في غزة، لم تكن الحياة يوما ثمنا "رخيصا" كما هي اليوم، لكنها كثيرا ما كانت "تبادل" بلقمة خبز، هناك، أصبحت الطوابير مشهدا "عاديا"، والطحين رمزا للصمود، أكثر من كونه خبزا على المائدة، وهناك ايضا، "اعتاد" البعض ان يذهب الى ما سمي زورا بـ"مراكز المساعدات الانسانية"، مُسَلّما بانه قد لا يعود، لان الرصاصة التي تُسابقه الى كيس الطحين، كثيرا ما تسبقه، لكن الجديد اليوم، والمروّع، ان الموت لم يعد "مقابل" شيء؛ تزهق الأرواح دون ان يَصل الطحين، وانقلبت المعادلة، من "دم مقابل الخبز" الى "دماء بلا طحين".
منذ بدء العدوان والمجازر المفتوحة في غزة، لم تتوقف آلة القتل - المدعومة غربيا - عن استهداف المدنيين، حتى اثناء انتظارهم لما يسمى بالمساعدات، تلك التي يمكن وصفها باي شيء، إلا الإنسانية، فمشهد قوافل الجوعى الذين يُصوّب عليهم القناصة، لم يعد استثناء، بل بات سياسة ممنهجة، يمارس كـ"روتين يومي"، ويعكس إصرارا معلنا من القوة الغازية على استخدام التجويع كـ"سلاح حرب"، في انتهاك صارخ للقانون الدولي، الذي يُحرّم، ويُجرّم استخدام الحصار لتجويع المدنيين.
هذه السياسة ليست جديدة؛ فالتاريخ يعيد نفسه، ولكن بصورة أشد فظاعة، ففي حصار بيروت عام 1982، استخدم الاحتلال الضغط الانساني لتقويض المعنويات، حينها، فرض حصارا خانقا على بيروت الغربية خلال اجتياحه للبنان، مستهدفا مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية والمدنيين على حد سواء، استمر الحصار اكثر من شهرين، وترافق مع غارات جوية، وقصف مدفعي، لم يميز بين مقاتل وطفل، او بين مشفى ومخبز، وقطعت إمدادات الكهرباء والوقود والماء، ما خلق أزمة انسانية خانقة، لقد كان تجويع وقتل المدنيين وسيلة ضغط سياسي لإخضاع منظمة التحرير، وإجبارها على الخروج.
ما يربط بين بيروت الأمس وغزة اليوم، ليس فقط المشهد الدموي، بل النهج ذاته، فكما استخدم الحصار آنذاك لإجبار منظمة التحرير على مغادرة بيروت، يستخدم اليوم في غزة لإجبار فصائل المقاومة على الاستسلام والرحيل، لكن، في ذلك الوقت، كانت هناك دول - عربية وغربية - تلعب دور الطرف الثالث، ظاهريا على الأقل، وعملت على إخراج مقاتلي المنظمة بضمانات دولية، أما اليوم، فغزة محاصرة، تقاتل وحدها، في ظل صمت عربي ودولي مطبق، وكأن العالم قرر تركها تموت ببطء، ونحن شهود.
درس بيروت ذاك بقي عالقا في العقلية الغازية، ان لم يُهزم الفلسطيني بالسلاح، فليهزم بالجوع، واليوم، يعاد تطبيق الدرس ذاته في غزة، ولكن بشكل أشد سادية ودموية، وبموافقة دولية، ملعنة او ضمنية، تحت شعار ما يُسمى بحق "الدفاع عن النفس"، غير ان غزة اليوم، تنفرد بمشهديه حصرية، مشهد القتل المفتوح، حيث لا خيام آمنة، ولا مستشفيات، ولا خدمات، ولا حتى مساعدات تُسلّم - إن سُلمت - دون ان تتبعها مجازر، لقد أصبح الموت هدفا بحد ذاته، والمساعدات - ان وصلت - تُستخدم كـ "طُعم قاتل"، توضع لـ"جذب" الجوعى، قبل إعدامهم بدم بارد.
هذه ليست فقط جريمة حرب، بل جزء من مخطط أعد بليل، تفتقت عنها عقلية استعمارية تسعى لإفراغ غزة من أهلها، وهو مخطط لا يقوم فقط على التهجير بالقنابل، بل على استنزاف الفلسطينيين حتى يفقدوا القدرة على البقاء، وبينما تتجه الأنظار نحو التصعيد الإقليمي المرتبط بإيران، تمر جرائم الحرب في غزة من تحت الطاولة، دون حساب او مساءلة.
تحاول تل أبيب، دوما، أن تُسكت كل صوت إنساني بوحشية مدروسة، ساعية الى تكريس واقع جديد، تتوهم انه سيجعل الفلسطيني "يتمنى" الخروج من أرضه، لا البقاء فيها، حتى وان بقي بلا طحين، في سعيها الدؤوب لتحقيق مشروعها بصيغته الأخطر، القتل بلا مقاومة، والتهجير بلا ضجيج.
لكن التجربة الفلسطينية، من صبرا وشاتيلا الى مجازر غزة، أثبتت دوما ان هذه الأرض لا تُفرغ بسهولة، فالدم الفلسطيني، وإن نزف بلا طحين، سيبقى شاهدا على الجريمة، ودليلا على ان ارادة البقاء، قادرة على وأد مخططات التهجير والإبادة





شارك برأيك
دماء بلا طحين