في اليوم الذي سلّمت فيه حركة حماس الأسير الأمريكي في خطوة بدت لأول وهلة كنافذة صغيرة تُفتح في جدار الحرب المسدود، تزامن الحدث مع تسريبات أمنية إسرائيلية تشير إلى مقتل محمد السنوار، الشقيق الأصغر لقائد الحركة في غزة يحيى السنوار، وأحد أبرز الأسماء في الجناح العسكري. لم يصدر عن الحركة تأكيد أو نفي، بل اختارت الصمت، وهو صمت ليس بريئًا في منطقة اعتادت على الصوت العالي والتصريحات النارية، بل ربما يكون مقدمة لمرحلة جديدة تُرسم بعيدًا عن الأضواء، في وقت يعيش فيه قطاع غزة انهيارًا شبه كامل على المستويين الإنساني والسياسي.
في هذا الفراغ الذي خلفته التسريبات، ظهر اسم عز الدين حداد كأحد أبرز الأسماء المطروحة لقيادة المرحلة المقبلة داخل القسام، وسط تداول حذر للمعلومة من دون إعلان رسمي. عز الدين حداد، القائد العسكري الذي لم يعرفه الناس إلا عبر هوامش التقارير الاستخباراتية وداخل الغرف المغلقة، ظل على مدى سنوات يعمل بصمت، بعيدًا عن واجهة الخطاب السياسي. يُقال إنه من الجيل الثاني داخل القسام، تلقّى تدريبه داخل غزة، وصعد ببطء وثبات في هيكل الحركة، خاصة في مجالات التصنيع والأنفاق، وكان مقربًا من مجموعة ضيقة تضم عقولًا تنظيمية ترى في الصبر والثبات أدوات بقاء أكثر من الشعارات الصاخبة. ما يُروى عنه في الأوساط المغلقة أنه رجل حذر وهادئ، لا يميل إلى الحماسة المفرطة، ويمتلك رؤية تقنية أكثر منها أيديولوجية، وهو ما يميّزه عن كثيرين ممن خاضوا المعارك من منطلقات عقائدية صرف.
لكن السؤال الأكبر الذي يطفو اليوم في الشارع الغزّي لا يدور حول الأسماء بقدر ما يتعلق بالمسار، فالسكان المنهكون من سنوات الحصار والحرب، لا ينتظرون قائدًا جديدًا بقدر ما يبحثون عن مخرج من جحيم الواقع، عن إمكانية حقيقية لتوقف القصف، لوصول الغذاء، لعودة الكهرباء، ولحياة تشبه الحياة. في ظل هذا المشهد، تبدو التوقعات من أي قيادة جديدة أكبر من قدرتها الفعلية على التغيير، إذ أن الصراع في غزة لا يُدار فقط من داخل غزة، بل من مراكز قرار إقليمية ودولية تتشابك فيها الحسابات والمصالح.
توقيت الحديث عن خليفة للسنوار يتقاطع أيضًا مع تصاعد الضغوط على حماس، من الخارج والداخل، ومع تزايد الأصوات التي تطالب بمراجعة شاملة لمسار الحركة وسلوكها السياسي، خاصة في ظل الخسائر البشرية الهائلة التي لحقت بالمدنيين، وتدهور الأوضاع الصحية والغذائية، ونزيف الهجرة الذي بات يعبّر عن نفسه بهدوء، عبر قوارب الموت أو طلبات اللجوء أو حتى بأحلام الخروج الصامتة التي تسكن رؤوس الشباب. وعليه فإن أي قائد مقبل لن يواجه فقط تحديات عسكرية أو أمنية، بل مسؤولية وجودية أمام شعب يتآكل تحت النار، ولا يملك رفاهية الانتظار.
إن كان عز الدين حداد هو من سيتولى زمام القيادة، فإن التحدي لا يكمن في إدارة المعركة فقط، بل في الخروج منها، لا باعتبار ذلك هزيمة بل إنقاذًا لروح المدينة التي لم تعد تحتمل مزيدًا من الدمار. قد يكون الرجل المناسب لتغيير النغمة وتعديل المسار وفتح ثغرة نحو اتفاق يوقف نزيف الدم، إن امتلك الرؤية والجرأة والغطاء. لكن غزة لم تعد تضع ثقتها في الأسماء، بقدر ما تتوق إلى أفعال ملموسة تنتشلها من الهاوية.





شارك برأيك
من محمد السنوار إلى عز الدين حداد: هل تتغيّر وجهة بوصلة حماس؟