نحن لا نعيش في لحظة صراع إقليمي عادي. نحن نكتب الآن من داخل هوّة مفتوحة على جحيم جديد، فُتحت أبوابها على اتساعها بعد أن قرّر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن يلعب دور "إسرافيل" لا لينفخ الحياة، بل لينفخ الموت.
كلّ شيءٍ تغير ليلة 13 حزيران. صارت الأرض تحتنا قابلة للاشتعال في أية لحظة، لا لأن طهران قرّرت الرد، بل لأن تل أبيب تحت قيادة نتنياهو صارت تؤمن أن الحروب هي فرص انتخابية، لا كوارث بشرية.
*********
نتنياهو... يحكم بالموت
الرجل الذي فقد شرعيته الأخلاقية، وانهارت سلطته السياسية أمام احتجاجات الداخل الإسرائيلي، عاد ليفعل ما يفعله منذ أكثر من عشرين عامًا: يفتعل حربًا.
من الجنوب اللبناني إلى غزة إلى دمشق إلى طهران، لا يرى نتنياهو شعبه إلا في ظلّ المعركة، ولا يرى مستقبله إلا عبر قصف الآخرين.
هو لا يريد أمن إسرائيل... بل يريد أمن كرسيه.
فـ"عملية أسد الصحراء" التي أطلقتها تل أبيب هذا الأسبوع، لم تكن ردًا بل كانت إعلانًا مبكرًا عن صراع يريد فيه نتنياهو أن يُحرق المنطقة، لينقذ نفسه من سيف المحاكمات، ومن شبح التهم التي تطارده في كل زاوية من النظام القضائي الإسرائيلي.
****
نتائج الضربات: خسارة استراتيجية رغم التفوق العسكري
صحيح أن إسرائيل استهدفت أكثر من 100 موقع في إيران، وقتلت قيادات عسكرية رفيعة، لكن الردّ الإيراني أتى مختلفًا هذه المرة.
إيران أطلقت المئات من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، في عملية "الوعد الصادق الثالث"، واستهدفت تل أبيب ومطار بن غوريون ومنشآت عسكرية.
أكثر من 30 قتيلًا إسرائيليًا، وعشرات الإصابات، ورعب حقيقي في الشوارع، رغم فعالية منظومات القبة الحديدية.
للمرة الأولى منذ 1973، بات الإسرائيلي يشعر أن بيته لم يعد محصّنًا. وأن دولته المدججة بالسلاح قد لا تملك الملجأ له ولأطفاله.
فهل هذه نتيجة "انتصار"؟
أم نتيجة جنون زعيم قرر أن يتفاوض مع العالم عبر جثث المدنيين؟
****
من سيدفع الثمن؟
كالعادة، العرب.
لبنان يعيش على أعصاب حرب شاملة، وغزة تشهد ضربات تحذيرية كل ليلة.
سوريا تنزف تحت نيران "رسائل جانبية"، واليمن تستعد لدور جديد في محور المقاومة.
أما الخليج، فيعيد حساباته خشية أن تمتد النار إلى مضيق هرمز.
ورغم كل ذلك، يظهر نتنياهو مبتسمًا، يحدّث العالم عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، ويغفل – عمدًا – حق الشعوب في الحياة.
*****
تهديد نووي حقيقي
ما لا يفهمه نتنياهو أن "العدو الإيراني" الذي يتحدث عنه كل يوم، ليس مجرد منشآت نووية.
بل هو دولة كاملة، بجيش وأمن وعمق استراتيجي، تتقن الحرب طويلة الأمد، ولا تخاف من الخسائر.
تهديد إيران بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي لم يكن تهويلاً، بل رسالة خطيرة: نحن على أعتاب سباق نووي جديد في الشرق الأوسط.
وفي ظل ضعف أمريكي واضح، وغياب دور أوروبي فعّال، وصمت روسي–صيني انتهازي، فإن الحرب القادمة قد لا تكون محدودة، بل وجودية.
****
من أجل الحياة... من أجل الشعوب
أنا لا أكتب هذا المقال دفاعًا عن دولة، ولا تأييدًا لمحور، بل دفاعًا عن إنسان.
إنسان في تل أبيب يخشى على أطفاله، وإنسان في طهران لا يجد كهرباء، وإنسان في غزة لم ينَم ليلة واحدة منذ بداية العام.
ما يرتكبه نتنياهو اليوم هو جريمة سياسية وأخلاقية، ستحصدها المنطقة لأجيال.
الرجل الذي احتقر السلام، وشرعن الاحتلال، وأهان القضاء، ودمّر الثقة بالدولة من الداخل، يريد الآن أن يحكم عبر حرب كبرى.
فهل نسمح له بذلك؟
هل نمنحه صك البراءة فقط لأنه يجيد التلاعب بالإعلام؟
لا.
لقد آن الأوان أن تُقال كلمة الحقيقة:
نتنياهو خطر على شعبه قبل أن يكون خطرًا على أعدائه.
وإذا لم يُلجم الآن، فإن الشرق كله سينفجر.
وسيأتي إسرافيل حقًا، لكن ليس لينفخ البوق... بل ليعلن نهاية حلمنا بالحياة





شارك برأيك
إسرائيل وإيران.. حين ينفخ نتنياهو في نار القيامة