أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات تقديراً استراتيجياً جديداً يحمل الرقم (143)، أعده الباحث محمد مكرم بلعاوي، لتسليط الضوء على الموقف الصيني المعقد تجاه المواجهة القائمة بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران. وينطلق التقرير من رؤية مفادها أن بكين لا تكتفي بمراقبة الأزمة كحدث إقليمي عابر، بل تتعامل معها كاختبار حقيقي لمكانتها الدولية ومصالحها الحيوية.
تتحرك الصين في هذا الملف مدفوعة بثلاثة محددات جوهرية تتمثل في ضمان تدفق إمدادات الطاقة، وحماية مشاريعها الجيوسياسية الكبرى، وإدارة صراع القوة المحتدم مع واشنطن. وتبرز إيران في هذه المعادلة كحليف استراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه، ليس فقط لكونها مورداً رئيساً للنفط، بل لتموضعها كعقدة وصل حيوية في مبادرة الحزام والطريق.
تسعى بكين من خلال تعزيز علاقتها بطهران إلى إيجاد ممرات برية بديلة تقلل من اعتمادها التاريخي على المسارات البحرية التي يهيمن عليها النفوذ الغربي، وتحديداً مضيق ملقا. وبناءً على ذلك، فإن أي محاولة لزعزعة استقرار الدولة الإيرانية تُعد تهديداً مباشراً للأمن القومي الصيني ورؤيتها لإعادة رسم خرائط التجارة العالمية.
على الرغم من هذا الانحياز الاستراتيجي، تنتهج الصين سياسة توازن دقيقة للغاية تهدف إلى الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية المتشعبة مع دول الخليج العربي وقنوات التعاون مع إسرائيل. هذا التوازن يفرض على صانع القرار في بكين العمل على منع انهيار إيران دون الدخول في صدام عسكري مباشر ومفتوح مع الولايات المتحدة.
يوضح التقدير الاستراتيجي أن الدعم الصيني لإيران يتخذ طابعاً غير مباشر، حيث تستمر بكين في شراء النفط الإيراني رغم العقوبات الدولية المشددة. كما قامت بتفعيل أدوات مالية مبتكرة مثل نظام الدفع الصيني (CIPS) ليكون بديلاً عن نظام 'سويفت' العالمي، مما يمنح طهران متنفساً اقتصادياً بعيداً عن الهيمنة الدولارية.
دبلوماسياً، تقود الصين حراكاً نشطاً داخل أروقة مجلس الأمن الدولي لقطع الطريق أمام أي قرارات تشرعن الضربات الاستباقية أو تهدف إلى تغيير الأنظمة بالقوة. وتخشى بكين أن تتحول مثل هذه التحركات إلى سوابق قانونية دولية قد تُستخدم ضدها مستقبلاً في ملفات حساسة مثل تايوان أو نزاعات بحر الصين الجنوبي.
تعمل بكين أيضاً على تدويل الأزمة الإيرانية عبر منصات دولية بديلة مثل مجموعة 'بريكس' ومنظمة شنغهاي للتعاون، وذلك بهدف حشد موقف دولي موحد ضد العقوبات الأحادية. هذا التوجه يعزز من خطاب 'الجنوب العالمي' الذي تتبناه الصين لمواجهة ما تصفه بالهيمنة القطبية الواحدة التي تمارسها واشنطن وحلفاؤها.
الصين تنظر إلى الحرب كفرصة استراتيجية لاستنزاف الولايات المتحدة وتشتيت تركيزها بعيداً عن شرق آسيا، بما يخدم طموحها في الانتقال نحو نظام متعدد الأقطاب.
على الصعيد العملياتي والتقني، يكشف التقدير عن تقديم الصين دعماً استخباراتياً وتكنولوجياً متطوراً للجانب الإيراني، يشمل مجالات الأمن السيبراني الحساسة. كما تتيح بكين لطهران استخدام نظام الملاحة الفضائية 'بيدو' (Beidou)، وهو ما يعزز القدرات الدفاعية الإيرانية دون الحاجة لانخراط عسكري صيني مباشر على الأرض.
يرى التقرير أن الصين تجد في استمرار حالة التوتر الحالية فرصة لاستنزاف الموارد الأمريكية وتشتيت انتباه واشنطن عن منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ. هذا الاستنزاف يخدم الطموح الصيني طويل الأمد في تسريع وتيرة التحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب ينهي التفرد الأمريكي بالقرار العالمي.
فيما يخص السيناريوهات المستقبلية، يرجح التقدير أن تواصل الصين نهج 'الصعود الحذر'، طالما ظلت المواجهة العسكرية ضمن حدود السيطرة الحالية. وبموجب هذا السيناريو، ستستمر بكين في تقديم المظلة الاقتصادية والدبلوماسية لطهران مع مراقبة التطورات الميدانية بدقة متناهية لتجنب أي مفاجآت استراتيجية.
يشير التقدير إلى وجود 'خطوط حمراء' صينية واضحة، أهمها منع سقوط النظام الإيراني أو تعرض بنيته النفطية لدمار شامل قد يقطع إمدادات الطاقة. وفي حال تجاوزت الهجمات الإسرائيلية أو الأمريكية هذه الخطوط، قد تضطر بكين لرفع مستوى تدخلها التقني والاستخباراتي إلى مستويات غير مسبوقة لحماية مصالحها.
يبقى الانخراط الاستراتيجي الأوسع، بما في ذلك الوجود البحري الصيني في مضيق هرمز أو حماية خطوط الطاقة بالقوة، خياراً مطروحاً في حال حدوث تهديد وجودي للمصالح الصينية. ومع ذلك، يظل هذا الخيار مرتبطاً بمدى التصعيد الأمريكي وقدرة طهران على الصمود في وجه الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة.
يخلص مركز الزيتونة في تقديره إلى أن الموقف الصيني يمثل عاملاً مركزياً في تحديد مآلات الصراع في الشرق الأوسط، وقدرة إيران على المناورة. إن السياسة الصينية التي تمزج بين الحذر والمناورة الاستراتيجية قد تؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة تشكيل موازين القوى ليس في المنطقة فحسب، بل في النظام الدولي برمته.
ختاماً، يؤكد التقرير أن بكين تدرك تماماً أن معركة إيران هي جزء من صراع أكبر على شكل العالم القادم، ولذلك فإنها لن تسمح بهزيمة استراتيجية لطهران. إن هذا الالتزام الصيني، وإن كان مغلفاً بالدبلوماسية والاقتصاد، يمثل حائط صد حقيقي أمام الطموحات الأمريكية والإسرائيلية في إعادة صياغة المنطقة بالقوة.





שתף את דעתך
تقدير استراتيجي: كيف تدير بكين توازنات الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران؟