فلسطين

الأربعاء 21 مايو 2025 9:32 صباحًا - بتوقيت القدس

مقترح جديد بشأن غزة.. التعنت الإسرائيلي يعرقل اتفاقاً شاملاً

خـاص بـ"القدس" و"القدس" دوت كوم

د. حسين الديك: غياب ضمانات دولية ملزمة خاصة من الولايات المتحدة يعزز من صعوبة التوصل إلى اتفاق وبالتالي استمرار معاناة الفلسطينيين

نزار نزال: هناك فرصة للتوصل إلى هدنة مؤقتة ومن المستبعد إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل في الوقت الحالي

د. إيريني سعيد: الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق محاولة لكسب الوقت لتوسيع التوغل العسكري الإسرائيلي وتكثيف الضربات في غزة

نور عودة: إمكانية تقديم ترامب ضمانات بعدم العودة للحرب مستبعد إلا بموافقة حماس على شروط قاسية

د. سهيل دياب: إسرائيل تواجه ضغوطاً متزايدة تدفعها نحو المرونة أبرزها الضغط الأمريكي بسبب تغير الموقف تجاه نتنياهو

فايز عباس: نتنياهو يستغل إدخال كميات محدودة من المساعدات إلى غزة لكسب الوقت وتخفيف الضغط الدولي عليه

على وقع الحديث عن مقترح جديد لوقف إطلاق النار ولو بشكل مؤقت، يبدو أن التعنت الإسرائيلي وتجاهل المطالب الفلسطينية لوقف الحرب في غزة، وسط مطالبة حركة حماس بضمانات أمريكية ملزمة لإنهاء العدوان يزيدان من تعقيد المشهد للتوصل إلى اتفاق شامل.

ويعتقد كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن إسرائيل، بتوافق أمريكي، تسعى لتحقيق أهداف استراتيجية في قطاع غزة، وسط استغلال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إدخال مساعدات إنسانية محدودة لتخفيف الضغط الدولي عن إسرائيل، ويتزامن الحديث عن المفاوضات مع تصعيد عسكري، مما يكشف نية كسب الوقت. 

وتشير توقعات الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات إلى إمكانية إبرام هدنة مؤقتة تتضمن إطلاق سراح عدد محدود الأسرى محدود، لكن اتفاقاً شاملاً يظل بعيد المنال بسبب رفض إسرائيل الانسحاب أو إنهاء الحرب، ما يفاقم الكارثة الإنسانية في غزة مع استمرار العدوان، مشككين في موثوقية الضمانات الأمريكية نظراً لتاريخ واشنطن في نقض الاتفاقات. 

وكان الإعلام العبري تحدث عن تقديم إسرائيل اقتراحاً جديداً لحماس يتضمن إطلاق سراح عشرة أسرى أحياء ونصف الجثامين في يوم واحد، مع هدنة لمدة سنتين، وبدء إدخال المساعدات الإنسانية فور توقيع الاتفاق، كما تشمل الصفقة انسحاب إسرائيل من مناطق احتلتها في عملية "الشجاعة والسيف"، لكنها ترفض الانسحاب من ممري نتساريم وفيلادلفيا، وتعرض التفاوض على وقف النار خلال الهدنة.

في المقابل، تتمسك حماس بمطالب واضحة تشمل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف النار، وتقديمه ضمانات شخصية بعدم استئناف إسرائيل للحرب بعد إطلاق الأسرى، إلى جانب توقيع مبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف على الصفقة ومصافحته لرئيس حركة حماس في غزة خليل الحية. 

المشكلة في إسرائيل التي تنقض الاتفاقات 

يقول الكاتب والمحلل السياسي المختص بالشأن الأمريكي والعلاقات الدولية، د. حسين الديك، إن المقترح الجديد المقدم لحركة حماس في مفاوضات الدوحة يمثل خطوة إيجابية، لكن العقبة الأساسية تظل في موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته، التي ترفض وقف الحرب وتعرقل الاتفاقات. 

ويوضح الديك أن المشكلة لا تكمن في حماس، التي أبدت استعداداً للتفاوض، بل في إسرائيل، التي تنقض الاتفاقات وتتجنب تقديم ضمانات لإنهاء العدوان على قطاع غزة.

ويشير الديك إلى أن الوسطاء المصريين والقطريين، وحتى الأمريكيين، باتوا مقتنعين بأن نتنياهو هو المعطل الرئيسي للمفاوضات. 

ويؤكد الديك أن القضية المحورية في هذه المحادثات ليست عدد الأسرى، أو الجداول الزمنية، أو قضايا مثل نزع سلاح حماس، أو خروج قياداتها، أو تسليم القطاع للسلطة الفلسطينية، بل هي الوقف الدائم لإطلاق النار. 

ويقول الديك: "نتنياهو يرفض إنهاء الحرب أو تقديم أي ضمانات ملزمة، والإدارة الأمريكية غير مستعدة لتقديم ضمانات لوقف الحرب، بينما تتمسك حماس والشعب الفلسطيني بإنهاء العدوان كشرط أساسي".

ويوضح الديك أن إسرائيل، حتى في حال إطلاق سراح جميع الأسرى الـ58 المتبقين لدى المقاومة، ستواصل الحرب لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، التي تشمل السيطرة على مساحات واسعة في غزة، وإقامة مستوطنات، وتشكيل إدارة موالية للاحتلال، وتهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين. 

ويشير الديك إلى أن هذه الأهداف، التي يدعمها نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تواجه عقبات دولية، خاصة فيما يتعلق بالتهجير القسري، حيث لم تعلن أي دولة رسمياً استعدادها لاستقبال فلسطينيين مهجرين من غزة.

ويوضح الديك أن هناك مساعٍ أمريكية للتفاوض مع دول، مثل ليبيا، لاستضافة حوالي مليون فلسطيني مقابل إطلاق مليارات الدولارات المجمدة من أرصدة الحكومة الليبية السابقة في البنوك الأمريكية، لكن كل المحاولات لم تنجح حتى الآن، ما يؤكد انسجام الموقف الأميركي والإسرائيلي حول أهداف الحرب.

استبعاد هدنة مؤقتة أو وقف دائم للحرب 

ويؤكد الديك أن الولايات المتحدة تواصل التفاوض مع دول أخرى لتحقيق هذا الهدف، لكن المعارضة الدولية والعربية للتهجير أجبرت ترامب على التراجع علناً عن هذا المخطط، رغم استمراره ضمنياً، كما تظهر تقارير صحفية أمريكية وإسرائيلية.

وفي سياق تقييمه لإمكانية وقف الحرب، يستبعد الديك أن يتحقق ذلك في الظروف الحالية، سواء عبر هدنة مؤقتة أو وقف دائم، مشيراً إلى أن هذا الهدف قد لا يتحقق إلا برحيل حكومة نتنياهو. 

ويشير الديك إلى حديث وسائل الإعلام الإسرائيلية عن انتخابات محتملة خلال عام، قد تغير المشهد السياسي، لكنه يؤكد أن استمرار الحرب يعكس توافقاً بين إدارة ترامب ونتنياهو على أهدافها، باستثناء التهجير الذي يواجه مقاومة دولية.

ويوضح الديك أن القضية الجوهرية تظل وقف الحرب، وهو ما تتمسك به المقاومة الفلسطينية ويرفضه نتنياهو وإسرائيل بشكل قاطع. 

ويحذر الديك من أن غياب ضمانات دولية ملزمة، خاصة من الولايات المتحدة، يعزز من صعوبة التوصل إلى اتفاق، مما يطيل أمد الصراع ويعمق معاناة الشعب الفلسطيني في ظل أهداف إسرائيلية تهدف إلى تغيير الواقع الديمغرافي والسياسي في غزة.

استراتيجية حسم الصراع بدلاً من إدارته

من جانبه، يؤكد الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع، نزار نزال، أن إسرائيل تتبنى استراتيجية تهدف إلى حسم الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بشكل نهائي، عبر تصفية القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، بدلاً من إدارة الصراع كما كان في السابق. 

ويشير نزال إلى أن حركة حماس تتعامل بإيجابية مع المقترحات المقدمة لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، لكن إسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تتمسك بسياسة "الهدن المؤقتة" وترفض الالتزام بوقف شامل للحرب، وهو الهدف الأساسي للمقاومة الفلسطينية.

ويؤكد نزال أن الهدف الإسرائيلي المركزي يتمثل في حسم الصراع بشكل كامل، عبر تجريد المقاومة الفلسطينية من أوراق قوتها، وخاصة ملف الأسرى الإسرائيليين، كما أن إسرائيل تسعى لتحرير الأسرى لدى حماس دون تقديم تنازلات جوهرية، مثل وقف الحرب أو الانسحاب الكامل من قطاع غزة، مما يسمح لها باستئناف العمليات العسكرية لاحقاً. 

ويقول نزال: "إسرائيل لا تقول صراحة إنها ستوافق على وقف الحرب مقابل إطلاق سراح جميع الأسرى، بل تعتمد على نهج الهدن المؤقتة، مثل هدنة لمدة 50 أو 60 يوماً، لأنها لا تريد التزاماً شاملاً ينهي الحرب".

هدنة مؤقتة لإدخال مساعدات إنسانية

ويؤكد نزال أن هناك فرصة للتوصل إلى هدنة مؤقتة قد تشمل إدخال مساعدات إنسانية وإطلاق سراح عدد محدود من الأسرى الإسرائيليين، لكن من المستبعد إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل في الوقت الحالي. 

ويشير نزال إلى أن حماس قد تقبل بهدنة محدودة، لكنها ستكون حذرة عبر تقليل عدد الأسرى المفرج عنهم، مدركة أن إسرائيل ستستغل أي انخفاض في أعداد الأسرى لديها لتكثيف استهداف قطاع غزة، حيث سيصبح "خالياً من الأسرى" وبالتالي هدفاً أسهل للعمليات العسكرية.

وفي سياق حديثه عن الضمانات الدولية، يحذر نزال من الاعتماد على الوعود الأمريكية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن كلا الطرفين لديهما سجل حافل من التنصل من الاتفاقات. 

ويستشهد نزال باتفاق الدوحة في 17 يناير الماضي، الذي وقّعت عليه إسرائيل برعاية أمريكية ومصرية وقطرية، لكن نتنياهو تراجع عن تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق التي تضمنت خطوات سياسية، مثل الانسحاب ووقف الحرب. 

نتنياهو يعمل لمصلحته الشخصية

ويقول نزال: "نتنياهو يعمل لمصلحته الشخصية، لأن وقف الحرب يعني سقوط حكومته وانهيار مستقبله السياسي، بل ومواجهته للقضاء".

وينتقد نزال الضمانات الشفوية التي تقدمها الولايات المتحدة، ورفضها تقديم ضمانات مكتوبة ملزمة، قائلا: "ترامب انسحب من الاتفاق النووي مع إيران في 2018، وهذا يظهر أن المراهنة على الضمانات الأمريكية خاسرة".

ويشير نزال إلى أن الأنباء التي تحدثت عن "زخم" في مفاوضات الدوحة، بحسب القناة 13 الإسرائيلية، غير دقيقة، مؤكداً أن العقبة الأساسية تظل رفض إسرائيل وقف الحرب والانسحاب الكامل من غزة.

ويؤكد نزال أن الوضع لا يزال معقداً، مع وجود فجوة واسعة بين مطالب حماس بوقف شامل للحرب ورفض إسرائيل لهذا الشرط. 

ويعتقد نزال أن إسرائيل ستعاود القتال حتى في حال التوصل إلى هدنة مؤقتة، مما يضع حماس أمام خيارات صعبة، حيث أن أي تنازل قد يؤدي إلى تراجع موقفها في مواجهة الحرب المستمرة ضد الشعب الفلسطيني.

مناورة أمريكية-إسرائيلية لاقتلاع حماس

بدورها، توضح الأكاديمية والمحللة السياسية المصرية، د. إيريني سعيد، أن المرحلة الحالية تشهد مناورة أمريكية-إسرائيلية تهدف إلى اقتلاع حركة حماس من جذورها، مؤكدة أن هذا الهدف يبقى الأولوية الرئيسية لكل من واشنطن وتل أبيب، على حساب القيم الإنسانية والقوانين الدولية. 

وتشير سعيد إلى أن الولايات المتحدة تجاهلت الكوارث الإنسانية في قطاع غزة، ولم تحرك ساكناً لضبط حليفتها الاستراتيجية إسرائيل، مما يعكس تراجعاً عن القيم الأمريكية المزعومة وتغاضياً عن الأعراف الدولية.

وتلفت سعيد إلى أن هذه المناورة تتجلى في تصدير صورة تصادم بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رغم أن أي خلاف بينهما محدود. 

وتوضح سعيد أن ترامب تعمد تجنب زيارة تل أبيب خلال جولته الأخيرة بالشرق الأوسط، بهدف إضعاف موقف دول الخليج في مطالبته بالضغط على نتنياهو. 

وتؤكد سعيد أن التصريحات الأمريكية والإسرائيلية المتضاربة، والحديث عن العودة إلى المفاوضات وإمكانية التوصل إلى اتفاق، ليست سوى محاولات لكسب الوقت واستغلاله لتوسيع التوغل العسكري الإسرائيلي في غزة وتكثيف الضربات الممنهجة ضد الفلسطينيين.

ترامب يحاول تحقيق توازنات ظاهرية

وترى سعيد أن تزامن الحديث عن استئناف المفاوضات مع أوامر إسرائيلية بتوسيع الحرب يكشف نوايا الطرفين.

وحتى السماح بدخول مساعدات إنسانية محدودة، بحسب سعيد، يعكس محاولة ترامب لتحقيق توازنات ظاهرية بعد جولته الخليجية ذات الطابع الاقتصادي، التي جاءت عكس التوقعات السياسية، حيث أن هذه الخطوات لا تعدو كونها تكتيكات لتجميل صورة إسرائيل، بينما تستمر الحرب دون نية حقيقية لإنهائها.

وتقترح سعيد ثلاثة مسارات متوازية لحلحلة المشهد المعقد، الأول، تنفيذ مخرجات القمة العربية، التي تتسق مع قرارات قمة 4 مارس، وتتميز بفعاليتها وقابليتها للتطبيق العملي. 

والمسار الثاني وفق سعيد، هو تعزيز جهود القاهرة في قيادة المفاوضات الأساسية في مرحلتها الثانية، مع الإمساك بزمام المبادرة. 

وتشير سعيد إلى المسار الثالث بتحرك خليجي عاجل لممارسة ضغط مباشر على ترامب لدفعه نحو إنهاء الحرب. 

وتؤكد سعيد أن هذه المسارات تتطلب تنسيقاً عربياً محكماً لمواجهة الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية.

وتشدد سعيد على أن غياب الإرادة الأمريكية والإسرائيلية لإنهاء الحرب، إلى جانب استمرار التصعيد العسكري، يعزز من تعقيد الأزمة. 

وتحذر سعيد من أن استمرار هذه المناورات سيؤدي إلى تفاقم الكارثة الإنسانية في غزة، داعية إلى تحرك دولي وعربي عاجل لوقف العدوان وفرض حلول عادلة.

إسرائيل والتسريبات الإعلامية

من جهتها، تقول الكاتبة والمحللة السياسية المتخصصة في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية، نور عودة، إن الوسطاء معنيون بالحد من التسريبات حول مفاوضات الدوحة الجارية بشأن قطاع غزة، بينما تتفوق إسرائيل في استخدام التسريبات الإعلامية لتشكيل سردية معينة تهيمن على النقاشات.

وتعتقد عودة أن الحديث عن "مقترح إسرائيلي" أو "مقترح أمريكي" يُغفل العوامل الموضوعية التي تشير إلى وجود فرصة لاتفاق محدود، مدفوعة بانخراط الولايات المتحدة بشكل حثيث، ورغبة الرئيس دونالد ترامب في تحقيق إنجاز رمزي يتمثل في استعادة جثامين أربعة مواطنين أمريكيين-إسرائيليين محتجزين في غزة.

وتشير عودة إلى أن هذا الاتفاق المحتمل لن يكون شاملاً ولن يلبي تطلعات الطرف الفلسطيني، وخاصة حركة حماس، التي تدرك أن وقف الحرب الشامل ليس مطروحاً على الطاولة الآن. 

وتوضح عودة أن ترامب يسعى لتحقيق مصالحه الشخصية عبر هذا الإنجاز، إلى جانب محاولته "إنقاذ إسرائيل من نفسها" بتخفيف عزلتها الدولية، كما يتضح من السماح بدخول شاحنات مساعدات إنسانية محدودة وغير كافية إلى غزة. 

وتعتبر عودة أن هذه الخطوة تهدف إلى تلميع صورة إسرائيل، التي تواجه اتهامات بممارسة التجويع بحق أكثر من مليوني فلسطيني، نصفهم أطفال.

وتحذر عودة من الاعتماد على ضمانات ترامب بعدم استئناف الحرب، مشككة في استعداده لتقديم مثل هذه الضمانات، التي قد تُفسر كمنح لشرعية لحماس. 

وتوضح عودة أن تصريحات الإدارة الأمريكية تؤكد شروطاً صارمة، تشمل منع حماس من حكم غزة، ومغادرة قياداتها القطاع، أو منح إسرائيل الحق في استهدافهم، ونزع سلاح حماس. 

وتؤكد عودة أن الولايات المتحدة لا تعارض الحرب أو حجم الضحايا الفلسطينيين، مشيرة إلى صمتها إزاء التهجير، والقتل، والتدمير، وتفريغ المخيمات في الضفة الغربية، مما يعكس غياب أي خلاف جوهري مع إسرائيل بشأن "حرب الإبادة" المستمرة.

التحركات الأمريكية والإسرائيلية تكتيكية وليست استراتيجية

وتوضح عودة أن التحركات الأمريكية والإسرائيلية تظل تكتيكية وليست استراتيجية، ولا تنطوي على تغيير في السياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية. 

وتستبعد عودة إمكانية تقديم ترامب ضمانات بعدم العودة للحرب، إلا إذا وافقت حماس على شروط قاسية، مثل نزع سلاحها، وخروج قياداتها، واستبعادها من حكم غزة. 

وتشير عودة إلى معضلة إضافية تواجه ترامب، تتمثل في رفض إسرائيل حكم أي طرف فلسطيني لقطاع غزة، إلى جانب حديثه المتجدد عن التهجير والسيطرة على القطاع، مما يعقد إمكانية التوصل إلى حل مستدام.

وتؤكد عودة أن المفاوضات تدور في حلقة مفرغة، حيث أقصى ما يمكن توقعه هو سيناريو مشابه للوضع في لبنان، يتضمن خفض وتيرة الحرب، أو هدنة مؤقتة تتيح لإسرائيل الاحتفاظ بقدرتها على الهجوم، والاغتيال، والقصف. 

وتقول عودة: "للأسف الشديد ما زالت العوامل الفلسطينية، والإقليمية، والدولية غير ناضجة لإنهاء الحرب"، مؤكدة أن الوضع الحالي يعكس استمرار التحديات أمام تحقيق حل عادل يلبي حاجة الشعب الفلسطيني لوقف الإبادة والبدء في إعادة البناء.

مفاوضات الدوحة منصة لإعادة فتح جميع القضايا

أستاذ العلوم السياسية، د. سهيل دياب، يقول إن المفاوضات الجارية في الدوحة بشأن الوضع في قطاع غزة شهدت تطورات نوعية، حيث لم تعد محصورة في مناقشة مقترحات محددة مثل مقترح ويتكوف أو المقترح الإسرائيلي، بل أصبحت منصة لإعادة فتح جميع القضايا وطرح خيارات جديدة، بما في ذلك إمكانية التوصل إلى صفقات شاملة أو هدنة طويلة الأمد تمتد لسنتين. 

ويوضح دياب أن هذه المفاوضات تعكس وجود ضغوط كبيرة تواجه كلاً من إسرائيل والمفاوض الفلسطيني، مما يدفع الطرفين نحو البحث عن "معادلة سحرية" للخروج من الأزمة الحالية.

ويشير دياب إلى أن المفاوضات تتسم بثلاثة تطورات رئيسية. أولاً، إعادة فتح جميع نقاط الخلاف للنقاش، وهو ما كانت إسرائيل ترفضه سابقاً، مما يعكس تحولاً في موقفها تحت ضغوط داخلية وخارجية.

الأمر الثاني وفق دباب، استعداد إسرائيل لمناقشة شروط وقف الحرب، رغم عدم التزامها الصريح بإنهائها، مما يفتح الباب أمام إمكانيات جديدة.

ويتمحور التطور الثالث، حول انقسام المفاوضات إلى مسارين: مسار رسمي على طاولة الحوار، ومسار غير رسمي يشمل اتصالات بين ويتكوف ونتنياهو، وويتكوف والوسطاء العرب، وهو المسار الأكثر فعالية في قضايا مثل إدخال المساعدات الإنسانية ودفع المفاوضات نحو صفقة محتملة.

إسرائيل تواجه ضغوطاً متزايدة

ويوضح دياب أن إسرائيل تواجه ضغوطاً متزايدة تدفعها نحو المرونة، أبرزها الضغط الأمريكي الناتج عن تغير السياسة الأمريكية تجاه نتنياهو، إلى جانب الهجمات الحوثية التي تعجز إسرائيل عن مواجهتها أمنياً. 

ويشير دياب إلى قناعة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية باستحالة استعادة الأسرى الإسرائيليين أحياء عبر العمليات العسكرية، مما يعزز الحاجة إلى حل تفاوضي. 

في المقابل، يوضح دياب أن المفاوض الفلسطيني يواجه ضغوطاً مماثلة، أهمها الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة، التي تجبر الفلسطينيين على التفكير في مقترحات مرنة وخلاقة. 

ويشير دياب إلى أن تراجع الدعم العربي الشعبي والرسمي، إلى جانب التوترات الداخلية بين الفصائل الفلسطينية، خاصة بين حماس والسلطة الفلسطينية، يزيد من تعقيد موقف المفاوض الفلسطيني.

ويؤكد دياب أن كلا الطرفين يتفاوضان في ظل ظروف بالغة الحساسية، وكأنهما "على فوهة هاوية" قد تؤدي إلى كارثة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. 

وفي ظل الحاجة الأمريكية والدولية والإقليمية لإيجاد حل، يتوقع دياب أن تشهد الساعات أو الأيام المقبلة تقدماً نحو صيغة اتفاق، مدعومة بالضغوط الغربية من بريطانيا وفرنسا، وجهود قطر ومصر، وحتى مساهمات من الصين وأطراف أخرى.

في سياق تحديد ملامح الحل المحتمل، يقترح دياب "معادلة سحرية" تعتمد على ثلاثة أضلاع، الضلع الأول هو هدنة أو وقف جزئي لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس بشكل غير مباشر، دون الخوض في الحديث عن إنهاء الحرب أو استمرارها، وهي صيغة جُربت سابقاً لكنها لم تنجح بمفردها. 

احتمال تبني نموذج مشابه للاتفاق اللبناني

أما الضلع الثاني وفق دياب، يتعلق بالضمانات الأمريكية، التي يجب أن تحدد شروط عودة إسرائيل للعمليات العسكرية إذا تم وقف الحرب، مع الإشارة إلى احتمال تبني نموذج مشابه للاتفاق اللبناني، كما يجب أن تقدم الولايات المتحدة ضمانات للفلسطينيين لمنع عودة إسرائيل إلى حرب شاملة أو سياسات "الإبادة الجماعية"، وهو مصدر قلق فلسطيني وعربي رئيسي. 

ويشير دياب إلى الضلع الثالث وهو يتطلب استعداد حماس لمناقشة قضايا حساسة مثل "اليوم التالي" في غزة، بما في ذلك مستقبل سلاح المقاومة.

ويتوقع دياب أن تتجه المفاوضات نحو اتفاق ثلاثي الأضلاع يشمل اتفاقاً مباشراً بين إسرائيل والفلسطينيين، واتفاقات جانبية بين إسرائيل والولايات المتحدة، وبين إسرائيل والفلسطينيين، بحيث توفر تطمينات لكل طرف دون تعارض مع الاتفاقات الأخرى. 

ورغم التحديات الناتجة عن التطمينات المتضاربة بين الأطراف، يعرب دياب عن تفاؤل حذر بإمكانية التوصل إلى صيغة تمكن الأطراف من "التعايش" مع الاتفاق، مما يتيح تجاوز الأزمة الحالية.

المقترحات الإسرائيلية لم تتغير 

بدوره، يقول الكاتب المختص في الشأن الإسرائيلي، فايز عباس، إن المقترحات الإسرائيلية المقدمة لحركة حماس ظلت دون تغيير منذ بدء المفاوضات الأولى، مشيراً إلى أن إسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ترفض الالتزام بوقف شامل للحرب في قطاع غزة. 

ويوضح عباس أن الاتفاق الأولي تضمن إطلاق سراح محتجزين مقابل هدنة لمدة شهرين، مع خطة للانتقال إلى المرحلة الثانية التي تشمل إطلاق جميع المحتجزين، ووقف الحرب، والانسحاب الإسرائيلي من القطاع، لكن نتنياهو رفض هذه المرحلة، مطالبًا بإطلاق سراح جميع المحتجزين أحياءً وأمواتًا، ونزع سلاح حماس، وإنهاء سلطتها في غزة، وترحيل قادتها السياسيين والعسكريين إلى خارج القطاع.

ويشير عباس إلى أن إسرائيل لم تتراجع عن مواقفها، بل كثفت عملياتها العسكرية، ومنعت إدخال المساعدات الإنسانية لفترات طويلة، وبدأت عملية برية واسعة لاحتلال القطاع بالكامل، مؤكداً أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب حتى في حال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق المحتجزين. 

ويشير عباس إلى أن نتنياهو يستغل إدخال كميات محدودة من المساعدات إلى قطاع غزة لكسب الوقت وتخفيف الضغط الدولي، لكنه لا يعبأ بالرأي العام العالمي أو قرارات الأمم المتحدة، حيث يواصل خطته لاحتلال القطاع وتهجير سكانه بالقوة. 

ويوضح عباس أن هذه الخطة تواجه عقبة كبيرة، حيث ترفض الدول التعاون مع حكومة تضم شخصيات مثل إيتمار بن غفير في قضية التهجير.

رغبة نتنياهو في الانتقام من الشعب الفلسطيني

ويؤكد عباس أن استمرار نتنياهو في الحرب يعكس رغبته في "الانتقام" من الشعب الفلسطيني بعد هجوم 7 أكتوبر، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية الأخيرة في غزة تفتقر إلى أي معنى عسكري واضح، وتهدف فقط إلى تصعيد العقاب الجماعي. 

ويوضح عباس أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الوحيد القادر على إجبار نتنياهو على وقف الحرب، لكنه لا يبدي اهتماماً حقيقياً بذلك. 

ويعتبر عباس أن تصريحات ترامب حول ضرورة إدخال الغذاء إلى غزة خلال زيارته للخليج العربي ليست سوى "ضريبة شفاه" لا تعكس نية جادة لإنهاء الصراع.

ويؤكد عباس أن إعلان ترامب عن ضمانات لوقف إطلاق النار قد يكون ممكناً فقط إذا قرر فرضها، لأن نتنياهو يفتقر إلى الشجاعة لمعارضته. 

ويحذر عباس من أن غياب عقوبات دولية على إسرائيل يعزز من تمسكها بخططها الاحتلالية، مما يجعل وقف الحرب أو تحقيق انسحاب إسرائيلي أمراً بعيد المنال في الوقت الحالي.

دلالات

شارك برأيك

مقترح جديد بشأن غزة.. التعنت الإسرائيلي يعرقل اتفاقاً شاملاً

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.