ד 01 יול 2026 11:14 am - שעון ירושלים

العلاقة مع إسرائيل.. تحولات ملموسة في المزاج السياسي الأمريكي

د. حسن أيوب: أهمية التحولات تتمثل بانهيار "المحرم السياسي" الذي يمنع انتقاد إسرائيل وأصبحت حصانتها السياسية موضوعاً مشروعاً للنقاش العلني
نبهان خريشة: العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تمتلك جذوراً عميقة تعود إلى الصهيونية المسيحية وهي جزء من الوعي الديني والثقافي الأمريكي
د. رائد أبو بدوية: هذه التطورات تتجاوز كونها رد فعل على الحرب في غزة وتعكس إعادة تقييم أوسع لمكانة إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية
د. عبد المجيد سويلم: هذه التطورات تفتح الباب أمام ضغوط متزايدة على الجماعات المؤيدة لإسرائيل وقد تنعكس مستقبلاً بتراجع مستويات الدعم لها
نهاد أبو غوش: تغير المزاج الأمريكي ارتبط بتنامي القناعة بأن إسرائيل أصبحت عبئاً مالياً وسياسياً وأخلاقياً على أمريكا باعتبارها أكبر متلقٍ للمساعدات
د. أمجد بشكار: هذه التحولات تحمل أبعاداً استراتيجية بعيدة المدى ولن تقتصر آثارها على المرحلة الحالية بل قد تنعكس في الانتخابات الأمريكية المقبلة


رام الله - خاص بـ"القدس"-

 يأتي ما كشفه تقرير نشره موقع أكسيوس مؤخراً، عن مؤشرات تراجع في مستويات التأييد لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري الأمريكي، في ظل نقاش متصاعد داخل واشنطن حول طبيعة العلاقة مع تل أبيب وإعادة ضبط أولويات السياسة الخارجية، خاصة بعد تداعيات الحرب على غزة، وتزايد الانقسام داخل الرأي العام، والاستطلاعات التي رصدت تحولات ملموسة في المزاج السياسي الأمريكي بشكل عام، وامتداد ذلك داخل الحزب الجمهوري.
وبحسب كتاب ومحللين سياسيين ومختصين وأساتذة جامعات، في أحاديث مع "ے"، فإن ذلك يتزامن مع تحولات داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، حيث تتسع الانتقادات لسياسات إسرائيل، خصوصاً بين الشباب والتيارات التقدمية والتيار المحافظ المرتبط بشعار "أمريكا أولاً"، ما يعكس إعادة تعريف للعلاقة بين السياسة الأمريكية والدعم غير المشروط لإسرائيل، وتظهر استطلاعات رأي تراجعاً تدريجياً في التأييد الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.
ويوضحون أن هذه التحولات لا تعني انهيار التحالف الأمريكي الإسرائيلي، بل تشير إلى إعادة صياغة تدريجية لطبيعة العلاقة، مع استمرار الخلاف حول الأولويات الاستراتيجية، وتزايد حضور الجدل حول النفوذ السياسي والدعم العسكري داخل الحملات الانتخابية المقبلة، في ظل استمرار تأثير ملف غزة على الرأي العام.


نقاش حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل

يرى أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي د.حسن أيوب أن المواقف والتصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونائبه جي دي فانس تعكس تصاعداً نوعياً في النقاش داخل الإدارة الأمريكية بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل، لكنها لا تشير إلى افتراق استراتيجي بين الجانبين، بل إلى محاولة واضحة لإعادة ضبط أولويات القرار الأمريكي، وتأكيد أن الكلمة النهائية يجب أن تبقى لواشنطن لا للحكومة الإسرائيلية.
ويوضح أيوب أن هذا التحول يرتبط بعاملين رئيسيين؛ أولهما التحديات التي يواجهها تيار "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" (MAGA)، الذي شكّل قاعدة صعود الإدارة الحالية، بعدما بات يواجه تساؤلات متزايدة حول مدى انسجام استمرار الدعم غير المشروط لإسرائيل مع شعار "أمريكا أولاً"، وما إذا كانت إسرائيل أصبحت استثناءً من هذا الشعار بفعل نفوذ اليمين المسيحي الصهيوني والمحيطين بترمب.
أما العامل الثاني فيتمثل، بحسب أيوب، في نجاح إسرائيل بإقناع ترمب بخوض مواجهة عسكرية ضد إيران من دون شرعية أو مبررات واضحة، وهو ما أوقع الإدارة الأمريكية في مأزق سياسي واستراتيجي وأجبرها لاحقاً على البحث عن ترتيبات إقليمية جديدة.

تراجع ملموس بتأييد الجمهور الأمريكي لإسرائيل

ويشير أيوب إلى أن هذه التطورات تتزامن مع استطلاعات رأي متواصلة خلال العامين الماضيين أظهرت تراجعاً ملموساً ومستداماً في تأييد الجمهور الأمريكي لإسرائيل، بعدما امتدت هذه الظاهرة من القاعدة الديمقراطية إلى أوساط الحزب الجمهوري وشرائح عمرية وديمغرافية أوسع، الأمر الذي دفع الإدارة إلى محاولة رسم حدود أوضح للعلاقة مع الحكومة الإسرائيلية، في ظل تباين بين سعي واشنطن إلى احتواء إيران وضبط سلوكها وتقييد حلفائها، خصوصاً في لبنان، وبين إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على فرض رؤيته للشرق الأوسط عبر القوة العسكرية والحروب.

مؤشرات على انهيار "المحرم السياسي"

ويوضح أيوب أن أهمية التحولات الراهنة لا تقتصر على تراجع مستويات التأييد الشعبي لإسرائيل، بل تكمن في انهيار "المحرم السياسي" الذي كان يمنع انتقاد إسرائيل داخل الولايات المتحدة، إذ باتت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية وحجم الحصانة السياسية التي تتمتع بها إسرائيل موضوعاً مشروعاً للنقاش العلني، سواء في الإعلام أو داخل الحملات الانتخابية.
ويلفت أيوب إلى أن هذا التحول برز أيضاً في مواقف عدد من المرشحين المحتملين للانتخابات التمهيدية في الحزبين استعداداً للانتخابات النصفية المقبلة، حيث أعلن بعضهم رفضه الارتباط بما يعرف في الولايات المتحدة بالمال السياسي الذي توفره جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها منظمة "إيباك"، وهو ما حقق اختراقات انتخابية لافتة، خصوصاً داخل الحزب الديمقراطي.
ويرى أيوب ذلك بأنه قد يشكل مؤشراً على تزايد احتمالات خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية المقبلة إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

تحولات تستحق المتابعة

يعتبر الصحفي والكاتب نبهان خريشة أن التقرير الذي نشره موقع "أكسيوس" بشأن التراجع غير المسبوق في مستويات تأييد إسرائيل داخل الحزب الجمهوري الأمريكي، ولا سيما بين الأجيال الشابة، يعكس بداية تحولات تستحق المتابعة، لكنه لا يشكل مؤشراً على قرب تخلي الولايات المتحدة عن دعم إسرائيل، محذراً من المبالغة في قراءة هذه المؤشرات أو التعامل معها بوصفها تحولاً استراتيجياً في السياسة الأمريكية.
ويوضح خريشة أن أهمية هذا التطور تكمن في أنه يطال الحزب الجمهوري الذي شكّل لعقود الحاضنة السياسية الأكثر صلابة لإسرائيل، وجاء في ظل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما رافقها من مشاهد القتل والتجويع والتهجير، إلى جانب تصاعد خطاب "أمريكا أولاً" داخل التيار المحافظ، الأمر الذي ساهم في بروز تساؤلات لدى بعض الأوساط الجمهورية حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل وكلفتها على المصالح الأمريكية.

جذور فكرية وثقافية ودينية عميقة

ويشير خريشة إلى أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لا تستند إلى اعتبارات سياسية مؤقتة أو إلى نفوذ اللوبي اليهودي وحده، بل تمتلك جذوراً فكرية وثقافية ودينية عميقة تعود إلى الصهيونية المسيحية التي نشأت في أواخر القرن التاسع عشر، وهي إنتاج الصهيونية المسيحية في القرن السادس عشر في أوروبا، وتحديداً في بريطانيا، ثم انتقلت إلى أمريكا، حيث أصبحت جزءاً من الوعي الديني والثقافي الأمريكي، ومهدت لاحقاً لاحتضان المشروع الصهيوني السياسي الذي قاده تيودور هرتزل في أواخر القرن التاسع عشر.
ويؤكد خريشة أن هذه الخلفية التاريخية تفسر استمرار الدعم الواسع لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري، موضحاً أن الصهيونية المسيحية ما تزال تمثل القاعدة الانتخابية الأكبر للحزب، ويُقدر عدد المنتمين إليها بعشرات الملايين من الناخبين الذين يعتبرون الدفاع عن إسرائيل جزءاً من هويتهم الدينية والسياسية، رغم بوادر التململ التي بدأت تظهر لدى بعض الشباب الجمهوري.
ويشير خريشة إلى أن صور الدمار في غزة والانتقادات المتزايدة للحكومة الإسرائيلية أحدثت شرخاً محدوداً داخل القاعدة الجمهورية، إلا أن التحولات العميقة تحتاج إلى سنوات طويلة من التراكمات الفكرية والسياسية والإعلامية، مؤكداً أن أي تراجع جوهري في الدعم الأمريكي لإسرائيل، إن حدث، سيكون ثمرة مسار طويل يتطلب عملاً فلسطينياً وعربياً ودولياً منظماً يخاطب المجتمع الأمريكي بلغة المصالح والقيم.

خلافات نتنياهو وترمب

ويلفت خريشة إلى أن الخلافات التي ظهرت بين ترمب ونتنياهو قد تعزز بعض مظاهر التراجع داخل أوساط أنصار "أمريكا أولاً"، لكنها تبقى خلافات مرتبطة بإدارة ملفات سياسية محددة، ولا تعكس مراجعة استراتيجية لطبيعة العلاقة بين البلدين، مشدداً على أن إسرائيل ما تزال تُنظر إليها في الفكر الغربي بوصفها ركناً أساسياً في منظومة المصالح الغربية والأمريكية في الشرق الأوسط، ما يجعل الحديث عن تحول جذري في الموقف الأمريكي سابقاً لأوانه.

تحول البيئة السياسية الأمريكية

يوضح أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د.رائد أبو بدوية أن ما كشفه تقرير موقع "أكسيوس" عن تراجع غير مسبوق في تأييد إسرائيل داخل الحزب الجمهوري يمثل مؤشراً على تحول تدريجي في البيئة السياسية الأمريكية تجاه إسرائيل، مؤكداً أن هذه التطورات تتجاوز كونها رد فعل على الحرب في قطاع غزة، وتعكس إعادة تقييم أوسع لمكانة إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية.
ويوضح أبو بدوية أن أهمية التقرير تكمن في رصده تحولاً داخل الحزب الجمهوري، الذي عُرف تاريخياً بوصفه الحاضنة السياسية الأكثر ثباتاً للدعم الأمريكي لإسرائيل، مشيراً إلى أن صعود تيار "أمريكا أولاً" دفع باتجاه إعادة تعريف السياسة الخارجية وفق معيار المصلحة الأمريكية المباشرة، بدلاً من الالتزامات التاريخية أو الأيديولوجية، الأمر الذي دفع شريحة متزايدة من الجمهوريين، خاصة الشباب، إلى التساؤل حول الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية للدعم غير المشروط لإسرائيل ومدى انسجامه مع أولويات الداخل الأمريكي.

الحزب الديموقراطي والتحولات الموازية

ويبين أبو بدوية أن الحزب الديمقراطي يشهد بدوره تحولات موازية، وإن اختلفت دوافعها، حيث تعزز نفوذ التيار التقدمي وارتفعت الانتقادات للسياسات الإسرائيلية، خصوصاً بعد الحرب على غزة، مع التركيز على قضايا حقوق الإنسان والقانون الدولي، إلى جانب تصاعد المطالب بربط المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل باحترام الالتزامات القانونية والإنسانية، لافتاً إلى أن الأجيال الشابة داخل الحزب أصبحت أقل استعداداً لمنح إسرائيل دعماً غير مشروط مقارنة بالأجيال السابقة.
ويلفت أبو بدوية إلى أن الجمهوريين يعيدون تقييم العلاقة مع إسرائيل من زاوية المصلحة الأمريكية، بينما ينظر الديمقراطيون إليها من منظور القيم والالتزام بالقانون الدولي، إلا أن المسارين يلتقيان في نتيجة واحدة تتمثل في تعرض إسرائيل لضغوط متزايدة من داخل الحزبين، وهو ما تعكسه أيضاً استطلاعات الرأي التي أظهرت تراجع التعاطف الشعبي معها، ولا سيما بين الشباب، بما ينذر بانعكاسات مستقبلية على الحسابات الانتخابية وآليات صنع القرار في الولايات المتحدة.

الخلافات لا تعني انهيار التحالف

ويؤكد أبو بدوية أن الخلافات التي برزت بين ترمب ونتنياهو لا تعني انهيار التحالف بين الجانبين، وإنما تعكس تبايناً في الأولويات، إذ أصبحت الإدارة الأمريكية أكثر استعداداً للضغط على الحكومة الإسرائيلية عندما ترى أن سياساتها قد ترتب أعباء سياسية أو أمنية أو دبلوماسية على واشنطن.
ويشدد أبو بدوية على أن المؤسسات الأمريكية، والكونغرس، والتعاون العسكري والاستخباراتي، والمصالح الاستراتيجية المشتركة، ما تزال تشكل ركائز صلبة لاستمرار العلاقة، إلا أن طبيعة هذا التحالف تشهد تغيراً تدريجياً، يتمثل في الانتقال من نموذج الدعم غير المشروط إلى نموذج يرتبط فيه استمرار الدعم بمدى توافق السياسات الإسرائيلية مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية، معتبراً أن هذا التحول قد يكون الأكثر تأثيراً في مستقبل العلاقات الأمريكية الإسرائيلية منذ نهاية الحرب الباردة.

إعادة إنتاج للوعي تجاه القضية الفلسطينية

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د.عبد المجيد سويلم أن التراجع المتزايد في تأييد إسرائيل داخل الأوساط الشابة للحزب الجمهوري لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع التي يشهدها المجتمع الأمريكي، مؤكداً أن ما يجري يمثل إعادة إنتاج عميقة للوعي السياسي تجاه القضية الفلسطينية، وليس مجرد رد فعل مؤقت على الحرب في قطاع غزة أو تغيراً عابراً في المزاج العام.
ويوضح سويلم أن هذه التحولات جاءت نتيجة تراكمات رافقت الحرب على غزة، وما كشفته من مشاهد الإبادة والدمار، الأمر الذي أدى إلى إعادة النظر في السردية التقليدية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي داخل المجتمع الأمريكي، مشيراً إلى أن هذا التغير لا يقتصر على شباب الحزب الجمهوري، بل يندرج ضمن تحول أوسع في إدراك الرأي العام الأمريكي لطبيعة الصراع وتداعياته.

بلورة وعي سياسي جديد

ويبين سويلم أن الحزب الجمهوري شهد منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة نقاشاً داخلياً متصاعداً حول مدى ارتباط الحرب بالمصالح الحيوية للولايات المتحدة، وما إذا كانت تخدم الأمن القومي الأمريكي أم أنها خيضت أساساً لخدمة الحكومة الإسرائيلية ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وهو ما أسهم في بلورة وعي سياسي جديد داخل قطاع الشباب الجمهوري، تُرجم إلى ظهور شخصيات ومنصات ومؤسسات تدعو صراحة إلى تبني رؤية تنسجم مع شعار "أمريكا أولاً" وتضع المصالح الأمريكية فوق أي اعتبارات أخرى.

انقلاب فكري قد يطول الانتخابات المقبلة

ويرى سويلم أن هذا التحول تجاوز البعد العاطفي، وأصبح يعبر عن انقلاب فكري قد يمتد تأثيره إلى الانتخابات المقبلة وما بعدها، متوقعاً أن تتلاقى الأجيال الشابة داخل الحزب الجمهوري مع نظيرتها في الحزب الديمقراطي ضمن حركة اجتماعية وسياسية جديدة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي الأمريكي على المدى البعيد، معتبراً أن ما يحدث يمثل تحولاً بنيوياً يدرسه علم الاجتماع السياسي أكثر من كونه حدثاً سياسياً عابراً.
ويعتقد سويلم أن الخلافات بين ترمب ونتنياهو لا ينبغي أن تُفسر على أنها قطيعة بين الجانبين، فترمب يسعى إلى الحد من الضغوط التي يمارسها نتنياهو، في ظل اعتبارات ترتبط بإدارته وبالانتخابات المقبلة، كما أن نفوذ اللوبي الإسرائيلي وليس الصهيوني داخل الولايات المتحدة ما يزال مؤثراً.
ويشير سويلم إلى أن ترمب أبدى استياءً متزايداً بعدما اكتشف أن التقارير العسكرية والاستخباراتية التي قدمتها إسرائيل بشأن الحرب على إيران تضمنت قدراً من التضليل، وهو ما أثار امتعاض جناح "أمريكا أولاً" داخل الإدارة، حيث يرى بعض أعضائه أن المصالح الأمريكية تعرضت للتهميش لمصلحة الأهداف الإسرائيلية.
ويلفت سويلم إلى أن هذه التطورات تفتح الباب أمام ضغوط متزايدة على جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وقد تنعكس مستقبلاً في تراجع مستويات الدعم السياسي الأمريكي لها.

امتداد لمسار يتسع

يرى الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن ما كشفه موقع "أكسيوس" بشأن تراجع تأييد إسرائيل داخل الحزب الجمهوري لا يمثل ظاهرة جديدة، بل امتداداً لمسار يتسع منذ سنوات داخل المجتمع الأمريكي، شمل قطاعات مؤثرة مثل الشباب، وقواعد الحزب الديمقراطي، وشرائح متزايدة من اليهود الأمريكيين.
ويشدد أبو غوش على أن هذا التحول الشعبي لا يعني حدوث تغيير جوهري في السياسة الأمريكية، نظراً للطبيعة العضوية للعلاقة بين واشنطن وتل أبيب.

إسرائيل والدور الوظيفي بخدمة المصالح الأمريكية

ويعتقد أبو غوش أن إسرائيل تؤدي دوراً وظيفياً في خدمة المصالح الأمريكية، وهو ما يفسر استمرار الدعم الرسمي لها رغم تراجع التأييد الشعبي، مشيراً إلى أن التأثير الصهيوني يصبح أكثر حضوراً كلما اقتربنا من مراكز صنع القرار، ولا سيما في مجلسي الشيوخ والنواب ومؤسسات الدولة المؤثرة.
ويشير أبو غوش إلى أن الحرب على قطاع غزة شكلت نقطة تحول أساسية في الرأي العام الأمريكي، بعدما كشفت، عبر المشاهد المتواصلة للقتل والدمار والتجويع واستهداف المستشفيات والمدارس ودور العبادة، صورة مختلفة لإسرائيل، انتقلت فيها من الدولة التي كانت تقدم نفسها كضحية إلى دولة متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ويوضح أبو غوش أن هذه الصورة تعززت أيضاً بفعل العمليات العسكرية في الضفة الغربية ولبنان وإيران، ما رسخ لدى قطاعات واسعة الانطباع بأن إسرائيل باتت تخوض حروباً متواصلة وتدفع الولايات المتحدة إلى صراعات لا تخدم مصالحها.

إسرائيل والعبء على الولايات المتحدة

ويلفت أبو غوش إلى أن تغير المزاج الأمريكي ارتبط كذلك بتنامي القناعة بأن إسرائيل أصبحت عبئاً مالياً وسياسياً وأخلاقياً على الولايات المتحدة، باعتبارها أكبر متلقٍ للمساعدات الأمريكية، في وقت يتعارض فيه الدعم غير المحدود لها مع المبادئ التي يتلقاها الأمريكيون حول حقوق الإنسان وسيادة القانون.
ويؤكد أبو غوش أن التحولات الداخلية في إسرائيل، واتجاه المجتمع والحكومات المتعاقبة نحو اليمين المتطرف، دفعت أعداداً متزايدة من اليهود الأمريكيين إلى انتقاد السياسات الإسرائيلية، مشيراً إلى بروز شخصيات يهودية معارضة للدعم الأمريكي المفتوح لإسرائيل، إلى جانب حركات يهودية طالبت بوقف المساعدات العسكرية، كما عكس تصويت نسبة كبيرة من يهود نيويورك لصالح المرشح زهران ممداني اتجاهاً متنامياً نحو مراجعة العلاقة مع إسرائيل رغم حملات الضغط والتحريض.

كسر احتكار وسائل الإعلام التقليدية

ويشير أبو غوش إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في كسر احتكار وسائل الإعلام التقليدية، ما أتاح وصول صور الحرب في غزة مباشرة إلى الجمهور الأمريكي وأسهم في تغيير الانطباعات السائدة.
وفي ما يتعلق بالحزب الجمهوري، يوضح أبو غوش أن الخلاف يتصاعد بين تيار "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" (ماجا)، الذي يطالب بتقديم المصالح الأمريكية، وبين تيار يصفه منتقدوه بـ"لنجعل إسرائيل عظيمة" (ميجا).
ويرى أن التوتر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرتبط بتجاوز الأخير حدود الدور الذي تقبله واشنطن، بعد مساهمته في جر الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران ومحاولاته التأثير في مسار التفاهمات الأمريكية الإيرانية.
ويشير أبو غوش إلى أن ترمب يسعى إلى تأكيد أن القرار النهائي يبقى بيد الرئيس الأمريكي، وأنه سيحدد طبيعة تعامله مع أي قيادة إسرائيلية وفق ما يخدم المصالح الأمريكية.

تحول تراكمي قد تمتد آثاره للانتخابات

يوضح أستاذ العلوم السياسية د.أمجد بشكار أن التراجع في مستويات التأييد الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، ولا سيما بين فئة الشباب، يمثل تحولاً تراكمياً بدأ منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، مرجحاً أن تظهر آثاره بصورة أوضح خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مع استمرار اتساع النقاش داخل المجتمع الأمريكي حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل وأولويات السياسة الخارجية لواشنطن.
ويوضح بشكار أن الجامعات الأمريكية شكلت نقطة الانطلاق الأساسية لهذا التحول، بعدما صُدم الطلاب بما يجري في غزة، الأمر الذي أدى إلى موجة احتجاجات واسعة.
ويشير بشكار إلى أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات الأمريكية بحق المحتجين، بما في ذلك فصل عدد من الطلبة وفرض عقوبات على جامعات بارزة مثل جامعة كولومبيا، إلى جانب الخطاب المتشدد الصادر عن قيادات الحزب الجمهوري وترمب، والذي ربط انتقاد إسرائيل بمعاداة السامية، أسهمت في خلق رد فعل عكسي دفع مزيداً من الشباب إلى البحث عن الرواية الفلسطينية وفهم ما يجري في الأراضي المحتلة.
ويرى بشكار أن هذه التحولات تحمل أبعاداً استراتيجية بعيدة المدى، ولن تقتصر آثارها على المرحلة الحالية، بل قد تنعكس في الانتخابات الأمريكية المقبلة، كما قد تؤثر تدريجياً في قوة اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، معتبراً أن النتائج لن تظهر بصورة فورية، لكنها ستترك آثاراً عميقة على توجهات الشباب وشرائح أخرى من المجتمع الأمريكي.

أموال الضرائب لدعم إسرائيل

ويشير بشكار إلى أن تصاعد خطاب "أمريكا أولاً" جاء نتيجة تزايد قناعة لدى قطاعات من الأمريكيين بأن جزءاً كبيراً من أموال دافعي الضرائب يذهب لدعم إسرائيل، الأمر الذي انعكس على النقاشات داخل الحزب الجمهوري، وقد يمتد تأثيره إلى الحزب الديمقراطي والانتخابات العامة المقبلة.
ويؤكد بشكار أن الدعم الأمريكي لإسرائيل، سياسياً ولوجستياً وقانونياً، ألقى بظلاله على صورة الولايات المتحدة الدولية، لافتاً إلى أن واشنطن أضعفت المؤسسات الدولية التي أسهمت في تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية، وأظهرت ازدواجية في التعامل مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، ولا سيما في ما يتعلق بالمحاكم الدولية، وهو ما قد يرتب تداعيات استراتيجية على مكانة الولايات المتحدة وإسرائيل في النظام الدولي.

ثوابت استراتيجية بعدم التخلي عن إسرائيل

وفي ما يتعلق بالعلاقة بين ترمب ونتنياهو، يؤكد بشكار وجود خلافات حقيقية بين الطرفين، إلا أنه يشدد على أن هناك ثوابت استراتيجية تمنع الإدارة الأمريكية من التخلي عن إسرائيل.
ويرجح بشكار أن تتجه واشنطن مستقبلاً إلى إعطاء أولوية أكبر لمصالحها الداخلية، مشيراً إلى أن الحرب على إيران أظهرت أن ترتيب المصالح الإقليمية وضع المصالح الأمريكية أولاً ثم الإسرائيلية، بينما جاءت مصالح حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة في مرتبة لاحقة، وهو ما قد يدفع إلى مراجعات تدريجية في إدارة التحالفات الأمريكية مستقبلاً.

תגים

שתף את דעתך

العلاقة مع إسرائيل.. تحولات ملموسة في المزاج السياسي الأمريكي

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.