كما كان متوقعاً، اندلعت شرارة المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب، بعد عقود من الصراع غير المعلن، والحروب بالوكالة، والضربات المتبادلة في الظل، لكنها هذه المرة ليست ضربة تكتيكية او رسالة ردع محدودة، بل انزلاق محسوب -أو متسرع- إلى اشتباك مفتوح يحمل مخاطر التصعيد الإقليمي الكبير.
قبل ذلك، شهدنا فصولاً من الخداع والتضليل الإعلامي، "برعت" فيها تل أبيب وواشنطن، تعددت الإشارات المتناقضة، تهديدات، تقارير استخبارية مسربة، رسائل طمأنه، دعوات للتهدئة، هدفت إلى تشويش الخصم وإرباك حساباته، بدا الأمر وكأنه مسرح، توزعت فيه الأدوار، واشنطن تتحدث بلغة الدبلوماسية، وتل أبيب تحضّر العصا، وبين التصعيد والتطمين، كانت تنسج خيوط المفاجأة، ليس فقط لإرباك إيران، بل أيضا لتحييد الرأي العام العالمي، وهي لعبة ليست بالجديدة، لكنها لعبت على حافة الهاوية، وكشفت عن قناعة متأصلة لدى صنّاع القرار هناك، بأن جزءاً من "النصر" يتحقق قبل أن يطلق أول الرصاص، من خلال إعادة تشكيل وعي الخصم والحلفاء في آن معاً.
وهنا يطرح سؤال مهم، هل استعجلت تل أبيب؟ هل وقعت في فخ رفع السقف دون تقدير العواقب؟ أم لا؟ خصوصاً حين يكون الطرف المقابل هو دولة بحجم إيران.
ما لا يمكن انكاره هو أن تل أبيب، رغم "تفوقها" التكنولوجي والاستخباراتي، تدرك جيداً انها لا تستطيع تدمير إيران كما فعلت في غزة، مادياً على الأقل، فإيران، ذات التسعين مليون نسمة، والتي تعادل أكثر من ستة آلاف ضعف مساحة غزة، ليست محاصرة، ولا معزولة، ولا محرومة من الموارد، بل هي دولة ذات عمق جغرافي، وموقع جيوسياسي حساس، واقتصاد متماسك رغم العقوبات، وتحالفات متشعبة، وتشرف على أحد أهم المضائق، الذي يعد شرياناً رئيسياً للنفط في العالم، كما أنها تملك ما هو أبعد من القوة العسكرية، أيديولوجيا، ومشروعاً، ورؤية استراتيجية طويلة النفس، وهي أمور تفتقر إليها كثير من الدول.
عندما تتوقف العمليات العسكرية، وهذا ما سيحدث عاجلاً أم آجلا، سيجلس الطرفان - بشكل مباشر أو عبر وسطاء - إلى طاولة الحسابات والمقايضات، وسيبدأ "البازار"، حيث لا تحسم النتائج فقط على الأرض، بل في توازن الردع، وفي المكاسب الاستراتيجية بعيدة المدى.
وهنا، إذا تمكنت إيران من اجتياز هذه الجولة دون أن يكسر نظامها السياسي، أو تضرب منشآتها النووية بضربة قاصمة - كما يبدو للآن - فإنها ستكون قد تجاوزت أخطر ما كانت "تخشاه"، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التعاطي الدولي معها، باعتبارها قوة لا يمكن تجاوزها، وإن استطاعت أن تواصل برنامجها النووي دون أن تردع فعلياً، فإنها تكون قد حققت نقلة استراتيجية، تقترب بها أكثر من العتبة النووية، ليس فقط فنياً، بل سياسياً ونفسياً أيضاً.
في المقابل، ستكون إسرائيل أمام تحد حقيقي في تبرير ما أنجزته عبر عدوانها، فهل أضعفت إيران فعلياً؟ هل كسرت مشروعها النووي؟ هل أزاحت الخطر؟ أسقطت نظامها السياسي؟ أم أنها فقط رفعت من منسوب التوتر دون أن تحقق "نصراً" حاسماً، وهو ما تعجز عن تحقيقه - حتى في غزة - بعد أكثر من عشرين شهراً من قتل النساء والأطفال؟ أم فتحت الباب أمام جبهات جديدة يصعب احتواؤها؟
لكن في حقيقة الأمر، فإن الأسئلة الأصعب لا تطرح على طهران او تل ابيب فقط، بل على الدول التي ظلت تراقب بصمت، تملك ترسانة هائلة من السلاح، وموارد طائلة، لكنها لا تملك مشروعاً حقيقياً يوصلها الى مرحلة الردع، او حتى المبادرة، وهي التي تمتلك كل متطلبات ذلك، أمة، ولغة، وتاريخ، وجغرافيا، وموارد، وفوق ذلك كله، عقول توزن بالذهب، فهل قدرنا أن نكون ملعباً للأمم؟ وساحة للفعل ورد الفعل؟
هذه الحرب، سواء استمرت أياماً أو أسابيع، لن تمر مرور الكرام، ستتوقف، لكن آثارها ستبقى لعقود، لأنها تعيد تشكيل معادلات القوة في المنطقة، ليست المسالة فيمن أطلق أولاً، بل فيمن سيخرج من هذه الجولة وقد غير قواعد اللعبة، وأثبت أن امتلاك أدوات الردع ليس حكراً على من يملك التفوق الجوي، او القنابل الذكية، بل على من يملك الإرادة، والرؤية، وجرأة اتخاذ القرار في اللحظة الفاصلة





شارك برأيك
الحرب التي بدأت قبل أن تبدأ