لا تزال أروقة السلطة في العاصمة الإيرانية طهران تشهد حالة من الغموض والارتباك الإداري، حيث بقيت مناصب عليا وحساسة في هيكل الدولة شاغرة لأكثر من أربعة أشهر. وتتطلب هذه المناصب السيادية صدور مراسيم مباشرة من المرشد الأعلى، وهو ما لم يحدث منذ تولي مجتبى خامنئي زمام الأمور خلفاً لوالده، وسط تقارير تشير إلى غيابه عن المشهد العام خلال الفترة الماضية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن النظام الإيراني لم يتخذ حتى الآن قرارات حاسمة لتعيين بدلاء لعشرات القادة والمسؤولين الذين قضوا في العمليات العسكرية الأخيرة. ومن أبرز تلك المواقع الشاغرة رئاسة جهاز استخبارات الحرس الثوري، ووزارة الاستخبارات، وقيادة قوات الباسيج، بالإضافة إلى أمانة مجلس الدفاع الأعلى التي تعد المحرك الرئيسي للقرارات العسكرية.
وعلى الرغم من ادعاءات المسؤولين المتبقين في السلطة بوجود خطط طوارئ وتحديد 'خلفاء للخلفاء' لضمان استمرارية العمل، إلا أن الواقع يشير إلى فقدان عدد كبير من هؤلاء المرشحين أيضاً خلال المواجهات. هذا الفراغ دفع ببعض المؤسسات إلى الاعتماد على قائمين بالأعمال أو تعيينات مؤقتة لم تحظَ بالصفة الرسمية الدائمة التي يمنحها مرسوم المرشد.
ويبرز منصب أمين مجلس الدفاع الأعلى كأحد أكثر الملفات تعقيداً، حيث كان يشغله علي شمخاني قبل مقتله، وهو المنصب الذي ينسق الردود العسكرية والمفاوضات الاستراتيجية. ورغم صدور بيانات النعي الرسمية، لم يتم الإعلان عن شخصية بديلة تتولى هذه المهام الجسيمة، مما يترك ثغرة في آلية إدارة الأزمات الكبرى في البلاد.
وفي سياق متصل، يعاني المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية من فراغ مماثل بعد مقتل رئيسه كمال خرازي، الذي كان يمثل حلقة الوصل الدبلوماسية للمرشد. وتتحدث مصادر عن قيام محمد باقر قاليباف ببعض هذه المهام بشكل غير رسمي، لكن غياب التعيين الرسمي يضعف من فاعلية التحركات الدبلوماسية الإيرانية في الملفات الدولية الحساسة.
أما جهاز استخبارات الحرس الثوري، فقد تعرض لضربة مزدوجة بفقدان رئيسين متتاليين، هما محمد كاظمي ومجيد خادمي، في أقل من عام واحد. هذا الوضع الاستثنائي أثار تساؤلات عميقة حول قدرة الجهاز على إعادة ترتيب صفوفه، خاصة وأن تعيين رئيس جديد يتطلب موافقة مباشرة ومكتوبة من المرشد الأعلى للجمهورية.
وعلى الصعيد الحكومي، لا يزال الغموض يلف وزارة الدفاع ووزارة الاستخبارات، حيث تديرهما شخصيات بصفة 'قائم بالأعمال'. وفي حالة وزارة الاستخبارات، لم يتم الكشف حتى عن اسم الشخص الذي يدير الوزارة، وهو إجراء عزاه مراقبون إلى دواعي أمنية مشددة أو وجود خلافات حادة حول هوية الوزير القادم.
استمرار الصمت بشأن التعيينات يثير تساؤلات حول آلية اتخاذ القرار في أعلى المستويات الأمنية ومكانة مجتبى خامنئي الفعلية في منظومة الحكم.
وفيما يخص قوات الباسيج، التي تعد الركيزة الأساسية للنظام في السيطرة الداخلية، لم يصدر قرار بتعيين خلف لغلام رضا سليماني. ورغم تداول اسم حسين طائب كمرشح محتمل، إلا أن مكتب المرشد التزم الصمت، مما يعكس حالة من التردد في اختيار شخصية قادرة على ضبط المشهد الداخلي في ظل الظروف الراهنة.
قيادة الحرس الثوري شهدت تعيين أحمد وحيدي قائداً عاماً، إلا أن هذا التعيين الذي تم خلال فترة 'مجلس القيادة' لم يثبت بمرسوم مستقل من مجتبى خامنئي بعد توليه المنصب. كما أن معظم مناصب نواب القائد ورؤساء الهيئات الاستراتيجية داخل الحرس لا تزال تدار دون إعلان رسمي عن شاغليها الدائمين.
وامتد الفراغ القيادي ليشمل هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، حيث قتل نواب رئيس الأركان للعمليات والاستخبارات والإمداد. هؤلاء المسؤولون الذين يمثلون عصب التخطيط العسكري لم يتم استبدالهم بوجوه معلنة، مما يثير تكهنات حول رغبة النظام في إخفاء هيكله القيادي الجديد لحمايته من الاستهداف المستقبلي.
القوة الجوفضائية، التي تعد الذراع الطولى لإيران، فقدت هي الأخرى عدداً كبيراً من قادتها الميدانيين ورؤساء مكاتبها الحساسة. ورغم تسمية مجيد موسوي خلفاً لأمير علي حاجي زاده، إلا أن بقية الهيكل القيادي لهذه القوة لا يزال مجهولاً، مما يشير إلى تغييرات جذرية في تكتيكات الإعلان عن القيادات العسكرية.
وفي جهاز الشرطة، تكرر المشهد ذاته مع مقتل رئيس استخبارات الشرطة غلام رضا رضائيان، حيث لم يعلن عن بديل له حتى الآن. ويعد هذا المنصب حيوياً للأمن الداخلي، مما يجعل التأخر في التعيين مؤشراً على وجود معضلات في اختيار الكفاءات الأمنية التي تحظى بثقة الدوائر الضيقة في السلطة.
ويرى محللون أن هذا الصمت الرسمي قد يكون رسالة سياسية بحد ذاتها، تعكس تحول موازين القوى لصالح نواة أمنية وعسكرية متشددة داخل الحرس الثوري. ويبدو أن بنية اتخاذ القرار بعد الحرب أصبحت أكثر انغلاقاً، حيث يتم تفضيل السرية المطلقة على الإجراءات البروتوكولية المعتادة في نشر المراسيم والتعيينات.
في نهاية المطاف، يواجه مجتبى خامنئي تحدياً مصيرياً في ترسيخ سلطته وإعادة بناء هيكل القيادة الذي تعرض لأعنف ضربة في تاريخ النظام. وستكشف الأيام المقبلة ما إذا كان هذا الشغور نتيجة صراعات أجنحة داخلية، أم أنه استراتيجية أمنية جديدة تهدف إلى حماية ما تبقى من قيادات الصف الأول في وجه التهديدات الخارجية.





שתף את דעתך
فراغ قيادي في طهران: مناصب سيادية شاغرة بانتظار مراسيم المرشد الجديد