ג 14 יול 2026 9:55 am - שעון ירושלים

قانون المؤذن في مواجهة القانون الدولي

يثير مشروع القانون الذي يناقشه الكنيست الإسرائيلي لتقييد رفع الأذان عبر مكبرات الصوت موجة واسعة من الجدل، ليس لأنه يتعلق بمظهر ديني فحسب، وإنما لأنه يطرح إشكالية قانونية تتجاوز حدود التشريع الداخلي إلى نطاق القانون الدولي لحقوق الإنسان. فالمسألة لا تتعلق بوسيلة للإعلام بدخول وقت الصلاة، بل بإصدار تشريع يمس أحد أبرز المظاهر الدينية والثقافية المتجذرة في المجتمع الفلسطيني، الأمر الذي يفرض تقييمه في ضوء قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، وقواعد حماية التراث الثقافي.
فالأذان يعد جزءا من الهوية التاريخية لفلسطين، ويرتبط بالحياة اليومية في مدنها وقراها منذ قرون سبقت قيام دولة إسرائيل، حتى أصبح عنصرا من عناصر الذاكرة الجماعية والمشهد الحضاري الذي يعكس خصوصية المكان وتنوعه الثقافي والديني. ومن ثم، فإن استهدافه بتشريع يفرض قيودا على رفعه لا يثير جدلا سياسيا فحسب، وإنما يطرح تساؤلا قانونيا حول مدى توافق هذا التشريع مع الالتزامات الدولية الواقعة على عاتق إسرائيل.
إن القانون الدولي لحقوق الإنسان يتضمن العديد من الاتفاقيات التي تكفل حرية الدين والمعتقد، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، الذي تنص المادة (18) منه على أن لكل إنسان الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل حرية إظهار دينه وإقامة ممارساته الدينية بصورة فردية أو جماعية، علنية أو خاصة. وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، في تعليقها العام رقم (22)، أن هذا الحق يشمل الطقوس والممارسات والرموز الدينية، وأن أي قيود تفرض عليه يجب أن تفسر تفسيرا ضيقا، وألا تمس جوهر الحق أو تفرغه من مضمونه. كما تحمي المادة (27) من العهد ذاته حق الجماعات الدينية في المحافظة على هويتها وممارسة تقاليدها الدينية دون تمييز.
ولا تقف الحماية الدولية عند حدود القانون الدولي لحقوق الإنسان، بل تمتد إلى قواعد القانون الدولي الإنساني. فالمادتان (43) و(46) من لائحة لاهاي لعام 1907 تلزمان القوة القائمة بالاحتلال باحترام الحياة العامة والمعتقدات والممارسات الدينية في الإقليم المحتل، بينما تؤكد المادتان (27) و(58) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وجوب احترام معتقدات السكان وتمكين رجال الدين من أداء رسالتهم. فالاحتلال، مهما اتسعت صلاحياته، لا ينقل السيادة إلى القوة القائمة بالاحتلال، ولا يمنحها سلطة إعادة تشكيل الهوية الدينية أو الثقافية للإقليم المحتل أو تغيير ملامحه الحضارية.
وقد كرست محكمة العدل الدولية هذه المبادئ في رأيها الاستشاري بشأن الآثار القانونية لبناء الجدار في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 2004، عندما أكدت استمرار انطباق العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى جانب قواعد القانون الدولي الإنساني.
ثم عادت المحكمة، في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 بشأن الآثار القانونية الناشئة عن سياسات وممارسات إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، لتؤكد أن جميع التشريعات والإجراءات التي تتخذها سلطة الاحتلال تخضع لرقابة القانون الدولي، ولا يجوز أن تمس حقوق السكان الفلسطينيين أو تغير الطابع القانوني أو الديمغرافي أو الثقافي للأرض المحتلة. ويترتب على ذلك أن أي تشريع يستهدف أحد المظاهر الدينية المتجذرة في المجتمع الفلسطيني يثير شبهة عدم اتساقه مع المبادئ التي أكدت عليها المحكمة بشأن حظر تغيير الطابع القانوني أو الديمغرافي أو الثقافي للأرض الفلسطينية المحتلة.
وإلى جانب مكانته الدينية، يمثل الأذان أحد عناصر التراث الثقافي غير المادي للشعب الفلسطيني، إذ أصبح عبر مئات السنين جزءا من هوية المكان وذاكرته التاريخية. وتؤكد اتفاقية اليونسكو لعام 2003 بشأن صون التراث الثقافي غير المادي أهمية حماية الممارسات والتقاليد التي تعبر عن هوية المجتمعات واستمرارها، الأمر الذي يعزز القيمة الثقافية للأذان بوصفه موروثا تاريخيا متوارثا، وليس مجرد وسيلة للإعلام بدخول وقت الصلاة.
إن خطورة مشروع القانون لا تكمن في أثره على ممارسة حق ديني فحسب، وإنما في كونه يمس أحد المكونات الأساسية للهوية الدينية والثقافية للشعب الفلسطيني، بما يثير تعارضا مع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والمبادئ الدولية التي تحمي التراث الثقافي. ولذلك، فإن مشروعية هذا التشريع لا تقاس بإقراره داخل الكنيست، وإنما بمدى توافقه مع الالتزامات الدولية الملزمة لإسرائيل.
فالتشريعات الوطنية، مهما كانت السلطة التي تصدرها، لا تكتسب مشروعيتها في القانون الدولي بمجرد إقرارها داخليا، وإنما بمدى توافقها مع الالتزامات الدولية للدولة. ومن ثم، فإن أي قانون يستهدف رمزا دينيا وثقافيا ارتبط بتاريخ فلسطين وهويتها عبر مئات السنين لا يبقى شأنا تشريعيا داخليا، بل يصبح موضع مساءلة وفق قواعد القانون الدولي، التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال باحترام حرية الدين، وصون الهوية الثقافية، والامتناع عن اتخاذ أي تدابير من شأنها تغيير الطابع الديني أو الحضاري للأرض المحتلة.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق بالجامعة الأردنية.


תגים

שתף את דעתך

قانون المؤذن في مواجهة القانون الدولي

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.