أقلام وأراء

الخميس 19 يونيو 2025 10:20 صباحًا - بتوقيت القدس

ماذا لو ... ؟

منذ السابع من أكتوبر، تحول الحال في فلسطين من حالة "اللا-حرب واللا-سلم" المزمنة، إلى حرب إقليمية متدحرجة، شملت لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، ثم انتقلت، لأول مرة، إلى تبادل مباشر للنيران، بين تل أبيب وطهران. 

هذا الحدث لم يكن مجرد انفجار موضعي، بل لحظة زلزالية حطمت توازن الردع التقليدي، تل أبيب وجدت في ذلك فرصة، "أحسنت" استغلالها، فجندت الشرق والغرب خلف سردية مشوهة، وأوغلت - بدعمهم - في الدم الفلسطيني، فولدت مأساة إنسانية غير مسبوقة، وأعادت "رسم" خريطة التحالفات الإقليمية.

ويتيح السؤال "ماذا لو لم يحدث السابع من أكتوبر؟" فرصة لاستكشاف ذلك، وفرص "أهدرت" ومسارات "بديلة" أغلقت تماماً. 

إنسانياً، حصد العدوان نحو ستين ألف شهيد، جلهم من النساء والأطفال، وتهجير داخلي لمليوني فلسطيني، وثقت التقارير الدولية تجويعاً وقتلاً وإبادة ممنهجة، وتحولت المشافي إلى أشبه بثلاجات موتى، مع انقطاع الماء والكهرباء، ولو لم يكن، لكانت غزة تجنبت هذا الدمار، واستمر الحد الأدنى من الخدمات، تلك التي دمرت بنسب جاوزت 80%.

 اقتصادياً، كانت غزة تعيش بطالة تقارب 45%، ودخلاً فردياً من الأدنى عالمياً، وشبكات "إعاشة" دولية، وبرامج الغذاء، وفرص عمل محدودة في المستوطنات، ومشاريع كان يجري تدارسها، غير أن العدوان أوقف كل شيء، قفزت البطالة إلى قرابة 80%، وأغلقت المعابر، وشدّد الحصار، وتبخرت فرص أي نمو اقتصادي.

دبلوماسياً، قوض أكتوبر مسار التطبيع في المنطقة، بعد أن بلغ مراحل متقدمة، مع حوافز رمزية للفلسطينيين، كـ"تجميد" الاستيطان، جزئياً، ودور أمني "أوسع" للسلطة في بعض مناطق نفوذها، واستمرار ذلك، كان يرجح الوصول الى اتفاق-إطار، يعيد للسلطة هامش للمناورة، سياسياً ومالياً، ويضع حماس أمام خيارات؛ المصالحة أو "عزلة" إقليمية متزايدة.

 

إقليميا، دفع بانتقال المواجهة الى مرحلة الاشتباك المباشر، فكان قصف تل أبيب للقنصلية الإيرانية في دمشق، الذي اتبع بعملية "الوعد الصادق"، حيث مئات الصواريخ الإيرانية أطلقت باتجاه فلسطين المحتلة، ثم استهدفت تل أبيب منشآت نووية داخل إيران، وردت طهران بالصواريخ الباليستية والفرط-صوتية، في السيناريو البديل، كان الحال سيظل في إطار "حرب رمادية"، هجمات سيبرانية، شبكات تجسس، واغتيالات محدودة، لا تهدد بجر المنطقة والعالم الى أتون حرب مفتوحة، وكانت طهران ستحتفظ بحرية مناورة أكبر، واستمرار التخصيب دون ضربات استباقية. 

داخلياً، ولّد العدوان، والصمود الأسطوري، تعاطفاً شعبياً واسعاً مع المقاومة عموماً، وتركت السلطة بلا مشروع سياسي واضح، وانزلقت الى مسارات هي الأخطر داخلياً، حيث كان من الممكن تصور مسار مصالحة تدريجي، برعاية عربية-أميركة، مشروط بوحدانية السلطة والسلاح، وتمويل لخطط التنمية والإعمار.

 تل أبيب، من جهتها، خسرت بتصعيد الحرب استقرار "الردع الهادئ"، وطفرات التطبيع والاستثمار، وتكبد اقتصادها خسائر بمئات المليارات، بين كلفة الحرب، وهروب رؤوس الأموال، وتصدعت جبهتها الداخلية سياسياً واجتماعياً، لكنها بالمقابل، اخرجت "لاعبين" أساسيين من المشهد، وحصدت دعماً غربياً غير مسبوق، وحزم تسليح استثنائية.

 دولياً، أعاد - أكتوبر- القضية الفلسطينية الى الصدارة، حراك دبلوماسي، موجة تضامن عالمي، نقاشات إعلامية، محاكم دولية، وزخم لم يكن ليرتفع بالصوت ذاته، حيث كان مسار "السلام مقابل الأمن" ماضياً، لترسيخ وضع يهمش الحقوق الفلسطينية. 

حصيلة المقارنة تظهر وضعاً بدون السابع من أكتوبر، كان سينقذ عشرات آلاف الأرواح، ويحافظ على البنى التحتية، ويحفظ لكثير من دول العالم ماء وجهها، لتستمر بالتغني بالقيم الإنسانية، ويبقي باب التسويات الجزئية مفتوحاً، ويحول دون انزلاق نووي-إقليمي، إلا انه أيضاً، كان يحمل خسارة للفلسطينيين، ترسيخ لوضع قائم، يجمده دون حله، إذ تُبرم صفقات إقليمية من فوق رؤوسهم، ويُهمش ملفات مؤجلة لعقود، كالقدس واللاجئين، إلى أجل غير منظور، ويبقي غزة تحت الحصار، دون أفق سياسي، ويطيل أمد "سلام بارد" هش، سينفجر مستقبلاً، في ظروف أشد خطورة. 

الوضع الذي كان قائماً بالحد الأدنى من "العنف" قد يبدو خياراً مريحاً للأطراف القوية، لكنه يراكم مكامن الانفجار، غياب أكتوبر ربما كان سيؤخره، لكنه لا يضمن استقراراً دائماً، ما لم يُعالج جوهر المعضلة؛ إنهاء الاحتلال، وتوفير أفق سياسي للفلسطينيين، لذلك، سيظل "السيناريو البديل" حجة اضافية على ضرورة إحقاق الحقوق، قبل أن تدفع المنطقة ثمن "ماذا لو؟" جديدة، أشد كلفة، وأكثر دموية.

دلالات

شارك برأيك

ماذا لو ... ؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.