في اللحظة التي يتقدم فيها "جائع" فلسطيني نحو منطقة "مساعدات" في غزة، لا يسعى لإلى رغيف خبز، بل يخطو نحو ساحة اختبار أخلاقي للعالم بأسره، وما بدا أنه طابور نجاة، تحوّل إلى "مسرح" للموت الجماعي. عشرات الشهداء سقطوا في مشهد بالغ القسوة، يُلخص - بالدم - كيف انقلبت الإغاثة الإنسانية، تلك القيمة العالمية، إلى أداة للإخضاع، ومن وعد بالحياة إلى وسيلة قتل، بطيئاً حيناً، وفورياً حيناً آخر، فما جرى لم يكن خللاً في التنفيذ، ولا ارتباكاً إدارياً، بل تجسيد فاضح لعقلية استعمارية تعرف تماماً ماذا تفعل، وماذا تريد تماماً.
صُممت هذه الآلية لا لتخفيف المعاناة، بل لإدارتها والتحكم بها؛ حيث تقف واشنطن وتل أبيب كمهندسَيْن واعيَن لمصيدة ممنهجة، خُطّط لها أن تفشل في إنقاذ الأرواح، "تنجح" في إذلالها.
الآلية التي حملت اسم "مؤسسة غزة الإنسانية"، قدمت كبديل للآليات العالمية، التي خبرها العالم لعقود، وكأداة لتوزيع "المساعدات الغذائية" في قطاع محاصر مُجّوع بالكامل، لكنها، في حقيقتها، ليست سوى غطاء "مدني" لعملية إخضاع سياسي، تُدار بعناية، لا تخضع لاي إشراف أممي، وتُنفذ في مناطق "عازلة"، تُحددها خرائط عسكرية، تجعل ما يحدث فصلاً متعمداً بين الفعل الإنساني والبعد القانوني، فبدلاً من أن تُوزع المساعدات عبر مؤسسات محايدة، يُزج بها في فضاء أمني محكوم بمنظومة احتلالية او متساوقة معها.
تحولت المساعدات من وسيلة للنجاة الى منصة للاختبار السياسي؛ فيختبر الفلسطيني في كرامته، وجوعه، وقابليته للانضباط، فالتجمعات البشرية التي تتشكل عند نقاط التوزيع تُعامل كـ "مخاطر أمنية"، لا كحشود مدنية منهكة، وفي هذا الإطار، تصبح الطوابير مشاهد لـ "إدارة أزمة"، لا مؤشراً على الفشل، ويُنظر إلى الجياع كـ "مجرمين" محتملين، ما يفتح المجال لـ "رد" إسرائيلي بمجرد أن تزدحم الصورة.
الولايات المتحدة، في رعايتها لهذه الآلية، لا تقدم حلاً، بل تُعيد إنتاج أدوات السيطرة القديمة تحت مظلة "العمل الإنساني"، وتكمن خطورة هذه المقاربة في أنها تُسوّق في الإعلام الغربي بوصفها شكلاً من أشكال المسؤولية "الأخلاقية" تجاه المُجوّعين والوضع في غزة عموماً، لكنها، على أرض الواقع، تُحكم الحصار بدلاً من تحدي أسبابه، فهي مقاربة لا ترى الفلسطيني كصاحب حق، بل كـ "كائن" قابل للإدارة، يجب أن يُقاد، لا أن يُحترم.
مجزرة الأمس وما سبقتها ليست مجرد حوادث، بل نتيجة لتغييب الفاعلين الإنسانيين الحقيقيين، وتجاهل النداءات الإنسانية المتكررة بضرورة فتح المعابر، وعدم الاكتفاء بمشاريع مسرحية كالرصيف العائم، أو توزيع المساعدات عبر شركات أمنية.
ويمكن قراءة هذه الآلية كمثال صارخ على "العنف الإنساني"؛ أي الجانب المظلم للعمل الإنساني، بل هو فعل صُمم خصيصاً لتجميل وجه الاحتلال، من خلال استخدام مفاهيم الإنسانية، والرحمة، والتضامن كأدوات لإدامة السيطرة، وحَرف الأنظار بعيداً عن الأسباب الجذرية للمأساة: الاحتلال.
نحن أمام "هندسة" للتجويع وإدامته؛ فبدلاً من معالجته والنظر إليه كجريمة، يتم "تجميله" وتحويله الى مشهد يومي تُدار له الكاميرات، وتُنسج حوله رواية إعلامية "مشبعة" بالإنسانية والتعاطف المُصطنع، فالشهداء – بالأمس - لم يسقطوا نتيجة إطلاق نار فقط، بل بفعل قرار سياسي، وغطاء إعلامي، ومنظومة صمت دولي، هي نتاج نظام عالمي يقبل أن يُمنح الفلسطيني كيساً من الطحين، مشروطاً بـ "الإذلال"، وأن يُقتل إذا طالب بحقه في الكرامة والعيش الآمن.
السبيل الوحيد للخروج من هذا العبث، ليس بمزيد من الآليات الطارئة، بل بالاعتراف بجوهر القضية، وبأن غزة ليست ساحة لكارثة طبيعية، بل مسرح لجريمة مستمرة، وواجب العالم - لا سيما من يملك القرار، فضلاً عن السلاح والغذاء - ليس توزيع الفُتات، بل وقف الجريمة فوراً، ومحاسبة الجناة.





شارك برأيك
الخبز مقابل الدم ...