د. أحمد رفيق عوض: كان على الفريق المؤسس اختراع لغة صحفية تناسب الناس والمرحلة لكن مشاعر الزهو والانتماء تغلبت على كل مصاعب التأسيس
خالد مسمار: تجربة الإذاعة بالخارج والداخل واجهت استهدافاً متواصلاً من الاحتلال بما يعكس إدراكاً لأهمية الإعلام الفلسطيني بكشف جرائمه
عايد عويمر: الخطاب الإعلامي للإذاعة يرتكز على حقوق الشعب الفلسطيني والدفاع عن روايته الوطنية وكذلك فضح جرائم الاحتلال وسياساته
خالد صيام: روح الانتماء كانت المحرك لتجربة الإذاعة ولم يكن العاملون ينظرون للعائد المادي بل لأهمية بناء أول مؤسسة إذاعية على أرض فلسطين
محمد الباز: "صوت فلسطين" بقيت إذاعة جامعة لا تعبّر عن فصيل بعينه وإنما عن مختلف مكونات الشعب الفلسطيني كامتداد لنهج إذاعة الثورة
وصال أبو عليا: قيمة الإعلام الوطني لا تُقاس بالتطور التقني وحده بل بقدرته على حماية السردية الفلسطينية والدفاع عن الحقيقة وصون الذاكرة
رام الله - خاص بـ"القدس"-
تحمل الذكرى الثانية والثلاثون لانطلاق إذاعة "صوت فلسطين" الرسمية شهادات مؤسسيها وإعلامييها، الذين يستعيدون رحلة ولادة أول إذاعة وطنية فلسطينية من أرض الوطن، وسط ظروف صعبة وإمكانات محدودة، لكن بإرادة كبيرة جعلت منها منبراً للرواية الفلسطينية وحارساً للهوية الوطنية، ولا زالت تواصل عملها تتحدى كل الظروف.
ويجمع المؤسسون والإذاعيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، على أن الإذاعة شكّلت امتداداً لتجربة "صوت العاصفة"، صوت الثورة الفلسطينية، قبل أن تنطلق من أريحا في الثاني من يوليو / تموز 1994، لتواكب بناء مؤسسات السلطة الوطنية، وتطوّر خطاباً إعلامياً حافظ على الثوابت الوطنية، رغم التحولات السياسية والتكنولوجية واستهداف الاحتلال المتكرر لمقارها وكوادرها.
ويؤكدون أن قوة "صوت فلسطين" لم تكن في إمكاناتها المادية، بل في روح الانتماء التي قادت العاملين إليها، واستمرار رسالتها في الدفاع عن الرواية الفلسطينية، ومواكبة هموم المواطنين، وتطوير أدواتها الإعلامية، بما يضمن بقاء الكلمة الوطنية حاضرة في مواجهة محاولات التزييف والإسكات.
مزيج من الفخر والانتماء للمشروع الوطني
يروي الكاتب والمحلل السياسي وأحد المذيعين المؤسسين، وأول من دشن بصوته أثير إذاعة صوت فلسطين الرسمية، د.أحمد رفيق عوض، تفاصيل الأيام الأولى لانطلاق إذاعة "صوت فلسطين" الرسمية، مستعيداً مرحلة يصفها بأنها كانت مزيجاً من الفخر والإيمان بالمشروع الوطني والعمل التطوعي، حيث شعر الفريق المؤسس بأنه يشارك في صناعة تاريخ جديد للإعلام الفلسطيني، ويضع اللبنة الأولى لمؤسسة ستصبح لاحقاً أحد أبرز الأصوات الوطنية، مؤكداً أنه كان على الفريق المؤسس اختراع لغة صحفية تناسب الناس والمرحلة، لكن مشاعر الزهو والانتماء تغلبت على كل مصاعب التأسيس.
ظروف استثنائية في البدايات
ويؤكد عوض أن انطلاقة الإذاعة في الثاني من يوليو/ تموز من عام 1994 بمدينة أريحا وما تبعها في البدايات اتسمت بظروف استثنائية، إذ عمل الفريق لساعات طويلة امتدت على مدار اليوم، من دون رواتب أو حوافز أو سياسات تحريرية جاهزة أو أطر مرجعية تنظم العمل.
ويشدد عوض على أن كل ما أُنجز آنذاك كان ثمرة اجتهادات شخصية وإحساس عالٍ بالمسؤولية والانتماء، حتى إن العاملين كانوا ينامون في الغرفة الضيقة نفسها التي يحررون فيها الأخبار، بينما شاركوا بأنفسهم في حمل المعدات وتركيبها وتجهيز الاستوديو وعزله، في وقت كان الطعام يصلهم من قوات الأمن الوطني بسبب ضيق الإمكانات.
حضور في الذاكرة
ويستحضر عوض أسماء عدد من المؤسسين الذين شاركوا في تلك التجربة، من بينهم: إبراهيم ملحم، وعاصف حميدي، وأحمد زكي، ويوسف محمود، ونصير فالح، وجمال معاري، موضحاً أن الفريق كان محلياً في بدايته قبل انضمام كوادر عادت من المنافي، وأن الجميع تقاسموا مشقة العمل وإحساسهم بأنهم يؤسسون لمرحلة وطنية جديدة تستحق التضحية.
ويشير عوض إلى أن أحد أكبر التحديات في البدايات لم يكن تقنياً فقط، بل تمثل أيضاً في ابتكار لغة صحفية جديدة تتلاءم مع طبيعة المرحلة السياسية، والاتفاقات القائمة، وتطلعات الشعب الفلسطيني، في ظل غياب أي توجيهات أو سياسات تحريرية جاهزة.
ويؤكد عوض أن النقاشات والاختلافات داخل الفريق قادت في النهاية إلى صياغة خطاب إعلامي حظي بقبول شعبي وسياسي.
جزء من المنظومة السياسية والعقل المجتمعي
ويرى عوض أن "صوت فلسطين" لم تكن مجرد وسيلة إعلام، بل أصبحت جزءاً من المنظومة السياسية والعقل المجتمعي الفلسطيني، ولذلك تعرض، شأنه شأن مؤسسات فلسطينية أخرى، لضغوط واستهداف مباشر، مذكراً بقصف مقري الإذاعة في رام الله وغزة، وما ترتب على ذلك من أثمان دفعتها المؤسسة والعاملون فيها.
مدرسة إعلامية عربية
ورغم ما يثار من نقاش حول أداء الإذاعة بعد تحولها إلى مؤسسة رسمية، ولا سيما في ظل الانقسام الفلسطيني، يؤكد عوض أن التجربة، بعد أكثر من ثلاثة عقود، تحولت إلى مدرسة إعلامية عربية خرّجت أجيالاً من الإعلاميين ورسخت أساليب في التحرير والإلقاء، وظلت محافظة على حضورها في بيئة مليئة بالصراعات والتحديات.
ويشدد عوض على أن ذكرى تأسيس إذاعة صوت فلسطين ستبقى بالنسبة إليه لحظة لصناعة الأمل، وذكرى لا يمكن أن تغيب عن وجدان كل من شارك في ولادة هذا الصوت.
إنشاء الإذاعة ضرورة وطنية
يستعيد الإذاعي خالد مسمار، أحد مؤسسي إذاعة الثورة "صوت العاصفة"، البدايات الأولى للإعلام الإذاعي الفلسطيني، مؤكداً أن فكرة إنشاء إذاعة فلسطينية لم تكن مجرد مشروع إعلامي، بل ضرورة وطنية فرضتها ظروف الشتات والحاجة إلى منبر يخاطب الفلسطينيين والعالم، وينقل صوت الثورة الفلسطينية في مرحلة مفصلية من تاريخ القضية.
ويروي مسمار أن انطلاق الإذاعة جاء في الخارج، في وقت كان الفلسطينيون موزعين في المنافي، وكان العمل الفدائي بحاجة إلى ذراع إعلامية تواكب حضوره السياسي والعسكري.
تحول مهم في تاريخ التأسيس
ويشير مسمار إلى أن التحول جاء عقب معركة الكرامة عام 1968، عندما توطدت العلاقة بين قيادة حركة فتح والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي وافق، بعد لقاءات مع قيادة الحركة، على تخصيص موجة من إذاعة الشرق الأوسط في القاهرة لإطلاق إذاعة "صوت العاصفة"، صوت الثورة الفلسطينية.
ويؤكد مسمار أن المشروع لم يكن يقتصر على توفير تردد إذاعي، بل استلزم بناء تجربة إعلامية جديدة تختلف عن الخطاب الإذاعي السائد آنذاك، خصوصاً بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967 وما خلفته من آثار نفسية وسياسية على الفلسطينيين والعرب.
هكذا كانت البداية
وبحسب مسمار، فإنه لذلك كُلّف الإعلامي الراحل فؤاد ياسين بتشكيل فريق جديد من الطلبة الفلسطينيين الدارسين في القاهرة، واختيار أصوات قادرة على مخاطبة الجمهور بلغة مختلفة.
وكان خالد مسمار واحداً من أربعة مذيعين شكلوا النواة الأولى، إلى جانب عبد الشكور التوتنجي، والطيب عبد الرحيم، ويحيى العمري، فيما تلقى الفريق تدريباً مكثفاً على الإلقاء والكتابة وصياغة الرسالة الإعلامية.
ويوضح مسمار أن العمل لم يقتصر على نشرات الأخبار، بل شمل إنتاج أناشيد وطنية قصيرة شارك في إعدادها شعراء وملحنون فلسطينيون ومصريون، وأسهمت في رفع المعنويات، لتصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية، بينما ارتكز الخطاب الإعلامي على ما كان فؤاد ياسين يصفه بـ"الكلمة الأمينة المعبّرة عن الطلقة الشجاعة" التي يطلقها الفدائي الفلسطيني.
الإذاعة على أرض الوطن
وعن انتقال الإذاعة إلى أرض الوطن بعد اتفاق أوسلو، وتأسيس إذاعة صوت فلسطين استكمالاً لإذاعة "صوت العاصفة"، يوضح مسمار أنه لم يشارك في تأسيس إذاعة "صوت فلسطين"، إذ كان قد انتقل إلى العمل في التوجيه الوطني والسياسي، لكنه أسهم عبر برنامج إذاعي مخصص لقوات الأمن الوطني والأجهزة الأمنية، فيما تولى مهمة التأسيس عدد من كوادر الداخل إلى جانب إعلاميين قدموا من الخارج.
استهداف الإذاعة
ويشير مسمار إلى أن تجربة الإذاعة، سواء في الخارج أو الداخل، واجهت استهدافاً متواصلاً من الاحتلال الإسرائيلي، من ملاحقة مواقع البث في لبنان إلى تدمير مقرات الإذاعة وأجهزة الإرسال في رام الله وغزة، معتبراً أن ذلك يعكس إدراك الاحتلال لأهمية الإعلام الفلسطيني في كشف جرائمه.
ويوجه مسمار بتحية إلى العاملين في "صوت فلسطين" عبر مختلف مراحلها، داعياً إلى مواصلة الرسالة الوطنية مع مراعاة خصوصية العمل داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية، ومعبراً عن أمله في أن يواصل هذا الصوت تطوره حتى يتحقق الحلم الذي كان يردده الرئيس الراحل ياسر عرفات، بأن ينطلق البث يوماً من القدس.
الاحتفاظ بالمكانة الرمزية بالوعي والوجدان
يرى رئيس قطاع إذاعة "صوت فلسطين" الرسمية، عايد عويمر، أن الإذاعة لا تزال، بعد 32 عاماً على انطلاقها في أرض الوطن، تحتفظ بمكانتها الرمزية في الوعي والوجدان الفلسطيني، باعتبارها مؤسسة إعلامية ارتبطت بمسيرة القضية الفلسطينية منذ سنوات الثورة حينما انطلقت باسم "صوت العاصفة"، وواصلت أداء دورها الوطني بعد انطلاقتها على أرض الوطن، رغم التحولات السياسية والتكنولوجية التي شهدها العالم.
مسيرتها مع الثورة
ويستعرض عويمر مسيرة الإذاعة، موضحاً أنها رافقت قيادة الثورة الفلسطينية في العواصم التي تنقلت بينها، وحملت منذ تأسيسها رسالة الدفاع عن فلسطين أرضاً وشعباً وقضية، مستندة إلى الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في الوجود وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
ويشير عويمر إلى أن هذه الرسالة انتقلت إلى أرض الوطن مع دخول السلطة الوطنية الفلسطينية، وانطلقت الإذاعة مجدداً من أرض الوطن في الثاني من يوليو/تموز 1994، معتبراً تلك اللحظة تجسيداً للكيانية السياسية الفلسطينية بعد سنوات طويلة من التضحيات.
مواكبة العصر
ويؤكد عويمر أن الإذاعة، رغم المنافسة الكبيرة التي فرضتها الثورة الرقمية وتعدد وسائل الإعلام، لا تزال تحظى بثقة الجمهور، وأنها حافظت على نهجها ورسالتها الوطنية إلى جانب مكونات الاعلام الرسمي، مع تطوير أدواتها الإعلامية بما يواكب العصر.
ويقول عويمر: "إن الإذاعة طوّعت التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي، بتوجيهات من المشرف العام على الإعلام الرسمي الوزير أحمد عساف، لتوسيع حضورها عبر منصات مثل فيسبوك، وتيك توك، وإكس، بما يضمن استمرار إيصال الصوت الفلسطيني إلى مختلف أنحاء العالم".
مواصلة نقل المعاناة
ويشير عويمر إلى أن رسالة الإذاعة لا تقتصر على نقل الأخبار، بل تمتد إلى نقل معاناة الفلسطينيين، واستقطاب الرأي العام الدولي لمساندة القضية الفلسطينية، خصوصاً في ظل حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني.
ويوضح عويمر أن الإذاعة لم تغفل القضايا الداخلية، حيث عملت من خلال برامج متخصصة على أداء دور الوسيط بين المواطنين والمسؤولين، وأسهمت في معالجة العديد من القضايا اليومية، انطلاقاً من إيمانها بأن تعزيز صمود المواطنين مسؤولية وطنية مشتركة.
ويشدد عويمر على أن الخطاب الإعلامي للإذاعة والإعلام الرسمي بقي ثابتاً، مرتكزاً إلى الحقوق الوطنية الفلسطينية، والتعبير عن تطلعات الفلسطينيين إلى الحرية والاستقلال، وفضح جرائم الاحتلال والدفاع عن الرواية الفلسطينية في مختلف المنابر.
تسخير الإمكانات لنقل جرائم الاحتلال
وفي معرض حديثه عن تغطية العدوان الإسرائيلي وحرب الإبادة، يوضح عويمر أن الإعلام الرسمي الفلسطيني، وبضمنه الإذاعة، سخّر إمكاناته لنقل جرائم الاحتلال بالصوت والصورة، مستفيداً من منصات رقمية وبلغات متعددة، مؤكداً أن هذا الحضور، إلى جانب جهود وسائل الإعلام الوطنية الأخرى، أسهم في تعزيز التضامن الشعبي الدولي مع الفلسطينيين، والذي تجسد في مظاهرات شهدتها عواصم عديدة حول العالم.
توظيف التكنولوجيا لخدمة رسالتها الإعلامية
وعن أبرز التحديات، يعتبر عويمر أن التراجع الذي شهدته وسائل الإعلام التقليدية أمام المنصات الرقمية يمثل التحدي الأكبر، لكنه يؤكد أن "صوت فلسطين" قطعت شوطاً مهماً في توظيف التكنولوجيا لخدمة رسالتها الإعلامية. ويشدد عويمر على أن الإذاعة ستبقى وفية لرسالتها الوطنية، ولشهداء الشعب الفلسطيني والأسرى، وللرواد الذين أسسوا الإعلام الفلسطيني، مؤكداً استمرارها كأداة مهمة في الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية مهما بلغت التحديات.
حكاية التأسيس الأولى
يستعيد الإذاعي خالد صيام، أحد مؤسسي إذاعة "صوت فلسطين" والمدير العام الأسبق للإذاعة، تفاصيل الأيام الأولى لانطلاق الإذاعة في الثاني من تموز/يوليو 1994، واصفاً التجربة بأنها كانت ولادة مؤسسة وطنية سبقتها سنوات طويلة من انتظار الفلسطينيين لصوت ينبعث من أرضهم، بعد عقود كانوا خلالها يتابعون إذاعة "صوت العاصفة"، صوت الثورة الفلسطينية، من الخارج، أحياناً سراً، في وقت كان الاستماع إليها قد يعرّض صاحبه للملاحقة والسجن.
ويقول صيام: "إن تأسيس الإذاعة جاء مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وبدء إعادة الانتشار في أريحا عقب اتفاق أوسلو، لتشكل امتداداً لتجربة الإعلام الفلسطيني في الخارج، ولإذاعة (هنا القدس) التاريخية".
ويؤكد صيام أن البدايات لم تكن سهلة، إذ انطلقت الإذاعة من مدينة أريحا بإمكانات تقنية متواضعة جداً، لكنها اعتمدت على تفاعل الصحفيين والإعلاميين في الداخل، إلى جانب كوادر عادت من الخارج حاملة خبرات إذاعية تراكمت خلال سنوات العمل في المنفى.
روح الانتماء المحرك الحقيقي لتجربة الإذاعة
ويشير صيام إلى أن روح الانتماء كانت المحرك الحقيقي لتجربة الإذاعة، فالعاملون لم يكونوا ينظرون إلى ساعات العمل أو العائد المادي، بل إلى أهمية بناء أول مؤسسة إذاعية وطنية على أرض فلسطين.
ويستذكر أن الرواتب تأخرت أشهراً، وكان ما يتقاضاه العاملون مجرد سلف مالية محدودة لا تكفي لمتطلبات الحياة، لكن ذلك لم يؤثر في اندفاعهم لإنجاح المشروع، لأن الجمهور كان متعطشاً لسماع صوت يصدر من الوطن ويعبر عن قضاياه.
ويستعيد صيام تجربته الشخصية، موضحاً أنه عاد إلى فلسطين منتصف عام 1994، وكان من بين المؤسسين الذين عملوا ليلاً ونهاراً لإطلاق الإذاعة، مستفيدين من خبراتهم السابقة.
الثنائي إبراهيم ملحم ودانييلا خلف
ويؤكد صيام أن النجاح تحقق بفضل روح الفريق، مستشهداً ببرنامج "فلسطين صباح الخير" الذي قدمه الثنائي: إبراهيم ملحم ودانييلا كريم خلف، وحقق حضوراً واسعاً في الشارع الفلسطيني، إلى جانب البرامج التي أسهمت في ترسيخ مكانة الإذاعة.
أحمد رفيق عوض الأثير الأول
ويلفت صيام إلى أن أول صوت انطلق عبر بث الأثير التجريبي للإذاعة ليلة 30 يونيو/ حزيران 1994، كان صوت د.أحمد رفيق عوض.
ويؤكد صيام أن عمله الإعلامي وتجربته في الخارج امتد لاحقاً إلى تأسيس إذاعة "صوت فلسطين – البرنامج الثاني" في قطاع غزة عام 2000.
استهداف ممنهج
ويتوقف صيام مطولاً عند الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت الإذاعة، مشيراً إلى تدمير مركز التبادل ومحطة الإرسال في رام الله، وقصف مبنى البرنامج الثاني في غزة الذي عاد إلى البث بعد 45 دقيقة فقط من تحت الركام، ثم تجريف محطة الإرسال التاريخية التي كانت تبث عبر الموجة المتوسطة، وصولاً إلى تدمير مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون وبرج الإرسال في رام الله.
ويؤكد أن هذه الهجمات لم تستهدف المباني فحسب، بل طالت الأرشيف التاريخي للإذاعة في محاولة لإسكات الرواية الفلسطينية.
ويرى صيام أن قوة "صوت فلسطين" في بداياتها كانت تكمن في التركيز على جودة اللغة والمحتوى والجرأة في تناول قضايا الناس، أكثر من اعتمادها على الإمكانات المادية.
ويشير صيام إلى أن تطور التكنولوجيا في الوقت الراهن وفر أدوات أفضل، وأسهمت في انتشار أوسع للإذاعة.
في الغياب حضور
ويستذكر صيام ممن رحلوا من كوادر الإذاعة، وفي مقدمتهم: رئيس الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون رضوان أبو عياش، وكادر الإذاعة: يوسف القزاز، وعارف سليم، وإبراهيم الدسوقي، وخالد الدباس، وأحمد عريقات، والمهندس سمير الشريف، وسليم أبو عمرو، وكمال علاونة، وسعيد عياد، إلى جانب شهداء الإذاعة، ومنهم: المهندس جميل نواورة، وعصام التلاوي، وعصام اللولو، وتميم معمر، وإسماعيل المبحوح، مستذكراً أيضاً أن الشهيدة شيرين أبو عاقلة كانت من أوائل كوادر الإذاعة، قبل أن تلتحق بعملها في قناة الجزيرة.
امتداد لتجربة "صوت العاصفة"
يستعيد الإذاعي محمد الباز، أحد مؤسسي إذاعة "صوت فلسطين" في قطاع غزة، مسيرة الإذاعة باعتبارها امتداداً لتجربة "صوت العاصفة"، صوت الثورة الفلسطينية التي انطلقت من المنافي، مؤكداً أن ولادة "صوت فلسطين" في الثاني من يوليو/ تموز 1994، على أرض الوطن لم تكن بداية جديدة بقدر ما كانت تتويجاً لمسيرة إعلامية امتدت لعقود، حملت خلالها الإذاعة الفلسطينية الرواية الوطنية من عاصمة إلى أخرى حتى عادت إلى أرض الوطن.
ويشير الباز إلى أن اللبنات الأولى لهذه التجربة وضعها الإعلامي الراحل فؤاد ياسين، الذي شكّل الخلية المؤسسة لإذاعة "صوت العاصفة" وضمت: الطيب عبد الرحيم، ويحيى العمري، وعبد الشكور التوتنجي، وخالد مسمار، قبل أن ينضم إليها لاحقاً يحيى رباح، ونبيل عمرو، وأحمد عبد الرحمن، وزياد عبد الفتاح، وبركات زلوم، وعبد المجيد فرعون، فيما ينتمي هو شخصياً إلى الجيل الثاني، بعد أن تولى مسؤولية إذاعة "صوت الثورة" في عدن منذ عام 1978، قبل أن يشغل لاحقاً مناصب مدير عام البرامج ومدير عام التدريب والتطوير في هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية، ويشارك في تأسيس الهيئة و"صوت فلسطين" في قطاع غزة عام 1994.
ويؤكد الباز أن انطلاق الإذاعة من أريحا لم يكن ليتحقق لولا مساهمة مؤسسة "فريدريش" الألمانية، والخبير الألماني الذي نجح في نقل أجهزة البث والاستوديو إلى أريحا عبر الحواجز الإسرائيلية، بالتزامن مع وصول الرئيس الراحل ياسر عرفات إلى أرض الوطن.
تحول رمزي عميق
ويصف الباز اللحظة التي صدح فيها صوت د.أحمد رفيق عوض قائلاً: "هنا صوت فلسطين"، بأنها شكلت تحولاً رمزياً عميقاً، موضحاً أن الفرق بين عبارة "هذا صوت فلسطين"، التي كانت تستخدمها إذاعات الثورة في الخارج، و"هنا صوت فلسطين"، يعكس انتقال الصوت من المنفى إلى الوطن.
ويعود الباز إلى البدايات الأولى في القاهرة عام 1968، عندما انطلقت إذاعة "صوت العاصفة" من شارع الشريفين عبر إذاعة الشرق الأوسط، مستفيدة من انتقال "صوت العرب" إلى مبنى ماسبيرو.
ويستذكر الباز البرامج الأولى، مثل: "خبر وتعليق"، و"كلمات إلى فلسطين.. الوطن والشعب"، و"بلادنا فلسطين.. أقدم أرض أشرق عليها تاريخ الإنسان"، و"حديث الأرض المحتلة"، إلى جانب الأناشيد الثورية التي كتبها أبو الصادق الحسيني وسعيد المزين، ولحنها الموسيقار المصري عبد العظيم محمد، والتي يرى أنها أسهمت في رفع معنويات الفلسطينيين وترسيخ الهوية الوطنية.
توسيع المحتوى
ويقول الباز: "إن عودة الإذاعة إلى الوطن فتحت المجال أمام توسيع المحتوى، إذ نجحت (صوت فلسطين) خلال عام ونصف فقط في إنتاج نحو 62 برنامجاً سياسياً وثقافياً ودينياً ورياضياً وتعليمياً وصحياً وزراعياً، إلى جانب برامج مخصصة للأسرى والشهداء، كما شهدت انطلاقة (صوت فلسطين – البرنامج الثاني) في غزة يوم الأرض عام 2000، والذي شارك في افتتاحه الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح وشخصيات عربية وفلسطينية".
ويشدد الباز على أن "صوت فلسطين" بقيت إذاعة وطنية جامعة لا تعبّر عن فصيل بعينه، وإنما عن مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، وهو ما اعتبره امتداداً لنهج إذاعة الثورة الفلسطينية.
ويلفت الباز إلى أن التحديات لم تتوقف، سواء في بدايات التأسيس مع محدودية الكوادر والإمكانات، أو خلال الحرب الحالية التي أنهت وجود إذاعة غزة، وأدت إلى استشهاد عدد من العاملين في هيئة الإذاعة والتلفزيون، ضمن مئات الصحفيين الفلسطينيين الذين فقدوا حياتهم.
ويؤكد الباز أن الإعلام الفلسطيني، بكل مكوناته من التلفاز والإذاعة والصحافة المكتوبة، سيظل جزءاً من مشروع التحرر الوطني، موجهاً التحية إلى شهداء الإعلام والأسرى، ومشدداً على أن الكلمة ستبقى تُكتب بالدم من أجل فلسطين حتى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
ذاكرة وطنية مهمة
لا تنظر المذيعة في إذاعة "صوت فلسطين" وصال أبو عليا إلى الإذاعة بوصفها مؤسسة إعلامية تقليدية، بل باعتبارها ذاكرة وطنية رافقت الفلسطينيين في أكثر محطاتهم تعقيداً، وحملت، عبر أثيرها، الرواية الفلسطينية من المنافي إلى الوطن، ومن الألم إلى الأمل، محافظة على الهوية الوطنية في مواجهة محاولات الطمس والتشويه.
وتستعيد أبو عليا مسيرة الإذاعة بوصفها صوتاً ارتبط بوجدان الفلسطينيين، مؤكدة أنها لم تؤدِ دور ناقل الأخبار فحسب، وإنما حملت حكاية شعب كامل، بكل ما فيها من وجع النكبة، ومرارة اللجوء والتشريد، وإصرار اللاجئين على التمسك بحق العودة، إلى جانب نقلها صورة الفلسطيني الساعي إلى الحرية وبناء المستقبل.
الإذاعة الشاهدة
وتوضح أبو عليا أن هذا الدور جعل الإذاعة شاهدة على مختلف المراحل الوطنية، ترافق الفلسطينيين في لحظات الألم كما في محطات الإنجاز، وتصبح جزءاً من ذاكرتهم الجمعية.
وتشير أبو عليا إلى أن عودة القيادة الفلسطينية إلى أرض الوطن فتحت أمام الإذاعة مرحلة جديدة، تجاوزت فيها دورها الإخباري لتصبح شريكاً في بناء المؤسسات الوطنية وتعزيز الوعي العام، انطلاقاً من قناعة بأن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان، وأن الإعلام الوطني مسؤول عن ترسيخ قيم الانتماء والمواطنة وصون الهوية الفلسطينية.
الرسالة الثابتة
ورغم مرور اثنين وثلاثين عاماً على انطلاق الإذاعة في الوطن، تؤكد أبو عليا أن رسالتها بقيت ثابتة، حتى وإن تغيرت الأدوات والوسائل الإعلامية.
وترى أبو عليا أن قيمة الإعلام الوطني لا تُقاس بالتطور التقني وحده، بل بقدرته على حماية السردية الفلسطينية والدفاع عن الحقيقة وصون الذاكرة الوطنية، بما يضمن نقل فلسطين إلى الأجيال المقبلة كما عاشها شعبها، لا كما يحاول الاحتلال تصويرها.
تحدي الحفاظ على الرسالة
وفي حديثها عن التحديات، تعتبر أبو عليا أن أخطر ما تواجهه الإذاعة اليوم يتمثل في الحفاظ على رسالتها وسط عالم إعلامي سريع ومتخم بالمنصات والمعلومات، وفي مواجهة محاولات تزييف الوعي وتشويه الرواية الفلسطينية.
وتشدد أبو عليا على ضرورة الجمع بين السرعة والمصداقية، وبين المهنية والالتزام الوطني، إلى جانب تطوير المحتوى الإعلامي، والاستثمار في الكفاءات الشابة، والاستفادة من التقنيات الحديثة دون التفريط بالثوابت التي قامت عليها الإذاعة.
الاحتلال التحدي الأعمق
وتؤكد أبو عليا أن الاحتلال الإسرائيلي يبقى التحدي الأعمق، بعدما استهدف الكلمة كما استهدف الإنسان، مشيرة إلى تفجير مبنى الإذاعة، واستشهاد عدد من إعلامييها في قطاع غزة والضفة الغربية أثناء أداء رسالتهم، فضلاً عن ملاحقة المراسلين وإغلاق مكتب الإذاعة في القدس المحتلة، في محاولة لإسكات الرواية الفلسطينية.
وتشير أبو عليا إلى أن "صوت فلسطين" أثبتت، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، أن الرسالة الوطنية لا تتوقف بالقصف أو الاستهداف، وأن الكلمة الحرة قادرة على البقاء ما دام هناك إعلاميون يؤمنون بأن الدفاع عن الحقيقة هو دفاع عن الوطن، وأن الإذاعة ستظل حاملة لذاكرة الشعب الفلسطيني، ومدافعة عن حقه في الحرية والاستقلال.





שתף את דעתך
"صوت فلسطين"…3 عقود من صناعة الوعي وتعزيز السردية الوطنية