ד 01 יול 2026 9:39 am - שעון ירושלים

هل تتحول الترتيبات الأمنية اللبنانية الإسرائيلية إلى بوابة للتطبيع؟


في السياسة لا تبدأ التحولات الكبرى عادة بخطوات كبيرة، وإنما بتغييرات تبدو محدودة ومؤقتة، ثم تتحول مع مرور الوقت إلى وقائع يصعب التراجع عنها. لهذا فإن أخطر ما في الاتفاقات الأمنية ليس نصوصها المعلنة، بل ما تؤسس له من سوابق سياسية وقانونية قد تفتح الباب أمام مسارات لم يكن من الممكن تصورها قبل سنوات قليلة. وما يجري اليوم في لبنان يثير هذا النوع من الأسئلة، لأن النقاش لم يعد يدور حول وقف إطلاق النار أو تثبيت الهدوء على الحدود، وإنما حول طبيعة المرحلة التي قد تلي ذلك، وما إذا كانت الترتيبات الأمنية تتحول تدريجياً إلى مدخل لإعادة صياغة العلاقة بين لبنان وإسرائيل.
قبل سنوات كان مجرد الحديث عن مفاوضات مباشرة بين الطرفين يبدو من المحرمات السياسية. لكن مفاوضات ترسيم الحدود البحرية كسرت هذا الحاجز النفسي والسياسي، وأثبتت أن ما كان مستحيلاً يمكن أن يصبح ممكناً عندما تتغير الظروف. ولم يكن ترسيم الحدود البحرية في حد ذاته تطبيعاً، لكنه خلق سابقة أثبتت أن التواصل المباشر يمكن أن يحدث تحت عنوان تقني أو أمني، وأن كل سابقة تفتح الباب أمام سابقة جديدة.
اليوم تبدو المنطقة مختلفة تماماً عما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي. فالنظام الدولي تغير، والتوازنات الإقليمية تبدلت، والحروب لم تعد تُدار وفق قواعد الحرب الباردة، كما أن البيئة العربية نفسها لم تعد توفر للبنان الغطاء السياسي الذي كان قائماً في مراحل سابقة. وفي المقابل، تعيش إسرائيل شعوراً بأنها خرجت من الحرب وهي أكثر قدرة على فرض شروطها السياسية والأمنية، مستفيدة من التحولات الإقليمية والدعم الأميركي غير المحدود.
لهذا فإن قراءة أي اتفاق بمعزل عن ميزان القوى القائم ستكون قراءة ناقصة. فالطرف المنتصر عسكرياً، أو الذي يعتقد أنه يمتلك فائض قوة، يحاول دائماً تحويل هذا التفوق إلى مكاسب سياسية وقانونية طويلة الأمد. أما الطرف الذي يدخل المفاوضات تحت ضغط الحرب والدمار والانهيار الاقتصادي، فإنه يجد نفسه مضطراً إلى تقديم تنازلات كان يرفض مجرد مناقشتها في ظروف مختلفة.
لا يعني ذلك أن البحث عن وقف للحرب أو عن ترتيبات تمنع تجددها أمر خاطئ، فالدول مسؤولة عن حماية شعوبها وإنهاء النزاعات متى استطاعت. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإجراءات الأمنية المؤقتة إلى مسار سياسي دائم، أو عندما تصبح الاتفاقات الأمنية وسيلة لإعادة تعريف طبيعة الصراع نفسه، بحيث تنتقل من إدارة النزاع إلى إنهائه وفق شروط يفرضها طرف واحد.
ومن هنا يبرز سؤال بالغ الحساسية: ماذا يقدم كل طرف في مثل هذه الترتيبات؟ فإذا كان لبنان يقدم التزامات أمنية وسياسية وقانونية واسعة، فما هو المقابل الذي يحصل عليه؟ هل تنسحب إسرائيل من الأراضي التي لا تزال تحتلها؟ وهل تتوقف عن انتهاك السيادة اللبنانية؟ وهل تقدم ضمانات ملزمة بعدم تكرار الاعتداءات؟ أم أن المطلوب من لبنان تنفيذ التزاماته، بينما تحتفظ إسرائيل بحرية الحركة العسكرية كلما رأت ذلك مناسباً؟
إن أي اتفاق لا يقوم على مبدأ التبادل المتوازن يتحول عملياً إلى اتفاق بين طرف يلتزم وطرف يحتفظ بحق تعديل قواعد اللعبة متى شاء. وهذه ليست وصفة لبناء سلام مستقر، وإنما لإنتاج جولات جديدة من التوتر، لأن الشعور بالعدالة يشكل أحد أهم عناصر استدامة أي تسوية سياسية.
وتزداد المخاوف عندما يتردد الحديث عن ملاحق غير معلنة أو تفاهمات لا يعرف الرأي العام تفاصيلها. فالشفافية ليست ترفاً في القضايا السيادية، بل شرطاً أساسياً لشرعية أي اتفاق. أما الغموض فيفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات، ويجعل المجتمع يعيش حالة من انعدام الثقة، خصوصاً إذا كانت التسريبات تتحدث عن صلاحيات أمنية أو عسكرية تمس جوهر السيادة الوطنية.
ولا يقل خطورة عن ذلك أي حديث عن الحد من قدرة لبنان على استخدام الأدوات القانونية الدولية لملاحقة الانتهاكات الإسرائيلية. فالقانون الدولي، رغم كل عيوبه وضعف آليات إنفاذه، يبقى أحد ميادين الصراع التي لا يجوز التخلي عنها بسهولة. صحيح أن المحاكم الدولية لا توقف الحروب، لكنها تساهم في توثيق الجرائم، وتمنع طي صفحاتها سياسياً، وتوفر للدول المتضررة أدوات للدفاع عن حقوقها في المستقبل. ولذلك فإن التنازل عن هذا المسار يعني خسارة ورقة مهمة دون الحصول بالضرورة على مقابل حقيقي.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي لما يجري. فالمنطقة تعيش مرحلة إعادة تشكيل واسعة للتحالفات وموازين القوى، وكل دولة تحاول حماية مصالحها بأقل قدر ممكن من الكلفة. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الحسابات على لبنان الذي يجد نفسه في قلب صراع تتجاوز أسبابه حدوده الجغرافية. لكن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن معالجة الأزمة اللبنانية يمكن أن تتم عبر إعادة إنتاج الوصايات الخارجية أو استدعاء تدخلات جديدة تحت عناوين مختلفة. فالتجارب السابقة أثبتت أن كل تدخل يبدأ تحت شعار مؤقت، ينتهي غالباً إلى واقع طويل الأمد يصعب التخلص منه.
إن التاريخ لا يعيد نفسه بصورة متطابقة، لكنه يعيد إنتاج كثير من أنماطه عندما تتشابه الظروف. ولهذا فإن استحضار تجارب الماضي ليس بهدف استنساخها، وإنما لتجنب أخطائها. فالدول التي تخرج من الحروب تكون أكثر عرضة لاتخاذ قرارات استثنائية تحت ضغط الخوف والإرهاق، بينما تحتاج في الحقيقة إلى أعلى درجات التروي، لأن القرارات التي تُتخذ بعد الحروب غالباً ما ترسم ملامح العقود التالية.
كما أن المعارضة السياسية، إذا كانت ترى أن هناك اتفاقاً يمس السيادة أو ينتقص من الحقوق الوطنية، لا يكفيها إصدار البيانات أو تسجيل المواقف الإعلامية. فالعمل السياسي الحقيقي يتم داخل المؤسسات الدستورية، عبر النقاش والمساءلة واستخدام الأدوات القانونية والبرلمانية لتعديل الاتفاقات أو رفضها إذا لزم الأمر. أما الاكتفاء بالشعارات، فلا يغير شيئاً في الوقائع التي تُصنع على الأرض.
وفي جميع الأحوال، لا يمكن لأي دولة أن تبني استقراراً دائماً على أساس اختلال ميزان الحقوق والواجبات. فالاتفاقات التي تولد تحت ضغط القوة قد تنجح في وقف إطلاق النار، لكنها لا تنجح بالضرورة في بناء سلام مستدام. والسلام الحقيقي لا يقوم على فرض الإرادة، ولا على شرعنة الأمر الواقع، وإنما على توازن الالتزامات واحترام السيادة والحقوق المتبادلة.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تمثل الترتيبات الأمنية الحالية بين لبنان وإسرائيل خطوة نحو استقرار طويل الأمد، أم أنها مجرد محطة انتقالية في مسار أوسع يعيد رسم طبيعة الصراع في المنطقة؟ الإجابة لن تحددها النصوص وحدها، وإنما الوقائع التي ستتكشف خلال السنوات المقبلة، ومدى قدرة اللبنانيين على حماية مصالح دولتهم، ومنع أن تتحول التنازلات المؤقتة إلى حقائق دائمة يصعب التراجع عنها.

תגים

שתף את דעתך

هل تتحول الترتيبات الأمنية اللبنانية الإسرائيلية إلى بوابة للتطبيع؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.