليدية، مشدداً على أن المبادرات والوثائق وحدها لن تجدي نفعاً ما لم تتحول إلى فعل حقيقي على الأرض.

ويوضح الصباح أن الحالة الأكثر قسوة اليوم تتمثل في ما يعيشه الفلسطينيون في قطاع غزة من قتل ودمار ومجازر متواصلة، لكن الواقع المأساوي لا يقتصر على غزة وحدها، بل يمتد إلى الفلسطينيين في الخارج والشتات الذين يتعرضون لمؤامرات قاسية وخاصة في سوريا ولبنان، وكذلك الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 الذين يواجهون أزمة العصابات المنظمة والإجرام المنظم، فيما يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية تحت وطأة الهجمة الاستيطانية وسياسة التهويد والسطو على الأرض بأبشع صورها.

ويشير الصباح إلى أن كل هذه التحديات المتراكمة تجعل من أي وثائق أو أوراق أو مبادرات مجرد محاولة مكررة لن تحقق النتائج المرجوة إذا لم تُترجم إلى خطوات عملية، مذكراً بأن الشعب الفلسطيني عانى تاريخياً من انقسامات عديدة، وأن الانقسام الحالي المستمر منذ عقدين يُدار اليوم ولا يُسعى بجدية إلى إنهائه، على الرغم من توقيع العديد من الاتفاقات في أماكن مختلفة من العالم، دون أن يتحقق التوافق فعلياً.

 

 

المطلوب ضغط شعبي حقيقي

 

ويؤكد الصباح أن الحالة الفلسطينية الراهنة باتت أكبر من قدرة المبادرات وحدها على حلّها، مؤكداً أن المطلوب اليوم هو الضغط الشعبي الحقيقي والحراك الميداني الفاعل الذي يجبر جميع أطراف الانقسام على العودة إلى المربع الوطني المشترك، مربع الشعب والقضية والوطن، وإلى واقع الدماء التي تسيل أنهاراً في غزة، والجوع والأشلاء والدمار الذي طال كل مقومات الحياة.

ويشدد الصباح على أن المبادرات ضرورية لكنها ستظل شكلية ما لم تتحرك الجماهير للضغط على الأطراف التي صنعت الانقسام وتدير استمراره على حساب القضية الأصلية وحقوق الشعب الفلسطيني، داعياً الجميع إلى العودة إلى مربع الشعب بعيداً عن الحسابات الفئوية الضيقة التي أوصلت الفلسطينيين إلى هذا الواقع المؤلم.

دلالات

شارك برأيك

وثيقة الإنقاذ الوطني.. رسالة أمل أم تكرار الـمكرر؟

حسن النويهي قبل 11 شهر

فاستيراس - السّويد 🇸🇪

لن تجدي نفعا ما حدا قاري ورق اصحاب القرار ينفذون اجنداتهم ولا يلتفون لاحد لو جائهم المهدي لن يستمعوا له

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.