أقلام وأراء

الخميس 15 مايو 2025 1:52 مساءً - بتوقيت القدس

كل يوم في المخيم هو تذكير بأن النكبة لم تنتهِ


وُلدت ونشأت في مخيم الدهيشة، المكان الذي كان من المفترض أن يكون مؤقتًا، لكنه تحوّل مع الزمن إلى مساحة نضالية مستمرة. المخيم لم يكن يومًا منطقة محايدة أو هامشية، بل كان دائمًا في صلب المواجهة، منذ الانتفاضة الأولى وحتى اليوم. الأجيال التي وُلدت في المخيم لم تسكن الأرض التي اقتُلع منها أجدادهم، لكنها ورثت الإحساس العميق بالاقتلاع والظلم. ورغم أن الأرض بالنسبة لنا قد تبدو مجردة – لأننا لم نعش فيها فعليًا – فإنها تبقى جوهر الصراع، وحلقة الربط بين الماضي والمستقبل. المخيم كذلك، ليس فقط مساحة للسكن، بل هو حيّز سياسي، وذاكرة جماعية حية. مع كل اقتحام واعتقال واستشهاد، يتأكد لنا أن اللجوء لم يكن حالة مؤقتة، بل تحوّل إلى نمط حياة نضالي. المخيم، والذي كان يُفترض أن يكون رمزًا للنكبة، صار رمزًا للمقاومة.

في كتابها "أعداء كثيرون جداً: التجربة الفلسطينية في لبنان”، تصف  روزماري الصايغ مخيمات اللاجئين كحيز للعزل والإقصاء. هذا التعبير يعكس حقيقة أن الاحتلال يعتبر هذه المخيمات مناطق لا قيمة لها، يتم التعامل مع سكانها وكأنهم لا أهمية لهم. هذا الحيز الذي يُفترض أن يكون ملاذًا آمنًا، يتحول إلى مكان للتهديد المستمر، مع اقتحامات متواصلة من قبل قوات الاحتلال. 

لا توجد مساحة آمنة تحت الاحتلال، حتى غرفتك قد تصبح زنزانة. منزلي القابع في وسط المخيم تعرّض للاقتحامات المتكررة، وفي إحدى المرات تحوّل إلى مركز تحقيق. اقتحم الجنود البيت، جلبوا مجموعة من الشباب مكبلين ومعصوبي الأعين، وحققوا معنا واحدًا تلو الآخر. الضابط الإسرائيلي أعلن بكل وضوح: "هذا البيت سيكون مركز تحقيق".

كأسرة تعيش في المخيم، شهدنا عن كثب آثار الاحتلال الذي طال جميع جوانب حياتنا. نعيش في قلق دائم، فالسجن أصبح جزءًا من حياتنا العائلية.

والدي لا يزال معتقلًا منذ 23 عامًا، قضى منها 16 عامًا في الاعتقال الإداري. أما والدتي، فقد أصيبت بقذيفة دمدم متفجرة في الصدر، لكنها تحملت مسؤولية الأم والأب معًا، متجاوزة كل الصعاب التي فرضها الاحتلال. عمي محمد، المعروف بالشهيد الحي، تحدّى الموت بإرادة مذهلة لثلاث سنوات بعد إصابته برصاصات متفجرة أتلفت جميع محتويات بطنه، عدا القلب و الرئتين، قبل أن يتوقف قلبه في النهاية. أما تجربتي مع الاعتقال الإداري كانت طويلة ومؤلمة؛ اعتُقلت ثلاث مرات إداريًا، قضيت خلالها نحو خمس سنوات دون تهمة أو محاكمة. 

الاعتقال الإداري ليس إجراءً قانونيًا بل أداة قمع نفسي. هدفه ليس التحقيق، بل كسر الإرادة. المحقق نفسه أخبرني في آخر اعتقال: "ما في داعي نعيد الأسئلة، هي نفسها". هذا يكشف أن الهدف هو التحطيم المعنوي، لا أكثر. ولا يسعنا سوى ان نتطرق الى وضع الأسرى الكارثي اليوم، خاصة بعد 7 أكتوبر، حيث تضاعف القمع، وتحوّل كل فلسطيني إلى "هدف مشروع"، و باتت سياسة "الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت" تطبق بشكل يومي.

 نحن أبناء النكبة، لكنها ليست تاريخاً نستذكره بل حاضرٌ نعيشه. ما جرى في 1948 مستمر حتى اليوم، لكن بأدوات مختلفة. لم نعد نشهد التهجير الجماعي فقط، بل نعيش تحت قمع يومي: اقتحامات، اعتقالات، مصادرة أراضٍ، قتل عشوائي… كل هذا ليس إلا امتدادًا للنمط الاستعماري نفسه، و الذي يعيد إنتاج النكبة كواقع يومي. 

 لقد أصبح عنف الاحتلال جزءًا من هذا الواقع اليومي، حيث لا يتردد الجيش في استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين، مما يعزز شعور الشباب الفلسطيني بأنهم يعيشون في بيئة غير آمنة وغير مستقرة. مع تصاعد العدوان، يزداد العنف بشكل مروع، حيث يُنظر إلى الفلسطينيين على أنهم خطر يُعاقب عليه كل من يقاوم الاحتلال.

ما بعد 7 أكتوبر شكّل نقطة تحوّل. الاحتلال كشف عن وجهه الحقيقي، واستُبيح كل شيء. المخيمات صارت مساحات مطاردة. لم يعد الاقتحام مرتبطًا باعتقال أو عملية، بل أصبح هدفًا بحد ذاته، رسالة دائمة بأننا تحت السيطرة. الوضع الاقتصادي انهار، والبطالة تفاقمت، والنسيج الاجتماعي تأثر بشدة. صار الحديث عن الهجرة يتكرر، خاصة في أوساط الشباب، لكننا نعيش في مفترق طرق: إما البقاء والمقاومة، أو الرحيل الصعب والمجهول.

ما جرى في غزة أعاد ترتيب الوعي. لم نعد نؤمن بخيارات "الحلول الوسط"، أو التعايش مع هذا النظام الاستعماري. كل التحالفات التي ظهرت – الغربية والعربية – عززت قناعتنا بأننا لوحدنا في هذه المعركة، وأن لا خيار إلا الصمود.

رغم كل هذه التحوّلات، ظل حلم العودة والحرية حاضرًا في الوجدان الفلسطيني عبر ثلاثة أجيال. أصبح شكلًا من أشكال المقاومة، مقاومة النسيان، والتطبيع، واليأس. العودة ليست مجرد رجوع جغرافي، بل استعادة للحق، والكرامة، والسيادة. بالنسبة لي، العودة ليست احتمالًا سياسيًا فقط، بل قناعة داخلية وأخلاقية. ما بعد 7 أكتوبر أعاد التأكيد أن هذا الصراع ليس على حدود فقط، بل على الوجود نفسه. نحن أمام مشروع إحلالي، لا يعترف بوجودنا أصلًا.

لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب، حتى تحت أقسى الاحتلالات، انتصرت. وأنا أؤمن بحتمية الانتصار. النصر قد لا يأتي غدًا، لكنه يبدأ عندما نتمسك بحلمنا، ونحمي ذاكرتنا، ونرفض أن نُمحى.

  














 

دلالات

شارك برأيك

كل يوم في المخيم هو تذكير بأن النكبة لم تنتهِ

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.