كشفت مصادر مطلعة ومتابعة لملف تشكيل مجلس الشعب السوري عن عقد سلسلة من الاجتماعات المغلقة والمكثفة في العاصمة دمشق، قادتها لجنة متخصصة برئاسة محمد طه الأحمد. استهدفت هذه اللقاءات، التي جرت في مقر وزارة الخارجية بحي كفر سوسة، مقابلة أكثر من مئة مرشح ومرشحة من خلفيات سياسية واجتماعية وقومية متنوعة، تمهيداً لاختيار القائمة النهائية التي سيعينها رئيس الجمهورية.
تأتي هذه التحركات في إطار استكمال هيكلية مجلس الشعب الذي يتألف، وفق النظام الانتخابي المؤقت، من 210 أعضاء، حيث يتم انتخاب 140 منهم عبر صناديق الاقتراع، بينما يمنح الإعلان الدستوري رئيس الجمهورية صلاحية تعيين السبعين عضواً المتبقين. وتهدف هذه الآلية إلى ضمان التمثيل العادل للكفاءات والمكونات التي قد لا تجد طريقها للمجلس عبر التنافس الانتخابي المباشر.
شملت قائمة الشخصيات التي تمت مقابلتها أكاديميين وحقوقيين وناشطين، بالإضافة إلى وجهاء عشائريين وممثلين عن قوى سياسية كانت محسوبة سابقاً على المعارضة. ومن أبرز الأسماء المتداولة في أروقة المشاورات، المعارض البارز معاذ الخطيب والفنان جمال سليمان، إلى جانب قيادات من المكونين الكردي والآثوري، في محاولة لرسم لوحة تمثيلية شاملة للمجتمع السوري.
أفادت مصادر بأن اللجنة المشرفة، التي ضمت وزير العدل مظهر الويس والأمين العام للمجلس محمد حمزة شموط، ركزت في أسئلتها على الخبرات المهنية للمرشحين ومدى قبولهم في بيئاتهم المحلية. وحرصت اللجنة على إبقاء هذه المداولات بعيداً عن الأضواء، حيث طُلب من المشاركين التزام الكتمان الشديد حول مضمون النقاشات لضمان سلاسة عملية الاختيار النهائي.
يسعى الرئيس أحمد الشرع من خلال قائمته المرتقبة إلى تعزيز حضور المرأة في المؤسسة التشريعية، حيث تشير التوقعات إلى حسم اختيار حنان البلخي، العضو السابق في الائتلاف المعارض. كما تهدف القائمة إلى معالجة الفجوات التي تركتها الانتخابات في بعض المناطق، لا سيما في ظل بقاء مقاعد محافظة السويداء شاغرة حتى الآن نتيجة الظروف المحلية.
المقاعد السبعين ستُستخدم لسد جوانب النقص التي أظهرتها النتائج الانتخابية، ولا سيما في تمثيل النساء والمكونات القومية والدينية.
بالتوازي مع عملية التعيين، بدأ سباق محموم خلف الكواليس للظفر بمنصب رئيس مجلس الشعب، حيث برز تكتلان أساسيان يعتمدان على الثقل المناطقي. يضم التكتل الأول ممثلي محافظة حلب وريفها الذين يشكلون الكتلة العددية الأكبر، بينما يستند التكتل الثاني إلى أعضاء دمشق وريفها الذين يستفيدون من قربهم من مراكز القرار السياسي في العاصمة.
تتجه الأنظار نحو محمد طه الأحمد كمرشح قوي يحظى بدعم دوائر واسعة لتولي رئاسة المجلس، نظراً لخبرته الإدارية والسياسية السابقة. ومع ذلك، يبرز اسم وزير العدل مظهر الويس كخيار بديل قد يحظى بتوافق أوسع بين الكتل المتنافسة، خاصة في ظل رغبة البعض في إيجاد شخصية قادرة على موازنة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
يرى مراقبون أن الأعضاء السبعين الذين سيعينهم الرئيس سيمثلون بيضة القبان في حسم هوية رئيس المجلس وتشكيل مكتبه الدائم ولجانه الأساسية. فمن المتوقع أن تصب أصوات هذه الكتلة في صالح المرشح الذي تراه القيادة الأنسب لقيادة المرحلة الانتقالية، مما يقلل من احتمالات حدوث انقسامات حادة داخل القبة التشريعية.
تتزايد التساؤلات حول المعايير النهائية التي ستعتمدها رئاسة الجمهورية في اختيار الأسماء، خاصة مع وجود شخصيات مثيرة للجدل أو مرتبطة بعلاقات إقليمية معقدة. فوجود أسماء مثل منذر سراس، المعروف بعلاقاته مع أنقرة، يعكس رغبة في انفتاح المجلس على مختلف الملفات السياسية والدولية التي تهم الدولة السورية في مرحلة إعادة البناء.
في نهاية المطاف، سيمثل إعلان قائمة الرئيس الاختبار الحقيقي لمدى جدية التوجه نحو تمثيل وطني شامل يتجاوز الاصطفافات التقليدية. وسيكون على المجلس الجديد مواجهة تحديات تشريعية جسيمة، تبدأ من صياغة القوانين الناظمة للمرحلة المقبلة، وصولاً إلى ممارسة دور رقابي فعال على أداء الحكومة في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد.





שתף את דעתך
كواليس المشاورات السرية لتشكيل مجلس الشعب السوري: قائمة الرئيس وصراع الرئاسة