أقلام وأراء

الثّلاثاء 17 يونيو 2025 9:25 صباحًا - بتوقيت القدس

اقتصاد مشلول وخطط تموت في مهدها

منذ ولادتها القيسرية تحت الاحتلال قبل ثلاثة عقود، لم تنجح السلطة الفلسطينية في بناء اقتصاد قابل للحياة، كل ما ورثناه كان اقتصاداً تابعاً، ومقيداً ببروتوكول باريس الاقتصادي، وخططاً تنموية مستنسخة، ومكررة، لا تكاد تصمد أمام أول اهتزاز سياسي، او حتى قرار إسرائيلي. 

فلا نكاد نخرج من أزمة، أو هكذا يبدو لنا - ظاهرياً على الأقل - حتى نقع في أزمة أشد وأعمق، ومع كل ذلك، لا تتجه السلطة نحو المراجعة او الإصلاح الحقيقي، بعيداً عن الخطب الإعلامية، بل تستمر في إنتاج خطط "الجاهزية"، وتكرار السيناريوهات الارتجالية، المصحوبة بتصريحات رخوة، بلا عضلات للتنفيذ، ما يجعل ما يجري ليس مواجهة للأزمات، بل إدارة للعجز، وترحيل "منظم" للمشكلات. 

أزمة المحروقات الأخيرة التي عصفت بالضفة الغربية خلال الأيام الماضية - ولا تزال - كشفت هشاشة البنية التحتية وانعدام الجاهزية، فلا وجود لمخزون استراتيجي، ولا سلسلة توريد يمكن التحكم بها، ولا خطة توزيع للطوارئ، ولا منظومة إمداد بديلة، فكثير من المحطات أغلقت كلياً، او جزئياً، ووجد المواطن نفسه يصطف في طوابير محروقات طويلة، تتزاحم فيها المركبات والبشر، في مشهد يجمع بين العجز والمهانة، فقد كان الغياب مزدوجاً، غياب الوقود وغياب الدولة معاً.

كل ما قيل سابقاً عن "الاستعداد"، ولجان الأزمات والطوارئ، او الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، او الامن الاقتصادي، تبخر في لحظات، فهل نتحدث هنا عن سيادة؟ عن جاهزية؟ ام عن وهم لا يستقيم امام اول ازمة؟ ورغم ان الضفة الغربية "تمتعت" – لعقود - بهامش من الحركة، والتمويل، والدعم الدولي، يفوق أضعاف ما حظي به القطاع المحاصر لعقدين، الا ان النتيجة ظاهرة للعيان، نموذج اقتصادي هش، تابع ومقيد، ويعتمد على التحويلات الخارجية والجباية، دون انتاج فعلي، او رؤية سيادية.

لم تنجح السلطة في استثمار تلك السنوات لإرساء مقومات اقتصاد مقاوم للصدمات، فبدلاً من بناء قاعدة انتاج محلية، جرى تضخيم القطاع العام ليصبح - في بعض جوانبه - عبئاً، او غير منتج، لذا يجري "التخلص" منه، وتحوّل التوظيف الى أداة لشراء الولاءات السياسية والمناطقية، فضلاً عن خلق سوق استهلاكية، ريعية، تعتمد على الاستيراد كلياً، في ظل غياب سياسات تشغيل وطنية، تركت القوى العاملة مكشوفة، ينهشها شبح البطالة، ويذبحها سيف الفقر، وجعلت من العمل داخل منظومة الاحتلال خيار "قهري"، وسخرت الطاقات "لخدمة" اقتصاد الاحتلال، وبناء مستوطنات، تبتلع الأرض، وتسرق المورد. 

ما يحدث اليوم ليس طارئا، فمنذ ازمة المقاصة المتواصلة منذ سنوات، الى يومنا هذا، يتكرر المشهد ذاته، فيكفي ان يحتجز الاحتلال ملايين الشواكل، حتى تدخل السلطة في حالة شلل، رواتب جزئية، وعجز مالي، وخطاب إنكاري، ووعود بانفراج قريب. 

لقد "نجح" الاحتلال في تصميم منظومة خنق مالي متكاملة، لا تتطلب أكثر من توقيع لإغلاق الضفة، وشل حركتها، وخنق اقتصادها خلال دقائق، دون إطلاق رصاصة واحدة، وان كان حاضراً دائماً، ليس بديلاً عن الهيمنة، بل امتداد لها. 

ما هو أخطر، ان السلطة لم تعد تمتلك ادوات الضغط او المناورة، فهي لم تؤسس اقتصادا موازيا، كما لم تحصن نظامها النقدي من الابتزاز، وهو ما كشفته ازمة تكدس الشيكل، ولم تنشئ قاعدة ضريبية عادلة، والأسوأ من ذلك، أنها فقدت - او كادت - ما تبقى من ثقة الشارع، وبات المواطن يدرك ان لا خطط على الطاولة، ولا سياسات اقتصادية فاعلة، بل مجرد انتظار لوعود بمساعدات مؤجلة، او مزيد من التكيف مع سياسات "الاذلال" والهيمنة. 

لم نعد فقط في أزمة، فذاك تسطيح للواقع، بل نحن امام مسار انهيار "ممنهج"، تتراكم فيه الأزمات، ويدار فيه العجز بالعجز ذاته، ولا مخرج منه بخطط ورقية، أو خطابات إعلامية، بل بمراجعة جذرية شجاعة، تبدأ بإعادة التفكير في النموذج الاقتصادي الكلي، والانفكاك عن كل ما يقيده، والانطلاق نحو بناء اقتصاد انتاجي مقاوم، ليس بهدف تكريس البيروقراطية والامتيازات، بل لحماية كرامة الفلسطيني، ووضع حد لاستخدام مؤسسات الدولة كغنيمة، لا كمشروع تحرري جامع

دلالات

شارك برأيك

اقتصاد مشلول وخطط تموت في مهدها

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.