أقلام وأراء

الأحد 07 يوليو 2024 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس

العودة إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية

أعترف أنه لا يمكن لأي مجتمع في هذا العصر أن يبقى بعيداً عن التكنولوجيا وتطبيقاتها المختلفة لما لها من فوائد عظيمة للبشر، إذ أنها سهلت التواصل والحوار مع الآخرين وتبادل المعلومات، وسهلت العملية التعليمية، وهذا ما حصل خلال جائحة كورونا. وسهلت نشر منجزات العصر عالمياً، مع أن بعض تطبيقات التكنولوجيا أصبحت مصدرا لتضليل الناس، ومصدراً للشائعات. ومهما تقدمت المواد العلمية كالفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والهندسة، والطب، وعلوم التكنولوجيا فإنها لا تغني بأي حال من الأحوال عن العلوم الاجتماعية والإنسانية مثل: علم الاجتماع، وعلم النفس، والنقد، وعلم الأخلاق، وعلم التربية، والفلسفة.


الإنسان مهما بلغ من علم في المواد العلمية، وفي التكنولوجيا يبقى مثل الآلة لا روح فيه ، تقوم بالعمل دون عواطف ومشاعر وأحاسيس ولا تراعي الأخلاق، وقد أشرت في مقالة سابقة إلى ضرورة العودة إلى تدريس الفلسفة والعودة إلى الأخلاق والعودة إلى المدارس لأنه لا حضارة ولا تقدم ولا ازدهار بدون القيم والمبادئ والانضباط الذاتي والتسامح والاحترام وتقبل الآخر والالتزام بالقانون. كل هذه القيم تعتمد على العلوم الإنسانية، وتشير الدراسات إلى أن التقدم التكنولوجي والعلمي في العالم الثالث عامة، والدول العربية خاصة، جاء على حساب تجاهل العلوم الإنسانية والاجتماعية وعدم التأثر بها وتحويلها إلى سلوك، وهنا أردد دائما ما قاله سقراط "إن التربية التي جعلت الإغريقي إغريقيا وليس المولد"، ولا يوجد منهاج لتدريس الأخلاق أو النظافة أو التسامح أو الاحترام لأن القيم تكتسب وتمارس عن طريق القدوة ولا تعلم. واهم من يظن أن التغيير والتقدم فقط عن طريق إنجازات العصر بدون توازن بينها وبين العلوم الإنسانية وهذا يذكرني بما قاله وزير التعليم الياباني عندما سئل عن سر تقدم اليابان فقال ببساطة "إنها التربية الأخلاقية"، وأقول أن هدف التعليم هو خلق مواطن جيد لا خلق طالب جيد، ولا يمكن خلق مواطن جيد بتجاهل العلوم الاجتماعية والإنسانية.


وهذا يذكرني بحكاية طريفة، أن طالباً ذهب للدراسة في جامعة في أحدى الدول العربية وبعد رجوعه ذهب الناس والأقارب والجيران لتهنئته بالرجوع سالماً، فسأله أحد الحضور: شو قرأت في الجامعة؟ فأجاب الطالب: تربية، فأجابه نفس الشخص: يا ابني، تغربت و كلفت أهلك مصاري كتير كنا ربيناك هنا.


أنا أدعو للعودة للعلوم الاحتماعية والإنسانية وتعليمها بطرق واستراتيجيات جديدة تناسب العصر، استراتيجيات التعلم النشط، والتعلم الذاتي، والتعلم التعاوني، والمجموعات، والعصف الذهني، والحوار والابتعاد عن استعمال عقل الطالب كمخزن لحفظ المعلومات، والابتعاد عن ثلاثية الحفظ والتلقين والتذكر، وكسر جمود التلقين وإطلاق العنان لقدرات الطالب. وهنا يجب تعليم الطلاب الذين يلتحقون بهذه التخصصات كيف يوظفون هذه المعلومات و ويحولونها إلى سلوك يومي وإلى عادة ما يعود بالفائدة على الطالب وعلى المجتمع. وكذلك أدعو إلى فهم التوجهات المستقبلية لأجيال المستقبل وأركز على أن المشكلة ليست في العلوم الاجتماعية والإنسانية، أنما تكمن المشكلة في طريقة تعليمها في المدارس والجامعات بطرق تخاطب العقل، لتصبح هذه المواد جزءاً من حياتنا، تؤثر فينا في سلوكنا، وتفهم الطالب أنه لا يوجد حقيقة واحدة، عند ذلك لا يمكن لأحد أن يقلل من قيمة العلوم الاجتماعية والإنسانية وسيزداد الإقبال على دراستها في الجامعات، وتتغير النظرة الدونية لها، لأن كل ما يحدث من حولنا هو نتيجة التقليل من قيمة هذه المواضيع وعدم التأثر بها وتطبيقها اليومي في المجتمعات، قبل أن نصبح كمن يقلب كفيه على ما فاته، لأن تجاهل العلوم الإنسانية والاجتماعية بشكل مقصود أو غير مقصود يؤدي إلى جعل العالم يسير وفق قيم واحدة هي قيم الغرب، وكذلك فرض رؤى عالمية أحادية على العالم، بدل رؤية عالمية تعددية متنوعة تقبل تعدد الثقافات والقيم ومصادر المعلومات وإلى تفاعل هذه التعدديات مع بعضها واعتراف كل منها بالآخر.

أسئلة واجبة

و هنا أطرح بعض الأسئلة تثقل كاهلي وكاهل كثيرين من التربويين وعلم الاجتماع والفلسفة، فأنا أعتقد أن العلوم الاجتماعية والإنسانية هي المحرك الفكري والأخلاقي في حياة البشر في جميع مناحي الحياة:
1- لماذا على الطالب أن يدرس ويبحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية، إذا لم يكن هناك طلب في السوق، كما يجري حاليا؟
2- كيف يمكن أن نقنع الأجيال القادمة بأهمية العلوم الإجتماعية والإنسانية وهناك آلاف الخريجين بدون عمل وبدون وظيفة؟
3- إلى متى يتم تدريس العلوم الاجتماعية كمدخلات لفظية ومخرجات لفظية؟
4- هل يمكن حصر التعليم في خدمة القطاع الخاص وتلبية حاجات رجال الأعمال على حساب تجاهل العلوم الاجتماعية والإنسانية؟
5- كيف يمكن للعلوم الاجتماعية والإنسانية أن تساهم في حل المشاكل الأخلاقية اليومية وهنا أشير إلى حلول يمكن للناس العاديين تطبيقها وليس حملة الشهادات.
6- هل لا يزال للعلوم الاجتماعية والإنسانية مكان في عالمنا اليوم بشكل عام وفي التعليم بشكل خاص؟
7- ما هي التحديات الأخلاقية التي يمكن أن تظهر في المستقبل القريب أو البعيد بعد ظهور الذكاء الاصطناعي؟
8- ما هي التحديات الفلسفية التي فرضتها اكتشافات العصر؟ أي كيف سنفكر كبشر؟
9- هل يجب أن نقلق كبشر من فكرة أن يصبح الإنسان عديم المهارة وعديم الأخلاق؟
10- لماذا هذه النظرة الدونية لأصحاب التخصصات في العلوم الاجتماعية والإنسانية؟ مع العلم أن علم النفس وعلم الاجتماع والآداب و الفنون والتربية لها وزن كبير في دول العالم الآخر.
11- لماذا ينظر إلى الذين يدرسون الطب والهندسة والصيدلة والحاسوب على أنهم أفضل من الذين يدرسون علم الاجتماع والفلسفة والتربية والفنون على سبيل المثال؟
12- لماذا يتم قبول الطلاب في الجامعات في الطب والهندسة والحاسوب على أساس المعدلات المرتفعة وأصحاب المعدلات المتدنية يوجهون إلى كليات العلوم الإنسانية والاجتماعية؟ لماذا لا يتم توجيه المعدلات المرتفعة لدراسة التعليم والآداب والفلسفة والفنون والحوار؟
و أخيرا أقول: نحن التربويين المحاورين أصحاب اليقظة، أصحاب البوصلة، نصنع البوصلة ولا ننتظرها، وندق الناقوس أحياناً لأن عدم وجود رؤية تعليمية تربوية واضحة المعالم يؤدي إلى جموح المناهج والمعلمين والطلاب والتقويم والمجتمع.

إن تجاهل العلوم الإنسانية والاجتماعية بشكل مقصود أو غير مقصود يؤدي إلى جعل العالم يسير وفق قيم واحدة هي قيم الغرب، وكذلك فرض رؤى عالمية أحادية على العالم، بدل رؤية عالمية تعددية متنوعة.

دلالات

شارك برأيك

العودة إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.