فاض خزان الأحزان، وطفحت القلوب بتباريح الآلام التي لا ينقطع خيطها، قبل أن يلظم أوجاعاً أُخرى تتناسل يوماً بيوم، وساعةً بساعة، في متوالية الموت والإبادة للشعب بجميع فئاته، ضمن هندسةٍ مُحكمةٍ للجغرافيا والديموغرافيا، قتلاً، وتجويعاً، وهدماً، وترويعاً، حتى استحال القطاع بأكمله أرضاً يباباً بلقعاً، وغباراً متطايراً.
بالبلطات والسكاكين، وبالرصاص المتطاير فوق رؤوس المجوّعين، وبين كراتين المساعدات وأكياس الطحين، وبقوس النار الممتد من تل أبيب إلى طهران، سيجري بعد أسابيع طرق الحديد الساخن الخارج من أفران الصهر، التي أُعدت للبشر والحجر، لتشكيل المنطقة على نحوٍ يغاير ما كان سائداً، قبل إيقاد سعير المحرقة.
في التسريبات، فإن "سلام الإذعان" هو البضاعة المعروضة في سوق التسوية، بالترغيب تارة، وطوراً بالترهيب، بمساوماتٍ ومقايضاتٍ على الحدود الهشة والسلطات الرخوة، كما هو الحال في سوريا، التي تقايض فيها إسرائيل السلام مقابل الحفاظ على رأس النظام، الذي يعاني فراغاً أمنياً فادحاً، بسبب حل الجيش، وارتخاء القبضة الأمنية عن حدود الدولة المترامية، التي تُعشعش فيها الحركات الإرهابية اليقظة منها والنائمة، بانتظار الفرصة المؤاتية لتسييل الخرائط، وإيقاظ الفتن المذهبية والعرقية.
رغم كل ما يُشاع عن باقةٍ جديدةٍ من دول التطبيع، باتت جاهزةً للالتحاق بركب "السلام الإبراهيمي"، فإن المخارج ما زالت غير آمنة، والأجواء محتقنة، بأثر جرائم الإبادة وتداعياتها المرتقبة، التي ستجعل الانفتاح على الدولة المارقة في غاية الصعوبة.
ما سيتكشّف من فظائع ومآسٍ بعد انطفاء نار المجمرة، سيكبح جماح أيّة اندفاعةٍ غير محسوبةٍ لقطار التطبيع، قبل أن يكون ثمن الصعود مقنعاً، للدول المستهدفة بسلامٍ يحفظ الكرامة، ويصون الحقوق، ويضمن عدم تكرار الحروب، ولا يهدر الدماء التي أُريقت، والأرواح التي أُزهقت طيلة الأشهر الـ21 الماضية.





شارك برأيك
الخرائط القلقة والمخارج غير الآمنة!