يسود بين الناس اعتقاد بأن استهلاك كميات ضخمة من المياه يعمل على 'تنظيف الكلى' وطرد السموم، إلا أن المنظور العلمي يضع هذه الفرضية في إطار أكثر دقة. فالحقيقة هي أن السوائل تساعد الكلى على أداء مهامها الحيوية الطبيعية، لكنها لا تعمل كآلية غسيل ميكانيكية أو علاج للأمراض المزمنة كما يروج البعض.
تقوم الكلى بتنقية الدم بشكل مستمر من خلال ترشيح الفضلات والسوائل الزائدة، مع الحفاظ على توازن دقيق للأملاح والمعادن ومستويات الحموضة. وينتج عن هذه العملية البول الذي يحمل نواتج الفضلات مثل اليوريا والكرياتينين، وهنا يبرز دور الماء في الحفاظ على حجم سوائل يضمن كفاءة هذا الترشيح.
تؤكد الدراسات الطبية أن الترطيب الجيد يسهل وصول الدم إلى الكلى عبر الأوعية الدموية، مما يعزز قدرتها على التخلص من السموم بفعالية. ومع ذلك، فإن هذه الفائدة لا تعني بالضرورة أن الإفراط المبالغ فيه في شرب الماء يمنح الجسم مزايا إضافية، بل قد ينعكس سلباً في حالات معينة.
تختلف الاحتياجات اليومية للمياه من شخص لآخر بناءً على عوامل متعددة تشمل العمر، ومستوى النشاط البدني، وطبيعة المناخ المحيط، بالإضافة إلى الحالة الصحية العامة. فما يناسب شخصاً رياضياً في طقس حار قد لا يناسب شخصاً يعاني من مشاكل صحية كامنة تتطلب توازناً دقيقاً للسوائل.
بالنسبة لمرضى الكلى أو القلب أو الكبد، قد تكون التوصيات الطبية مغايرة تماماً للعرف السائد، حيث يُطلب منهم أحياناً تقليل كميات السوائل. فالكلى المصابة بفشل متقدم لا تستطيع التعامل مع الفائض المائي، مما قد يسبب تورماً في الأطراف أو ارتفاعاً في ضغط الدم وضيقاً في التنفس.
شرب كمية كافية من السوائل هو أهم إجراء غذائي للمساعدة في الوقاية من حصوات الكلى، ما لم يكن الشخص مصاباً بفشل كلوي.
تتجلى الأهمية القصوى لشرب الماء في الوقاية من حصوات الكلى، حيث تتكون هذه الحصوات نتيجة تركز الأملاح والمعادن في البول وتشكيل بلورات صلبة. وعند الحفاظ على ترطيب مستمر، يصبح البول أقل تركيزاً، مما يمنع التصاق تلك البلورات ببعضها ويقلل فرص تكون الحصوات المؤلمة.
يشير المعهد الوطني الأمريكي للسكري وأمراض الكلى إلى أن شرب السوائل هو الركيزة الأساسية للوقاية من الحصوات، لكنه يحذر من تعميم هذه القاعدة. فإذا كانت هناك حصوة كبيرة بالفعل أو انسداد في مجرى البول، فإن زيادة شرب الماء وحدها لن تحل المشكلة وقد تتسبب في مضاعفات إضافية.
من الناحية الأخرى، يحذر الأطباء من مخاطر الإفراط المفرط في شرب الماء خلال فترات زمنية قصيرة، وهو ما قد يؤدي إلى حالة 'نقص صوديوم الدم'. هذه الحالة تحدث عندما تعجز الكلى عن تصريف الفائض المائي، مما يؤدي لتخفيف تركيز الصوديوم في الدم بشكل يهدد سلامة الخلايا.
تورد تقارير طبية من 'مايو كلينك' أن أعراض نقص الصوديوم قد تبدأ بالغثيان والصداع والتشوش الذهني، وقد تتطور في الحالات الحادة إلى تشنجات أو فقدان للوعي. وتزداد هذه المخاطر لدى الرياضيين الذين يتناولون كميات هائلة من الماء دون تعويض الأملاح المفقودة عبر العرق.
أما فيما يخص برامج 'ديتوكس الكلى' الشائعة، فلا توجد أدلة علمية رصينة تدعم قدرتها على تنقية الكلى السليمة بشكل يفوق قدرتها الطبيعية. بل إن بعض هذه الوصفات العشبية قد تشكل خطراً داهماً على المرضى الذين يتناولون أدوية الضغط أو السكري، مما يستوجب استشارة طبية فورية عند ظهور أي أعراض غير طبيعية.





שתף את דעתך
هل شرب المياه بكثرة ينظف الكلى فعلاً؟ حقائق علمية تصحح المفاهيم الشائعة