خلال انتفاضة الحجارة في العام 1987، اتخذ الحاخام المتطرف موشي ليفنجر من الشارع المقابل لمخيم الدهيشة مقراً له، فيما جرى تطويقه بالأسلاك الشائكة، والبوابات الحديدية الشاهقة، التي لا تسمح بمرور الناس منها إلا فرادى.
كان المخيم الذي يسكنه نحو ١٢ ألف لاجئ يشهد، ولـمّا يزل، وحدةً وطنيةً بين جميع ألوان الطيف الوطني، حيث ظل الحرص على البقاء فيه وتمدده هدفاً لجميع القوى، التي كانت تنظر إليه مثل جباله الثلاثة الراسخة، التي صعدت إليها العائلات الممتدة من الأبناء والبنات، فباتت الجبال سياجاً وامتداداً وارفاً بالناس.
لا يمكن تخيّل المدن من دون مخيماتها، مثلما لا يمكن تخيّلها من دون جبالها ووديانها وسهولها، فالمخيمات باتت امتداداً طوبوغرافياً للمدن، وخزّاناً بشرياً وثقافياً ونضالياً يُنتج العقول التي نهلت من مَعين العلم والمعرفة في مدارس "الأونروا"، فالتعليم كان، ولا يزال، بمثابة رأس المال، وأحد أكبر الأصول الثابتة والراسخة للعائلات اللاجئة.
تدمير المخيمات، بإعادة احتلالها وتجريفها وتهجير سكانها، سلوكٌ انتقاميّ، تُحركه نوازع الغطرسة وأحلام التوسع، ومحاولةٌ للقبض على مفاتيح البيوت العتيقة الـمُخبّأة في سُويداء القلوب، والمعلقة على أهداب العيون، جيلاً بعد جيل.
خلت مخيمات الشمال من السكان، ودخلت إليها الدبابات لتُقيم فيها على مدار عام، تجري خلاله تسوية بيوتها بالأرض، وتغيير معالمها، ومنع العودة إليها، بعد سحب الأختام من حارسة الأحلام.
بعيداً عن اللغة النحاسية والخطابات الحنجورية، ليس ثمة سلاحٌ يُزعج إسرائيل أكثر من سلاح الديموغرافيا، الذي يتزايد تعداده بين النهر والبحر بمتواليةٍ هندسيةٍ واعدة.





شارك برأيك
الديموغرافيا حارسة الجغرافيا!