د. أحمد رفيق عوض: مقارنة الطفلة ورد بصورة "فتاة النابالم" ليست ممكنة أو عادلة لاختلاف الظروف السياسية والمجتمعية والتاريخية
داود كُتَّاب: الوضع في فلسطين أكثر تعقيداً بسبب سيطرة إسرائيل على الرواية الإعلامية وهذا قلل القدرة على رؤية الحقيقة الكاملة
نبهان خريشة: الصورتان رغم اختلافهما الزمني والجغرافي تكشفان بشاعة الحروب وتأثيرها المدمر على الأبرياء مع تباين حاد في ردود الفعل الدولية
د. إيريني سعيد: الحل الوحيد الممكن ليس مقترح ويتكوف بل عقد قمة عربية لصياغة رؤية موحدة لمعالجة ما يجري بغزة
مهند عبد الحميد: الجريمتان رغم اختلافهما الزمني تتشابهان في استهداف براءة الأطفال والقتلة الذين ينتمون لقوى تتجاهل القيم الإنسانية
تتجدد المأساة الإنسانية في صورة الطفلة الفلسطينية ورد الشيخ خليل، المعروفة بـ"طفلة النار"، التي نجت من غارة إسرائيلية على مدرسة فهمي الجرجاوي في حي الدرج بمدينة غزة بعدما استشهد وأصيب جميع أفراد عائلتها، لتعيد إلى الأذهان صورة الطفلة الفيتنامية فان ثي فوك، "فتاة النابالم"، التي التقطت صورتها عام 1972 وهي تفر عارية من قريتها بعد قصف بالنابالم، وكانت سبباً بتوقف الحرب.
يقول كتاب ومحللون سياسيون في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن الصورتين، رغم الفارق الزمني، تجسدان بشاعة الحروب واستهداف الأطفال الأبرياء، لكنهما تكشفان عن تباين صارخ في ردود الفعل الدولية، حيث ساهمت صورة فوك في تعبئة الرأي العام العالمي ضد حرب فيتنام، بينما تمر صورة ورد دون أن تحرك إرادة سياسية كافية لوقف المحرقة وحرب الإبادة عن غزة.
ويوضحون أنه في سياق حرب فيتنام، جاءت صورة "فتاة النابالم" في لحظة كان الرأي العام الأمريكي غارقاً في الاستياء من حرب مكلفة بشرياً واقتصادياً، مدعومة بحركات تحرر عالمية وقوى اشتراكية، وتلك الصورة، إلى جانب تحقيقات صحفية شجاعة مثل تقرير مجزرة "ماي لاي"، أشعلت ضغوطاً شعبية وسياسية أجبرت الولايات المتحدة على سحب قواتها تدريجياً.
أما في غزة، بحسب الكتاب والمحللين، فإن الصور المروعة للأطفال الشهداء والمصابين، بما في ذلك الصورة التي انتشرت لورد وهي بين النيران، تنتشر لحظياً عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لكنها تواجه جداراً من الصمت الدولي، حيث تتمتع إسرائيل بدعم غربي قوي، خاصة من الولايات المتحدة، التي تكتفي بالتنديد الخجول دون ضغط حقيقي لوقف الإبادة.
ويقولون إن غياب أقطاب عالمية داعمة للفلسطينيين، إلى جانب سيطرة إسرائيل على الرواية الإعلامية من خلال منع الصحفيين الأجانب من دخول غزة وقتل العشرات منهم، يحد من تأثير الصور المروعة.
ورغم تأكيدهم أن الضمير العالمي استيقظ جزئياً بفضل حراكات شعبية وتضامن عالمي. لكن الكتاب والمحللين يرون أن غياب ضغط دولي فعال، إلى جانب الدعم المستمر لإسرائيل، يطيل أمد المعاناة في غزة، تاركاً أطفالاً مثل ورد ضحايا حرب لا ترحم.
مقارنة غير عادلة بين ورد و"فتاة النابالم"
ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن المقارنة بين صورة "فتاة النابالم" الفيتنامية الشهيرة، التي ساهمت في إنهاء حرب فيتنام، وبين صورة الناجية الفلسطينية ورد من غزة، ليست ممكنة أو عادلة بسبب اختلاف الظروف السياسية، والمجتمعية، والتاريخية بين الحالتين.
ويوضح عوض أن صورة "فتاة النابالم" التي التقطت خلال حرب فيتنام، جاءت في لحظة كان فيها الرأي العام الأميركي قد وصل إلى ذروة غضبه من استمرار الحرب، التي استمرت لعقد كامل وكلفت الولايات المتحدة آلاف القتلى، وأعباء اقتصادية هائلة، في ظل أجواء الحرب الباردة والمواجهة غير المباشرة بينها وبين الاتحاد السوفيتي والصين.
ويرى عوض أن "تلك الصورة لم تكن هي السبب الرئيسي في وقف الحرب، بل كانت نتيجة لحالة عامة من الاستياء الشعبي الأميركي من عبثية الحرب، وفشلها في تحقيق أهدافها، إضافة إلى أن الثوار الفيتناميين كانوا يتلقون دعماً عسكرياً ولوجستياً من قوى عظمى كالاتحاد السوفيتي والصين، ما جعل من استمرارية الحرب خيارًا غير عملي".
حرب فيتنام أوقفتها معطيات استراتيجية كبيرة
ويشير عوض إلى أن وقف إطلاق النار في فيتنام تم بعد عام من التقاط صورة الفتاة، موضحًا أن "تلك الصورة كانت مجرد واحدة من عوامل الضغط، لكن القرار بوقف الحرب استند إلى معطيات استراتيجية أكبر بكثير من مجرد التأثر بالصورة".
وعند مقارنته بحالة غزة وصورة الفتاة الفلسطينية الناجية ورد، يؤكد عوض أن "الواقع مختلف تماماً"، قائلاً: "المجتمع الإسرائيلي يتجه أكثر فأكثر نحو التطرف، وتغلب عليه أفكار توراتية حاخامية تعتبر الحرب أبدية ووجودية، بين عقيدتين وجمهورين".
ويتابع عوض: "الحرب على الفلسطينيين ليست مكلفة لإسرائيل كما كانت حرب فيتنام مكلفة للأميركيين، فالجمهور الإسرائيلي مقتنع بأن هذه الأرض هي (أرض الميعاد)، وبالتالي فإن وقف الحرب بالنسبة لهم يعني تقديم تنازلات جوهرية، وهو ما لا يريدونه".
ويبيّن عوض أن إسرائيل لا تتعرض لأي ضغوط دولية حقيقية لإنهاء الحرب، كما لم تتشكل أقطاب عالمية داعمة للفلسطينيين بشكل مؤثر، مؤكداً أن "صور المجازر والانتهاكات، رغم قسوتها وصدمتها، لم تؤد إلى وقف العدوان، بل حصلت إسرائيل على دعم أكبر من بعض الجهات".
ويشير عوض إلى أن المسألة ليست متعلقة بـ"الضمير العالمي" كما يُروَّج، فالدافع وراء الحراك الأوروبي الأخير ليس إنسانيًا خالصًا، بل يرتبط بمصالح أمنية وسياسية، مثل الحفاظ على السلم الاجتماعي، وخوف بعض الدول من موجات هجرة غير شرعية وعنف محتمل، في حال استمرار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.
مقترح ويتكوف غامض ومليء بالتفاصيل
ويوضح عوض أن "وجود جاليات إسلامية كبيرة في عدد من الدول الأوروبية خلق ضغطًا شعبيًا على الحكومات، ودفعها لاتخاذ مواقف متقدمة نوعًا ما، لكنها لا تزال غير كافية للتأثير الحقيقي"، مشددًا على أهمية "تحول هذا الحراك إلى لوبيات منظمة وأحزاب فاعلة تستطيع الضغط على صناع القرار الأوروبي والأميركي".
وفيما يتعلق بالمقترح الأميركي الأخير الذي طرحه المبعوث ستيف ويتكوف، يصف عوض المقترح بأنه "غامض ومليء بالتفاصيل الغامضة التي قد تُفشل أي اتفاق"، مشيرًا إلى أن إسرائيل تدّعي الموافقة على مقترح غير الذي وافقت عليه حماس، ما يعكس وجود خلاف جذري في تفسير بنود المقترح.
ويؤكد عوض أنه لا يوجد حتى اللحظة وضوح بشأن البنود الأساسية للمقترح، مثل: هل هناك وقف دائم لإطلاق النار؟ هل هناك انسحابات إسرائيلية؟ وهل سيتم إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة أم على مراحل؟ معلقًا: "الشيطان يسكن في التفاصيل، وكثافة الغموض تدفع للتشكيك في جدية المبادرة".
ويؤكد عوض أن "ما تتعرض له غزة اليوم ليس مجرد حرب، بل إبادة جماعية حقيقية وتطهير عرقي منظم"، معربًا عن أمله في أن تتوصل الأطراف إلى اتفاق شامل يوقف نزيف الدم الفلسطيني ويحمي ما تبقى من الكرامة والوجود الفلسطيني في قطاع غزة.
تشابه مؤلم بين "طفلة النار" و"طفلة النابالم"
من جانبه، يقول الكاتب والمحلل السياسي داود كُتَّاب إن هناك وجهاً من التشابه المؤلم بين معاناة الطفلة الفلسطينية ورد الشيخ خليل، المعروفة بـ"طفلة النار"، والطفلة الفيتنامية فان تي كيم، التي اشتهرت بصورة "طفلة النابالم" خلال حرب فيتنام.
ويوضح كُتَّاب أن بشاعة الحربين تتشارك في تأثيرها المدمر، مشدداً على الدور الحاسم الذي يلعبه الإعلام في كشف هذه الفظائع وتحريك الضمير العالمي.
ويشير كُتَّاب إلى أن صورة طفلة النابالم في فيتنام، التي التقطت عام 1972، ساهمت بشكل كبير في الضغط الشعبي داخل الولايات المتحدة، مما أجبر الحكومة الأمريكية على وقف الحرب بعد سنوات من الحرب.
وفي المقابل، يرى كُتَّاب أن الوضع في فلسطين أكثر تعقيداً بسبب سيطرة إسرائيل على الرواية الإعلامية، حيث منعت دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة وقتلت أكثر من 200 صحفي، وفقاً لإحصاءات حقوقية، ما قلل من قدرة العالم على رؤية الحقيقة الكاملة للأحداث.
ويتكوف مجرد "ساعي بريد"
ويؤكد كُتَّاب أن الإعلام بدأ مؤخراً بتكثيف تغطيته للأوضاع في غزة، مع زيادة في مدة التقارير ونوعيتها، مما ساهم في تعرية الرواية الإسرائيلية التي طالما بررت المجازر.
ومع ذلك، يرى كُتَّاب أن التحرك الإسرائيلي الداخلي لوقف الحرب لا ينبع من تضامن حقيقي مع الفلسطينيين، بل من قناعة المجتمع الإسرائيلي بأن إطلاق سراح الأسرى مرهون بإنهاء الحرب.
وينتقد كُتَّاب بشدة موقف المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، واصفاً إياه بـ"ساعي البريد" الذي ينقل الرسائل دون ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لوقف الحرب، رغم أن الولايات المتحدة تملك القدرة على تغيير مسار الحرب.
ويعبر كُتَّاب عن أمله في استمرار الصحوة الإعلامية والسياسية العالمية، التي بدأت تكشف "عمق الكذب الإسرائيلي"، مؤكداً أن استمرار هذا الزخم قد يؤدي إلى تغيير جذري في التعاطي مع القضية الفلسطينية.
صورة ورد لم تترجم إلى تحرك فعلي من المجتمع الدولي
بدوره، يعيد الكاتب الصحفي نبهان خريشة مقارنة مأساوية بين الطفلة الفلسطينية ورد الشيخ خليل، التي أُطلق عليها لقب "طفلة النار" بعد نجاتها من غارة إسرائيلية في قطاع غزة تركت قدميها محترقتين بالكامل، والطفلة الفيتنامية فا تي كيم فوك، التي اشتهرت بصورة "طفلة النابالم" عام 1972، حين التقط المصور نِك أوت لقطة لها وهي تفر عارية من قريتها بعد قصف أمريكي بالنابالم.
ويرى خريشة أن هاتين الصورتين، رغم اختلافهما الزمني والجغرافي، تكشفان عن بشاعة الحروب وتأثيرها المدمر على الأبرياء، لكنه يشير إلى تباين حاد في ردود الفعل الدولية تجاههما.
ويوضح خريشة أن صورة الطفلة ورد، التي انتشرت وهي تمشي على أطرافها المحترقة باحثة عن النجاة وسط الركام، أثارت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، لكنها لم تترجم إلى تحرك فعلي من المجتمع الدولي، وفي المقابل، كانت صورة فا تي كيم فوك نقطة تحول تاريخية، إذ أشعلت موجة غضب عالمية، خاصة في الولايات المتحدة، دفعت إلى ضغوط سياسية متصاعدة أجبرت الإدارة الأمريكية على البدء بسحب قواتها تدريجياً، لتنتهي حرب فيتنام بعد سنوات من الحرب.
ويطرح خريشة تساؤلاً ملحاً: لماذا فشلت صورة ورد في تحقيق تأثير مماثل؟ هل تغيرت طبيعة الإعلام، أم أن ميزان القوى السياسية العالمية هو الذي تحكم بردود الفعل؟
سياقات جيوسياسية معقدة في فلسطين
ويشير خريشة إلى أن الفارق بين الحالتين لا يكمن فقط في المأساة الإنسانية، بل في كيفية تفاعل العالم مع الضحايا، حيث أنه في حرب فيتنام، تحولت صورة طفلة النابالم إلى رمز عالمي للوحشية، ساهم في تغيير الرأي العام ودفع الحكومات إلى اتخاذ قرارات حاسمة، أما في غزة، فإن الصور المروعة للأطفال المصابين والمقتولين، بما في ذلك ورد، توثق الانتهاكات الإسرائيلية، لكنها لا تؤدي إلى تغيير جوهري في مسار الحرب أو وقف القصف.
ويعزو خريشة هذا الفارق إلى السياقات الجيوسياسية المعقدة، حيث تتمتع إسرائيل بدعم غربي قوي، خاصة من الولايات المتحدة، التي تكتفي بالتنديد الخجول أو الانحياز الصريح بدلاً من ممارسة ضغط حقيقي لإنهاء العدوان.
وفي سياق متصل، يدعو خريشة إلى تحرك أكثر جدية من الدول العربية، مؤكداً أن بيانات الشجب وحدها لا تكفي، مطالباً بتفعيل الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية في المحافل الدولية، مثل مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، للضغط على إسرائيل لوقف "المحرقة" التي تلتهم غزة.
كارثة إنسانية غير مسبوقة في غزة
ويشير خريشة إلى أن الصور القادمة من قطاع غزة تكشف كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث يدمر العدوان الإسرائيلي البشر والحجر، ويهدد مقومات الحياة في القطاع المنكوب.
ويتطرق خريشة إلى "ورقة ويتكوف"، المبادرة الأمريكية التي تهدف إلى وقف إطلاق نار مرحلي، وتبادل الأسرى، وإعادة إعمار غزة، موضحاً أن حركة حماس أبدت انفتاحاً على المقترح، لكنها تشترط وقفاً شاملاً للحرب كشرط أساسي، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي الذي لا يميز بين مدني ومقاتل.
ويشير خريشة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراوغ ويعرقل التهدئة لإرضاء التيارات المتطرفة في حكومته وحفاظاً على استقرار ائتلافه الحاكم المتأرجح.
ويعتقد خريشة أن استمرار الحرب في غزة يتوقف على إرادة المجتمع الدولي، الذي يجب أن يمارس ضغطاً حقيقياً على إسرائيل لإنهاء العدوان.
ويتساءل خريشة بأسى: "متى تصبح حياة الأطفال الفلسطينيين مساوية في القيمة لتلك التي أوقفت حرباً قبل أكثر من خمسين عاماً؟"، محذراً من أن الصمت الدولي قد يؤدي إلى محو ما تبقى من غزة إن لم يصحُ الضمير العالمي قريباً.
تشابه لافت بين غزة وفيتنام خاصة الإبادة الجماعية
من جهتها، ترى الأكاديمية والمحللة السياسية المصرية د. إيريني سعيد أن الحرب على غزة تتشابه بشكل لافت مع حرب فيتنام، خاصة في سياسات الإبادة الجماعية التي تستهدف المدنيين قبل المقاتلين، بهدف القضاء على المقاومة.
وتوضح سعيد أن حرب فيتنام اندلعت على خلفية أيديولوجية غربية لمواجهة الشيوعية وصد النفوذ السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، تجد صدى مماثلاً في الفكر الصهيوني الذي يدفع إسرائيل نحو إقامة مشروعها الاستيطاني عبر طمس الهوية الفلسطينية.
وتشير سعيد إلى أن إسرائيل تسعى لمحو الهوية العربية ليس فقط في غزة، بل أيضاً في الضفة الغربية بما فيها القدس، من خلال فرض الصبغة اليهودية على المقدسات الإسلامية والمسيحية.
وتؤكد سعيد أن اقتحامات اليمين المتطرف للمسجد الأقصى تمثل استفزازاً متعمداً لمشاعر المسلمين والعرب، مما يغذي تصاعد وتيرة الحرب، التي كانت أحد أسباب اندلاع عملية "طوفان الأقصى" في أكتوبر 2023.
وتوضح سعيد أن هذه السياسات تعكس رؤية إسرائيلية تهدف إلى القضاء على كل ما هو فلسطيني.
وتشير سعيد إلى أن الحروب، سواء في غزة أو فيتنام، تتشابه في غياب التكافؤ بين الأطراف المتحاربة، سواء من حيث القدرات العسكرية واللوجستية أو القدرة على حشد الدعم السياسي والدبلوماسي.
حجم الإبادة في غزة أصبح لا يحتمل
وتشير سعيد إلى أن حجم الدمار المادي والإنساني في غزة، خاصة على الأطفال والنساء، يتسبب في تدمير نفسي وجسدي هائل، ويظل مستمراً دون توقف، وهو ما يتشابه في كثير من الحروب، لكن في غزة حجم الإبادة أصبح كبيراً لا يحتمل.
وتؤكد سعيد أن تعقيدات المشهد السياسي تجعل من الصعب تحقيق أي تقدم نحو إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل أكتوبر 2023.
وتشدد سعيد على أن الحل الوحيد الممكن ليس مقترح المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، إنما يكمن في عقد قمة عربية مستمرة، تستند إلى الجهود المصرية ودعم الأشقاء العرب، لصياغة رؤية موحدة تشمل تحركات دبلوماسية لمعالجة ما يجري في قطاع غزة ولإدخال المساعدات الإنسانية وممارسة ضغوط على الغرب لدفع الحلول السياسية، مشيدة بجهود مصر في قيادة تحركات عربية ساهمت في تدويل القضية الفلسطينية، مما أوجد توازناً نسبياً في مواجهة الدعم الغربي لإسرائيل.
وتؤكد سعيد أن غياب هذا التحرك الجماعي سيطيل أمد المعاناة في غزة، داعية إلى تكثيف الجهود العربية لمواجهة السياسات الإسرائيلية ووقف الإبادة الجماعية.
زمن صعود حركات التحرر المناهضة للاستعمار
ويقدم الكاتب الصحفي مهند عبد الحميد مقارنة مؤثرة بين الطفلة الفلسطينية ورد الشيخ خليل، المعروفة بـ"طفلة النار"، والطفلة الفيتنامية فان ثي فوك، "طفلة النابالم"، مؤكداً أن كلتيهما ضحيتا جرائم حرب فظيعة تكشف قسوة غطرسة القوة التي تتجاهل حياة الأطفال، قوانين الحروب، وأبسط حقوق الإنسان.
ويرى عبد الحميد أن الجريمتين، رغم اختلافهما الزمني، تتشابهان في استهداف براءة الأطفال وفي طبيعة القتلة الذين ينتمون إلى قوى تتجاهل القيم الإنسانية.
ويوضح عبد الحميد أن جريمة فان ثي فوك، التي وثّقت عام 1972 خلال حرب فيتنام، حدثت في زمن صعود حركات التحرر المناهضة للاستعمار، مدعومة بحضور قوى ديمقراطية وتقدمية داخل الدول المستعمرة وتأييد المنظومة الاشتراكية، وفي ذلك الوقت، استغرق كشف جرائم مثل مجزرة "ماي لاي"، التي راح ضحيتها 504 من المدنيين الفيتناميين، وقتاً طويلاً بسبب محدودية الإعلام.
دور الأمريكي الصحفي سيمور هيرش
ويشير عبد الحميد إلى أن تحقيق الصحفي الأمريكي سيمور هيرش حول المجزرة، الذي نُشر في مجلة "لايف" الأمريكية، تطلب جهوداً شجاعة من صحفيين داخل البلدان الاستعمارية، لكنه لعب دوراً حاسماً في تعبئة الرأي العام الأمريكي ضد الحرب، مما ساهم في إنهائها.
في المقابل، يؤكد عبد الحميد أن حرب الإبادة في غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية تُنقل مباشرة على مدار الساعة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ويشاهد العالم لحظة بلحظة جرائم القتل، التدمير، والتهجير، وصور الأطفال الجائعين المحتشدين حول قدور الطعام، يحملون أوانيهم آملين في مغرفة واحدة، ليعود الكثيرون خاليي الوفاض، معالم البؤس والقهر في أعينهم.
ويستشهد عبد الحميد بمشاهد مروعة مثل فاجعة الطبيبة آلاء النجار التي فقدت أبناءها التسعة في غارة إسرائيلية، ومئات الأمهات وهن يودعن أطفالهن ضحايا الحرب، بالإضافة إلى الطفلتين هند رجب وورد الشيخ خليل، اللتين أصبحتا رمزاً لمعاناة الأطفال الفلسطينيين.
ويؤكد عبد الحميد أن الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية لا تعوزها المعرفة بفصول حرب الإبادة، وخطط التهجير الإسرائيلية، أو حصاد التجويع.
نصفا العالم المتوحش.. والعاجز
ويصف عبد الحميد العالم اليوم بأنه منقسم إلى عالمين: الأول هو النظام الدولي الذي تهيمن عليه إدارات مثل إدارة ترامب، التي تدعم مشاريع تهجير غزة وتحويلها إلى "ريفيرا سياحية"، وهو عالم نصفه متوحش يزود إسرائيل بالقنابل والمال، ونصفه الآخر عاجز عن اتخاذ أي مبادرة.
أما العالم الثاني، بحسب عبد الحميد، فهو عالم الشعوب، وحركات التضامن، وأصحاب الضمير الذين يدافعون عن حقوق الإنسان والحرية، وهؤلاء تضامنوا مع الشعب الفلسطيني ومارسوا ضغوطاً وعقوبات على إسرائيل وحكوماتها الداعمة، لكنهم بدأوا يواجهون العقاب بسبب مواقفهم.
ويؤكد عبد الحميد أن النظام الدولي فشل في وقف الحرب على قطاع غزة، مشدداً على أن إنهاء الحرب مرهون بمبادرات الدول المناهضة للحرب، وحراكات الشعوب، والقوى المؤيدة لحق الشعب الفلسطيني في الحياة.
ويشير عبد الحميد إلى أهمية المبادرات الفلسطينية المدعومة عربياً ودولياً لتحقيق تقدم ملموس.
ويؤكد عبد الحميد أن استمرار الصمت الدولي وغياب الضغط الحقيقي سيطيلان أمد المعاناة في غزة، داعياً إلى تحرك عاجل لوقف حرب الإبادة وحماية الأبرياء من ويلاتها.





شارك برأيك
"فتاة النار" في غزة و"فتاة النابالم" في فيتنام.. ذات المأساة بفارق 53 عاماً