دخلت العلاقة بين الفاتيكان والبيت الأبيض نفقاً مظلماً من التوتر غير المسبوق، حيث يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في مواجهة مباشرة مع البابا ليو الرابع عشر. هذا الصدام الذي تجاوز الأعراف الدبلوماسية، جاء على خلفية انتقادات حادة وجهها الحبر الأعظم لسياسات الإدارة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالتهديدات العسكرية الموجهة ضد إيران وقضايا التعامل مع المهاجرين والفقراء.
البابا ليو الرابع عشر، المعروف سابقاً بالكاردينال روبرت فرانسيس بريفوست، هو ابن مدينة شيكاغو وأول بابا ينحدر من رهبانية القديس أغسطينوس. ومنذ انتخابه في مايو الماضي كحبر أعظم رقم 267، تبنى نهجاً إصلاحياً يمتد لمسيرة سلفه البابا فرنسيس، مركزاً على العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، وهو ما وضعه في مسار تصادمي مع عقلية إدارة ترامب المنفلتة.
بدأت شرارة الخلاف تشتعل عندما انتقد البابا تصريحات نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، مؤكداً أن تصنيف محبة الآخرين يتنافى مع تعاليم المسيح. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليشمل انتقاد عمليات الترحيل القسري التي تنفذها الإدارة الأمريكية، معتبراً أن هذه الإجراءات تفتقر إلى الروح الإنسانية التي يجب أن تسود المجتمع الدولي.
تصاعدت حدة المواجهة بشكل دراماتيكي بعد وصف البابا لتهديدات ترامب بـ 'إبادة حضارة كاملة' في إيران بأنها 'غير مقبولة على الإطلاق'. هذا الموقف الأخلاقي الصارم دفع ترامب للرد بهجوم شخصي، واصفاً البابا بأنه 'ضعيف' وفاشل في فهم السياسة الخارجية، بل وذهب إلى حد التشكيك في شرعية وصوله إلى سدة البابوية، مدعياً أن نفوذه هو من أوصله للفاتيكان.
وفي رد صريح وحازم، رفض البابا ليو الرابع عشر كافة مظاهر العنف والظلم، مؤكداً في خطاب من شرفة كاتدرائية القديس بطرس أن 'الله ليس مع المتسلطين'. ودعا الحبر الأعظم إلى بناء جسور الحوار بدلاً من قرع طبول الحرب، مشدداً على ضرورة التوقف عن عبادة الذات والمال واستعراض القوة التي تؤدي إلى تدمير الشعوب.
ولم تخلُ الأزمة من مشاهد غريبة، حيث قام ترامب بنشر صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي على منصته 'تروث سوشيال' تظهره في هيئة قريبة من السيد المسيح، قبل أن يحذفها لاحقاً. هذه الخطوة أثارت موجة من الاستياء داخل الأوساط الكنسية، حيث اعتبرها مراقبون محاولة لتوظيف الرموز الدينية في معارك سياسية وانتخابية ضيقة.
من جانبه، أعرب رئيس مؤتمر الأساقفة الكاثوليك في الولايات المتحدة، بول كوكلي، عن خيبة أمله العميقة تجاه تصريحات ترامب المسيئة للمكانة الدينية للبابا. وأكدت مصادر كنسية أن هذه الإساءات لا تمس شخص البابا فحسب، بل تمس ملايين الكاثوليك الذين يرون في الفاتيكان مرجعية أخلاقية وروحية عليا لا يجوز إقحامها في المهاترات السياسية.
الله ليس مع الأشرار ولا مع المتسلطين ولا مع المتكبرين.. كفى زجاً باسم الرب في خطابات الموت.
في المقابل، حاول نائب الرئيس جيه دي فانس الدفاع عن موقف الإدارة، مطالباً الفاتيكان بالتركيز على القضايا الأخلاقية البحتة وترك السياسة للحكومات. غير أن هذا الدفاع لم يقلل من حجم الارتباك داخل الحزب الجمهوري، الذي يخشى فقدان دعم الكتلة الكاثوليكية الوازنة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر المقبل.
وتشير تقارير صحفية دولية إلى أن هذا الصدام تحول إلى 'زلزال سياسي' يضرب القواعد التقليدية لليمين الديني في أمريكا. فالحساسية العالية للصوت الكاثوليكي، خاصة في الولايات المتأرجحة، تجعل من هجوم ترامب على البابا مغامرة غير محسوبة العواقب قد تكلفه الكثير في صناديق الاقتراع.
البابا ليو الرابع عشر، الذي يتقن عدة لغات ويمتلك خلفية أكاديمية في الرياضيات والقانون الكنسي، أثبت قدرة كبيرة على إدارة الأزمات بهدوء وحزم. ومنذ توليه منصبه، حرص على إرساء أسس 'العقيدة الاجتماعية' التي تناصر العمال والفقراء، مستلهماً نهج البابا ليو الثالث عشر الذي حكم في نهاية القرن التاسع عشر.
تأتي هذه الأزمة في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأمريكي من ضغوط متزايدة وارتفاع في أسعار الطاقة نتيجة التوترات المتصاعدة مع طهران. ويرى محللون أن إصرار ترامب على التصعيد مع الفاتيكان يضيف بعداً أخلاقياً للأزمة الاقتصادية، مما يضع الناخب الأمريكي أمام خيارات صعبة بين الولاء الحزبي والمبادئ الدينية.
أفادت مصادر مطلعة بأن نشطاء كاثوليك بارزين، كانوا في السابق جزءاً من لجان الحريات الدينية في إدارة ترامب، بدأوا بالتعبير عن امتعاضهم العلني من سلوك الرئيس. هذا التحول في المواقف يشكل إرباكاً حقيقياً للماكينة الانتخابية الجمهورية التي تعتمد بشكل كبير على حشد المتدينين خلف مرشحيها.
إن الصراع الحالي بين البيت الأبيض والفاتيكان لم يعد مجرد خلاف حول مفهوم 'الحرب العادلة' أو السياسات العامة، بل أصبح مواجهة حول القيم الأساسية. فبينما يدعو البابا إلى 'بناء الجسور' والوحدة بين الشعوب، يبدو أن إدارة ترامب تصر على نهج المواجهة والعزلة الدولية، حتى لو كان ذلك على حساب علاقتها مع أكبر مؤسسة دينية في العالم.
يبقى السؤال المطروح في الدوائر السياسية بواشنطن: هل سينجح ترامب في احتواء غضب الناخبين الكاثوليك قبل فوات الأوان؟ المؤشرات الحالية تدل على أن البابا ليو الرابع عشر، بصمته الهادئ وتصريحاته الموزونة، قد وضع الرئيس الأمريكي بالفعل أمام أصعب مأزق انتخابي يواجهه منذ دخوله المعترك السياسي.





שתף את דעתך
زلزال سياسي بين الفاتيكان وواشنطن: البابا ليو الرابع عشر يضع ترامب في مأزق انتخابي