في الثامن من تموز من كل عام تستحضر الذاكرة الوطنية الفلسطينية قامة أدبية وإنسانية استثنائية، وما زال حضورها يتجاوز حدود الزمن ويقاوم محاولات الغياب.
ففي هذا اليوم من عام 1972، اغتالت يدُ الاحتلال الأديب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني ظنّا منها أن الرصاص قادر على إسكات الكلمة غير أن ما حدث كان على النقيض تماما؛ إذ تحوّل كنفاني إلى رمز خالد وأصبحت كتاباته جزءا أصيلا من الضمير الثقافي الفلسطيني والعربي والإنساني.
وكان كنفاني روائيا ومشروعا ثقافيا متكاملا جمع بين الإبداع والنقد والصحافة والفكر وأعاد صياغة الحكاية الفلسطينية التي تعد قضية إنسانية كبرى وجعل من الأدب منبرا للمقاومة ومن الرواية وثيقة تحفظ الذاكرة ومن القصة القصيرة مرآة تعكس وجع الإنسان الفلسطيني وآماله.
ولقد أسهم كنفاني في ترسيخ مكانة الأدب الفلسطيني على خارطة الأدب العالمي إذ خرج بالنص الفلسطيني من حدوده المحلية إلى فضائه الإنساني الرحب، وصارت أعماله تُقرأ بلغاتٍ عدة وتُدرّس في جامعات ومراكز بحث في مختلف أنحاء العالم وتعد نماذج رفيعة في أدب المقاومة ودراسات ما بعد الاستعمار والسرد الحديث وقضايا الهوية واللجوء والمنفى.
وقد حظي أدبه باهتمام أكاديمي واسع فأُنجزت حوله مئات الدراسات والرسائل الجامعية والأبحاث المحكمة وعُقدت المؤتمرات والندوات العلمية التي تناولت منجزه الروائي والقصصي والنقدي وأفردت له الجامعات العربية والعالمية مساحات بحثية واسعة لما تميزت به أعماله من عمق فكري وبنية فنية متماسكة، وقدرة استثنائية على تحويل التجربة الفلسطينية إلى خطاب إنساني يتجاوز الجغرافيا والزمان.
ومن أبرز أعماله الخالدة: (رجال في الشمس) التي غدت علامة فارقة في الرواية العربية الحديثة، و(عائد إلى حيفا) التي قدّمت واحدة من أعمق المقاربات الروائية لمعنى الوطن والهوية والانتماء، و(أم سعد) التي جسّدت صورة المرأة الفلسطينية بوصفها حاضنة للمقاومة، و(ما تبقّى لكم)، و(أرض البرتقال الحزين)، و(عالم ليس لنا)، إلى جانب دراساته النقدية الرائدة، وفي مقدمتها كتابه المرجعي (في الأدب الصهيوني)، الذي كشف البنية الفكرية والأيديولوجية للأدب الصهيوني بمنهج نقدي رصين.
وإن القيمة الكبرى لغسان كنفاني تكمن في غزارة إنتاجه وفي قدرته على تحويل الكلمة إلى فعل مقاومة والسرد إلى ذاكرة والشخصية الروائية إلى شاهد على التاريخ، ولقد كتب فلسطين وطناً لا يُختزل في حدود ولا تُلغيه المنافي، ولا تنال منه محاولات الطمس، فكان صوته صوت شعب بأكمله وكانت شخصياته تنبض بحياة الفلسطيني أينما كان.
وفي ذكرى استشهاده تؤكد وزارة الثقافة أن الوفاء لغسان كنفاني يكون باستذكار سيرته وبقراءة أعماله وتشجيع الأجيال الجديدة على اكتشاف إرثه الفكري والإبداعي، وصون حضوره في الوعي الوطني والثقافي فهو أحد أبرز البنّائين الكبار للهوية الأدبية الفلسطينية الحديثة، وأحد الأصوات التي جعلت من الأدب جبهة متقدمة للدفاع عن الحقيقة والحرية والكرامة.
رحل غسان كنفاني جسداً وبقي نصّه حيّاً؛ لأن الكلمة التي تنحاز إلى الإنسان لا تموت ولأن الأدب الصادق يظل قادرا على عبور الأزمنة حاملا ذاكرة الوطن، وحارسا لروايته ومنيرا طريق الأجيال نحو الحرية.
* مدير عام الآداب والنشر والمكتبات في وزارة الثقافة.
א 12 יול 2026 11:30 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
غسان كنفاني.. الكلمة التي لم تُغتل