فلسطين

الخميس 26 يونيو 2025 9:01 صباحًا - بتوقيت القدس

الهجرة النبوية.. محطة فاصلة وبداية التمكين للإسلام والمسلمين

القدس- خاص بـ"القدس" دوت كوم

د. عروة صبري: المشروع الحضاري لا بد له من كيان سياسي يرعاه ويحميه وينتقل به من مرحلة الجهود الفردية إلى الجهود الجماعية المنظمة

د. محمد سليم: النبي والصحابة أخذوا بالأسباب وهذا أهم الدروس التي يجب على المسلمين أن يأخذوها من الهجرة النبوية سواء الحكام أو المحكومين

د. حسن خاطر: هجرة الرسول مع المسلمين الأوائل إلى المدينة كانت إيذاناً بزوال المعوقات الكبيرة التي كانت تضعها قريش في طريق الدعوة الإسلامية

د. خالد أبو جمعة: الحادثة غَيَّرَتْ مجرى التاريخِ ونقلت الإنسانية إلى عالم يَختلف عمّا قبله تسودُه مشاعرُ المودَّة وتنتشرُ بينَ جنبَاته فيوضات الرحمة

د. إيهاب حمزة خليل: هجرة النبيّ من مكة إلى المدينة لم تكن مجرد حدث تاريخيّ عاديّ بل كانت نقلة عظيمة في تاريخ الإسلام والبشرية على حدّ سواء

الشيخ عمر الكسواني: الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة بل هي تحول نوعي في الوعي والواقع

 

تحيي الأمة الإسلامية اليوم الخميس، الموافق الأول من ربيع الأول، ذكرى الهجرة النبوية إلى يثرب، التي كانت محطة فاصلة في رسالة النبي محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، وكانت بداية التمكين للإسلام والمسلمين، بعدما كانوا عرضة للاضطهاد والبطش في مكة. 

وخرج الرسول الأكرم وكان قد بلغ من العمر ثلاثاً وخمسين عاماً، في السنة الثالثة عشرة بعد بعثته نبياً، وتحديداً في العام 622 ميلادية، ومعه أبو بكر الصديق، ودليلهما عبد الله بن أريقط، قاصدا يثرب التي صار اسمها "المدينة المنورة"، وكان قد سبقهم إليها ولحق بهم عدد كبير من المسلمين، ولم يبق في مكة بعد رسول الله إلا عاجز أو مسنّ.

وتحل هذه ذكرى الهجرة النبوية هذا العام في وقت تعيش فيه الأمة الإسلامية أشد حالات الضعف والعجز في مواجهة قوى الظلم والاستكبار، وفي ظل مذبحة مفتوحة يواجهها أبناء قطاع غزة بمفردهم منذ أكثر من عشرين شهرين، دون أن تتمكن أمتهم الإسلامية من رفع الظلم عنهم والانتصار لهم، وإنقاذهم من براثن الموت المتربص بهم ليل نهار، بفعل آلة الحرب الإسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة والغرب الاستعماري.

رجال دين مسلمون ومختصون، تحدثوا لـ"ے"، قالوا إن من أهم الدروس التي يجب على المسلمين أن يأخذوها من الهجرة النبوية سواء الحكام أو المحكومين هو أن النبي والصحابة أخذوا بالأسباب عند قرارهم الهجرة إلى المدينة المنورة، مؤكدين أن هجرة الرسول مع المسلمين الأوائل إلى المدينة كانت إيذاناً بزوال المعوقات الكبيرة التي كانت تضعها قريش في طريق الدعوة الإسلامية.

وأوضحوا أن هجرة النبيّ من مكة إلى المدينة لم تكن مجرد حدث تاريخيّ عاديّ أو انتقال جغرافي، بل كانت نقلة عظيمة في تاريخ الإسلام والبشرية على حدّ سواء، مشيرين إلى أن المشروع الحضاري لا بد له من كيان سياسي يرعاه ويحميه وينتقل به من مرحلة الجهود الفردية إلى الجهود الجماعية المنظمة.

 

 

التوكل على الله والثقة به مع الأخذ بالأسباب

 

وقال الدكتور عروة صبري المختص في الفقه الاسلامي وأصوله، عميد كليتي القرآن والدراسات الإسلامية والدعوة وأصول الدين في جامعة القدس إن للهجرة النبوية العديد من الدروس والعبر التي يمكن أن توصل إليها من خلال التأمل في أحداثها ومجرياتها، ويمكن ذكر بعض من هذه الدروس والمعاني السامية:

1 . تحقيق معنى التوكل على الله والثقة به مع الأخذ بالأسباب، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بالأسباب من حيث التخطيط لرحلة الهجرة واختيار التوقيت المناسب والطريق المناسب، مع الاستعانة بالدليل والخبير، والاختباء في غار ثور، مع أنه يمكن أن يؤيد بمعجزة فيحمل في لحظات من مكة إلى المدينة، لكنه أراد أن يعلم أمته أهمية التخطيط السليم والأخذ بالأسباب مع الثقة بالله فكان شعار هذه الرحلة "لا تحزن إن الله معنا". فاستحضار معية الله والثقة به هي سبب التوفيق والنجاح ولذلك أيد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بما يمنع رؤيته في الغار ولم يتمكن من كان يلاحقه من الوصول إليه وتمكن في النهاية من بلوغ هدفه مهاجراً إلى المدينة المنورة سالماً غانماً.

2 . تجلت معاني التضحية والفداء لنصرة دين الله تعالى بترك مكة المكرمة واختيار بلد آمن للدعوة إلى الله تعالى، ولكن ترك مكة رغم الألم كان لهدف عظيم وهو نصرة الدين وتمكين أهل الحق، وفي نفس الوقت كانت هناك رؤية للعودة إليها في يوم من الأيام، وهذا ما حصل فعلاً بعد ثمانية أعوام من الهجرة عاد النبي - صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمستضعفون إلى موطنهم فاتحين مهللين مكبرين، فالتضحية والفداء لا يمكن أن لا تؤتي ثمارها بل هي طريق النصر والتمكين في الدنيا والأجر والثواب في الآخرة .

3 . المشروع الحضاري الذي تحقق من خلال تأسيس أول دولة في الإسلام، حيث تمثل ذلك بوضع دستور لهذه الدولة فيه بيان الحقوق والواجبات وتوزيع المهام، ومن ثم تم إنشاء السوق، والانتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين، فحققت الهجرة النبوية تحولاً جذرياً في مسار الدعوة الإسلامية .

وأكد صبري في ختام حديثه أن المشروع الحضاري لا بد له من كيان سياسي يرعاه ويحميه وينتقل به من مرحلة الجهود الفردية إلى الجهود الجماعية المنظمة .

 

 

الهجرة التي أسست للوجود الإسلامي

 

من جانبه، قال الشيخ الدكتور محمد سليم خطيب المسجد الاقصى المبارك "إن الهجرة بالمفهوم العام هي حركة الإنسان عبر تاريخه الطويل، بهدف الوصول إلى المكان الذي يراه ملائماً لاحتياجاته المتنوعة."

وأضاف: "أما الهجرة بالمفهوم الديني الخاص، فهي حركة الرسل والأنبياء، عبر امتداد تاريخهم الدعوي، من أجل الوصول إلى المكان الآمن لتبليغ دعوتهم، ونشرها، وامتداها" .

وأضاف سليم: من هذا المنطلق يـأتي الحديث عن الهجرة النبوية، كونها هجرة آخر الرسل، وكونها الهجرة التي أسست للوجود الإسلامي، وامتداده عبر الزمن، وحتى يومنا هذا. 

وتابع: "نحن المسلمين نحتفل بها كل عام، لأنها صارت مفتتحا لتاريخنا المجيد، المليء بالانتصارات والفتوحات".

وذًكر أن هذه الهجرة لم تتوقف عند طموح النبي صلى الله عليه وسلم، أو عند أحلام الصحابة الكرام، الذين حملوا الدعوة معه، وهم نائمون على فراشهم، أو وهم يتواكلون على الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية التي تبشرهم بالفتوحات والانتصارات، بل قاموا وبذلوا جهدهم، وأوقاتهم، وأعمارهم، وأموالهم، في سبيل تحقيق هذه الهجرة وأهدافها، لأنها كانت المخرج الوحيد لهم من العبودية لغير الله تعالى.

 

هجرة ما نهى الله ورسوله عنه

 

وأضاف: إن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة معه، أخذوا  بالأسباب، ولم يتكلوا على وعود الله لهم بالنصر والتمكين في الأرض، وهذا أهم الدروس التي يجب على المسلمين أن يأخذوها من الهجرة النبوية، سواء الحكام أو المحكومين، أن ينهضوا جميعا لهجرة واقعهم المذل والمخزي، الذي جعلهم في ذيل قافلة الأمم، وتبعا لغيرهم.

ويرى الشيخ سليم أن على الأمة المسلمة، بمجموع أفرادها أن تجعل من أول هجرتها، أن تهجر ما نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه، فهذا هو أساس الهجرة التي يطمح لها المسلمون، والتي تؤسس للهجرة الكبرى، التي توصلهم إلى سدّة الحكم، ونشر الدعوة الإسلامية في ربوع الأرض، ليحل الأمن والسلام في الناس 

وقال: "وفي هذا المقام ، فإن هجرة المسلمين اليوم تختلف عن الهجرة النبوية، فالهجرة النبوية كانت الانتقال من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة ، لتأسيس نواة لدولة الإسلام. "

وختم الشيخ سليم حديثه بالقول "أما هجرة المسلمين اليوم فتتمثل في الثبات في بلادهم وأوطانهم، وهجرة كل الأسباب التي تحول بينهم وبين استقرارهم فيها واستقلالهم عليها، من غير تبعية لأمة من الأمم ".

 

 

نقطة تحول جوهرية في تاريخ الدعوة الإسلامية

 

بدوره، قال الدكتور حسن خاطر رئيس مركز القدس الدولي للدراسات "إنه لم تكن الهجرة النبوية مجرد انتقال من جغرافيا الى جغرافيا، إنما كانت نقطة تحول جوهرية في تاريخ الدعوة الإسلامية، وانتقال من مرحلة الضعف والاضطهاد الى مرحلة الحرية والاستقلال وبناء الدولة".

وأكد أن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع المسلمين الأوائل من مكة الى المدينة كانت إيذانا بزوال المعوقات الكبيرة التي كانت تضعها قريش في طريق الدعوة الإسلامية.

ويرى خاطر أن الهجرة كانت انطلاقة حقيقية نحو الدعوة الى الله ومسرحاً جديداً تتوفر فيه كل الظروف والإمكانيات لبناء الدولة الاسلامية الأولى في التاريخ حيث امتلك المسلمون بقيادة الرسول زمام أمورهم لأول مرة، وبدأوا بتأسيس كيانهم المستقل والتفرغ لمواجهة الذين اضطهدوهم وظلموهم وصادروا أموالهم. 

 وتابع: "إن الهجرة كشفت عن جوهر أخلاق الإسلام في المعاملات والسلوكيات، وفي المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وفي بناء الدولة، وإصلاح المجتمع ومواجهة الفقر والعادات الجاهلية التي كانت تهيمن على حياة الناس في المدينة ".

ولفت إلى أن المدينة كانت هي المسرح الذي ترجمت فيه تعاليم الدين الجديد، مما جعل من هذه الخطوة فرصة ذهبية لاظهار كل هذه الأخلاق والقيم الجديدة في صورة جميلة، لم يكن لها مثيل في التاريخ.

وختم خاطر حديثه بالقول: "بفضل ذلك تحولت (يثرب) إلى (المدينة المنورة)، فهي المدينة التي ذكرها الله سبحانه في القرآن، واستحقت هذا الاسم الجديد بما اكتسبته من جمال هذه القيم وتعاليم هذا الدين الحنيف".

 

اختيار التاريخ الهجري لم يكن عبثاً أو عشوائيَّاً

 

من جهته، استهل د. خالد أبو جمعة خطيب وإِمام المسجد الأقصى المبارك حديثه بالقول "الحمد لله ذي الفضل والإحسان، شرع لعباده هجرة القلوب، وهجرة الأبدان، وجعل هاتين الهجرتين باقيتين على مر الزمان، وليكن لنا في سيرة حبيبنا صلى الله عليه وسلم خير أسوة، وذلك بترسم خطاه والسير على نهجه والاقتداء به في أقواله وأفعاله وأخلاقه كما أمرنا الله عز وجلَّ، فقال سبحانه: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ).

وأضاف: "القارىُ لسيرته صلى الله عليه وسلم يجد أَنَّ اختيار التاريخ الهجري في عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة الخامسة عشر من الهجرة المباركة بداية لحركة التاريخ الإسلامي لم يكن عبثا أو عشوائيَّاً؛ بل أَخذت من المسلمين سجالاً وحواراً وأخذاً وردَّاً، حتى استقر الحوار بالاتفاق على اعتماد الهجرة بداية للتأريخ الإسلامي؛ مع أنَّها ليست بداية تاريخ الدعوة الإسلامية، ففي الهجرة عبر وعظات ومسوغات قادت النُّخبة الحاكمة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم إلى ما توصلت إليه باعتماد وإِقرار بدايته، ولم ينكر سائر الصحابة عليهم هذا الاتفاق فبلغ حد الإجماع.

وأكد د. أبو جمعة أنه لا بدَّ لنا اليوم أَنْ نقف على سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومواقفه المنيرة بقراءة جديدة تُواكب العصر بما فيه من زخم فكريٍّ، وثورة علميَّة وأنماط حيويَّة، ومُبرر ذلك أَنَّ دعوة الإسلام دعوة عالمية، تتَّصف بالشمولِيَّة التي تستوعب الحياة مكاناً وزماناً، وفكراً وسلوكاً، وعلماً وعملاً. نحنُ: إذ نقف اليوم على أعتاب حادثةٍ عظيمةٍ، تَظهر فيها الحِنْكَةُ الحكيمةُ، والسيرةُ المُستقيمةُ ، ألاَ وهي حادِثَةُ الهجرةِ.

 

الهجرة غَيَّرَتْ مجرى التاريخِ ونقلت الإنسانية إلى عالم مختلف

 

ويرى أبو جمعة أن الحادثة غَيَّرَتْ مجرى التاريخِ، ونقلتِ الإنسانية إلى عالم يَختلف عمَّا قبله، تسودُه مشاعرُ المودَّة، وتَنتشرُ بينَ جَنَبَاتِهِ فُيُوضَاتُ الرَّحمةِ، وتُشرِقُ مِنْ أذهانِ أفرادِه أنوارُ العلمِ والحكمةِ، فما أَحوجنا إلى تدبُّر معاني هذه الحادثةِ العظيمة، ودراسةِ دَلالاتِها والاستفادةِ مِنْ نفحاتِها. 

واعتبر الهجرة النبويَّة مدرسة فكريَّة وسلوكيَّة، وأَنَّ تجديد دراسة هذا الحدث الهام في تاريخ الأُمَّة من الضَّروريات، فعند وضع الحادثة تحت مِجْهَر التَّحليل، يُؤدي إلى الفهم الصَّحيح لهذا الدِّين، ورسالته للعالم، وبيان دوره في نشر الأمن والأمان والحياة الكريمة للنَّاس.

ويرى ان من دلالات الهجرة الشريفة، أَنَّها جمعت بين دفَّتَيْهَا ملامح المؤمن الصَّابِرِ، المُستَشْرف لوعد الله، المُتفائل بالغد، النَّاظر بعين الأمل إلى المستقبل بالرَّغم من صعوبة الموقف وشدَّته، وهذا واضح وصريح بقول الله سبحانه:( إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).

وأكد أن ما سرد قصص الهجرة ودراسة أَحداثها إلا من أَجل  الاعتبار والعظة، عملاً بقول الله عزوجلَّ : ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ)، فالاحتفال بها يشمل دلالاتها وأَهدافها من خلال تذكُّر الأحداث والتَّذكير بالعبر منها، من خلال التَّحليل والاستنباط.

وأشار الى أن من آثارها الإِيجابيَّة على المجتمع المدني، ما نتج عنها من تصالح النُّفُوس وتساميها، وعُلُوِّ القيم ورسوخها، فقد كان في هذا الحدث العظيم، زرع لقيم المحبَّة والتَّسامح والتَّاخي بين أَفراد المجتمع، وأَسَّست علاقات متينة بينهم، يحمكهم كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم .

ونوه أبو جمعة إلى ان الهجرة النبوية الشريفة، لها أبعادها، وأسرارها، ودروسها، بل ورسائلها للأمة جميعا، فهي تهدفُ إلى بناءِ أمةٍ على أساسِ الدين، وإلى بناءِ مجتمعٍ مُتماسك قوي، فيه الأخوة الصداقة الصافية والمحبة والألفة.

 

 

هجرة الرسول لم تكن للسياحة أو التجارة أو الجاه

 

وقال: الرسولُ صلى الله عليه وسلم لم يٌهاجر للسياحة والترفيه، أو للتِّجارة والغِنى، ولا للجاه والمنصب!!! بل هاجر عليه الصلاة والسلام إلى مكانٍ آمِنٍ للدعوة إلى الله عز وجل، لنشر هذا الدِّين، وبيانِ عدل الأسلام، ورحمته وسامحته.

وأضاف: لقد هاجر لِيُؤسس أُمَّةً منهجها العلم والعمل، هاجر لِيُوَّحد القلوب، ويصقل العقول، وَيُصَفِّي النُّفوس من شوائِها، كالحقد والحسد والغل.

وشدد ان على المسلمين والمسلمات أَنْ يُهاجروا من المعاصي والموبقات إلى الطاعة والتوبة، وأَن  نُعَزِّز  العلاقات بين الأُسرة الواحدة أَولاً، ومن حولنا ثانياً من الأهل والجيران الزُّملا.

وتساءل : هل نعيش فعلاً كلَّ معاني الهجرة ؟ وهل يستطيع الواحد مِنَّا أَنْ يَهْجر مصالحه وأَهواءه وأَطماعه في سبيل الخير والتَّوفيق بين النَّاس؟  وهل يستطيع الواحد مِنَّا أَنْ يَهْجر أَحقاده وحسده وكلَّ أَمراضه القلبية والرُّوحيَّة والأخلاقية؟ هل يستطيع الواحد مِنَّا أَنْ يَهْجر عبادة وَصَنَمِيَّةَ المناصب وحبِّ الظهور ؟   وأَخيراً هل يستطيع الواحد مِنَّا أَنْ يَهْجر عبادة المال وحبَّ الذَّات؟ 

وختم أبو جمعة بالقول إ"ِذاً لا بدَّ لنا من الهجرةِ !!  نهاجر من الفسادِ والفوضى والضّياع وغياب للمفَاهيم والقيم الدِّينِيّة الأَصْيلة إلى الصّبرِ والثّباتِ والتّقوى. وأَن نجعل من هذه الحادثة المباركة حديثاً في مجالسنا وبيوتنا مع أزواجنا وذرياتنا، ونأخذ العِبر والدروس منها."

 

 

نماذج مماثلة في التاريخ السحيق

 

من جانبه قال د. إيهاب حمزة خليل- الناصرة المختص في التربية الاسلامية انه "لم تكن هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة مجرد حدث تاريخيّ عاديّ، بل كانت نقلة عظيمة في تاريخ الإسلام وفي تاريخ البشرية على حدّ سواء."

وأضاف: "لعلّ أول وأهمّ الدّروس المستفادة من هذا الحدث العظيم أنّ الّذين حاولوا الحيلولة دون رسالةٍ يحملها مُصلحٌ إلى النّاس، وبذلوا كلّ وسيلة لوأد هذه الرسالة واجتثاثها من جذورها، وعملوا على إخراج حامل الرسالة من أرضه ومن وطنه، وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف في مواجهة دولة تحمل هذه الرسالة وتحميها بعد سنوات قليلة، ليجدوا حجم الخطأ، بل الخطيئة التي أوقعوا أنفسهم فيها كِبراً وعناداً وتغطرساً. وهذه من سنن الله في الكون، لا تتبدّل ولا تتغيّر، وهي قاعدة كونيّة تتكرّر مشاهدها بصور شتّى في كل زمان وفي كل مكان. "

وتابع: "في التاريخ السحيق مشاهد مماثلة من نموذج فرعون والنمرود وكسرى وقيصر وأمثالهم، كما أنّها قاعدة تنسحب على زماننا في محطات كثيرة من تاريخ الأمّة الحديث. والنّماذج كثيرة لا تُحصى. فالطاغوت يمكنه أن يبطش ويقمع ويقتل ويهجّر ويمارس كل أنواع الظلم، لكنّه في نهاية الأمر يجد نفسه عاجزاً مكبلاً أمام إرادة المظلوم وإصراره على حمل رسالته وانحيازه إلى معسكر الحق".

 وأكد د. خليل أنه حين نستقرئ العبر والدروس من هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم، تلك الهجرة التي غيرت مجرى التاريخ وكانت فاتحة الطريق إلى بناء أعظم حضارة عرفتها البشرية، نجد فيها قائمة طويلة تنبثق عنها قوائم جديدة كلما طال عليها الزمن.

 

محطة فارقة في معركة الصبر واليقين

 

وقال: إن الهجرة لم تكن مجرّد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت هجرة بالرسالة مِن بين مَن حاربوها بكل ما يملكون، إلى من فتحوا لها قلوبهم وبيوتهم، لنصل إلى المعنى الأكبر وهو أن الدّين كله لله عز وجل.

ثم هي محطة فارقة في معركة الصبر واليقين بأن الله قد أذن بالهجرة ليمكّن لهذا الدّين، ثم ليعود فاتحاً لبشائر الخير للإنسانية قبل أن يعود فاتحاً لبلد مثل مكة المكرمة. كما أنها عنوان أكبر لمعنى التوكل على الله تعالى والاعتصام بحبله المتين مهما كانت الظروف والابتلاءات والمحن والعقبات.

أضاف: هي إلى ذلك تحقيق لمعجزة ربانية: رجل أعزل لا يملك من عناصر القوة المادية شيئاً، يُخرج من وطنه، طاعة لربه وحفاظاً على رسالته، وفي قلبه يقين لا يداخله شك في أن الله سيمكن له.

وتابع: هي مدرسة لا شبيه لها في معنى الحب، الذي تمثل في حبه صلى لله عليه وسلم وتقديم التضحيات من أجل التمكين لرسالته التي جاء بها لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور. وإلى جانب ذلك، ومع التوكل على الله واليقين التام بنصره لدينه، لم يغب من مشهد الهجرة الأخذ بالأسباب من خلال حسن التخطيط ووضع الخطة المناسبة التي تسهم في نجاح الهجرة.

ويرى د. خليل أنه عند القراءة في دروس الهجرة فهي واحدة من أعظم الدروس ذات العلاقة بالفداء والإخلاص متمثلاً بأبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته. وهو بذلك يمثل رضي الله عنه نموذجاً للرجال الذين جعلوا من أجسادهم وأرواحهم دروعاً يدافعون بها عن الحقّ في مواجهة الباطل.

وختم د. خليل بالقول: "من الدلالات التي نقرأها في الهجرة النبويّة أننا نتعلم منها صناعة الأمل وسط الألم وخروج الخير من خلال ما يراه الناس شراً، وانبثاق الفجر المشرق من أشد ساعات الليل ظلمة."

 

الانفصال عن الولاءات الضيقة إلى الولاء لله وحده 

 

بدوره، تحدث الشيخ عمر الكسواتي مدير المسجد الأقصى المبارك عن الهجرة النبوية من حيث:

أولاً: معاني الهجرة النبوية: تأصيل دلالي وتربوي. وقال "لا يمكن فهم الهجرة النبوية بمعزل عن المعاني العميقة التي حملتها، فهي ليست مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة، بل هي تحول نوعي في الوعي والواقع، ارتكز على أبعاد عقدية، ونفسية، واجتماعية، وسياسية، تُسهم في بناء النموذج الإسلامي المتكامل."

وأضاف: "أول معاني الهجرة النبوية يتجلى في التحرر من قيد البيئة المعطلة للدعوة. فقد جاءت الهجرة استجابة لأمر إلهي يُهيّئ بيئة جديدة قابلة لاستيعاب الرسالة، فالنبي ﷺ لم يصرّ على المواجهة في بيئة مغلقة، بل هاجر بحثاً عن فضاء أوسع للحرية والتبليغ".

وأكد الشيخ الكسواني أن من معانيها أيضاً الانفصال عن الولاءات الضيقة إلى الولاء لله وحده. فقد هاجر الصحابة وتركوا الأهل والمال والوطن، تعبيراً عن أولوية العقيدة على الانتماء الجغرافي. وتتضمن الهجرة كذلك معنى البناء بعد التخلية.

وأشار إلى أن الهجرة الحقيقية تبدأ من هجرة القلوب عن الغفلة، والعقول عن التبعية، والمجتمعات عن الجمود.

ثانيا: دلالات الهجرة النبوية: قراءة في الأبعاد القرآنية والسننية.

وقال الشيخ الكسواني أن أول دلالة للهجرة هي التحرر من قيود الجغرافيا دون الانفصال عن الرسالة.

ثانياً، تُشير الهجرة إلى مركزية السنن في الفعل النبوي، حيث لم يعتمد النبي ﷺ على المعجزة، بل سلك طرق الحذر والتخطيط، وهو ما يؤكد خضوع النصر الإلهي لمقتضيات السنن الكونية، كما قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: 30]، أي ضمن نظام سببيّ محكم.

ومن دلالاتها كذلك تحوّل الإسلام من دين الأفراد إلى مشروع الأمة.

 

الربط بين التوكل والتخطيط

 

ومن الدروس المستفادة من الهجرة النبوية وفق الشيخ الكسواني: بناء الفرد والأمة على سنن التحول

وقال: إن أول هذه الدروس هو الربط بين التوكل والتخطيط؛ فقد كان النبي ﷺ يثق بوعد الله، لكنه اتخذ كل الأسباب: من إعداد الراحلة، وتحديد المسار غير المعتاد، واختيار مرافقين أمناء، كما في قصة عبد الله بن أريقط. وهذا يرسّخ قاعدة أن النجاح في مشاريع الأمة لا يقوم على التواكل، بل على الإدارة الواعية للأحداث.

ثانياً، الهجرة تعلّمنا فقه الأولويات والتدرج.

وأضاف: من الدروس كذلك، بناء العلاقات على أساس العقيدة لا العصبية، كما في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.

وأشار الشيخ الكسواني إلى العِبَر المستفادة من الهجرة النبوية. وقال: من أبرز العِبَر أن التمكين لا يُمنح إلا بعد الابتلاء، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا...﴾ [القصص: 5] ما يدلّ على أن الفرج لا يأتي إلا بعد استكمال شروطه النفسية والاجتماعية.

وتابع: من العبر كذلك أن التحوّلات الكبرى تبدأ بخطوات مدروسة. فالهجرة كانت حدثاً مرتباً بدقة. وتُظهر الهجرة عبرةً عميقة في الارتقاء بالانتماء من القومي إلى القيمي. 

وختم الشيخ الكسواني بالقول: إن الهجرة تُعلّمنا أن صراع الحق والباطل دائم، لكن الغلبة للثابتين الواعين، فالنبي ﷺ هاجر ليبني مشروعاً حضارياً ينمو في بيئة آمنة.

دلالات

شارك برأيك

الهجرة النبوية.. محطة فاصلة وبداية التمكين للإسلام والمسلمين

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.