فلسطين

الجمعة 26 يوليو 2024 9:09 صباحًا - بتوقيت القدس

الناجون من الحياة بأُعجولة!

إبراهيم ملحم

كأنّ شاعرَنا الكبير محمود درويش يسكنُ بيننا، في خيمة الشِّعر التي نصبها في قلوبنا، لننشُدَ ظلّها، كلما احتجنا مَن يُسعفُ أفواهَنا، أو يُرطّبُ قلوبَنا، أو يُعيرُنا صوتَه، بعدما اختنق الكلامُ في حناجرنا المجروحة، أو كلما احتجنا مَن يُهدّئ روعنا، ويُغدقُ السلامَ على أرواحنا، أو يَهَبُنا سكينةً افتقدناها، أو يُبلسمُ جراحاً غارت في أعماق نفوسنا، وتركت ندوباً وعلائمَ لا تمحوها السّنون ولا الأيّام.


في حضرة الفقد اليوميّ الدّامي، نتوقف عند مقولاتٍ باقيةٍ في كلامٍ عابرٍ للقلوب، مُرطّبٍ للنفوس، كأنّها نُسِجَت للزمان الآت، حين يصبح الشهداءُ هم الناجين بأُعجوبةٍ من الحياة، من فرط ما يُكابده الآباءُ والأُمهاتُ الذين كُتبت لهم الحياة حتى الآن من وجعٍ وقهرٍ وموت، كلّ يومٍ وكلّ ساعةٍ وكل دقيقة؛ وهم يرون أبناءهم، الذين كانوا حتى قبل لحظاتٍ في أحضانهم، صاروا جُثثاً أو أشلاءً وسط بحرٍ من الدماء، أو الأولادُ يُفارقهم آباؤهم وأُمهاتهم إلى الأبد، قبل أن ينتهوا من إعداد وجبةٍ أو رضعةٍ تُقيم أوَدَهُم، أو شربةِ ماءٍ صالحةٍ للشرب تُطفئ ظمأهم.


ما أصعبَ الحياةَ في غزة! إنها كالموت، عملٌ شاقّ، حيث البيوتُ والخِيَمُ مُمَدّدةٌ تحت أنياب الوحوش الطائرة، المنتشرة كالحشرات في السماء، التي تتصاعد فيها أعمدةُ النار والدخان، ويتعالى صخبُ الزناناتِ المنذزُ بالموت الزؤام.


مُفزعةٌ ومُرعبةٌ تلك المشاهدُ الطالعةُ من غزة، حيث الموتُ هو الطعامُ اليوميّ المتاحُ للجوعى، وحيث الوجعُ يلازمُ الأحياء.. فكيف يحيا مَن فقد البيتَ والأهلَ والأولاد؟! الموتُ لا يوجعُ الموتى، بل يوجعُ قلوبَ الأحياء، ويجعلُ الحياة بطعم الممات.. فمَن مات نجا من الحياة بأُعجوبة، كما قال شاعرُنا الحاضرُ أبداً فينا.

دلالات

شارك برأيك

الناجون من الحياة بأُعجولة!

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.