يقف لبنان اليوم على حافة جرف تاريخي يعيد إلى الأذهان ذكريات الانقسامات الكبرى، حيث تتشابك التعقيدات الجغرافية والسياسية مع إرث الحرب الأهلية الذي لا يزال يلقي بظلاله على المشهد العام. وتأتي هذه التطورات في ظل مناخ إقليمي مضطرب، تتقاطع فيه نيران الحروب المفتوحة مع مساعي الوصول إلى تسويات سياسية لم تكتمل ملامحها بعد.
برزت في الآونة الأخيرة إشارات سياسية ثقيلة تضمنها خطاب الرئيس اللبناني جوزيف عون، والذي ركز على آليات إدارة المرحلة التي تلي الحرب الأخيرة. وتتزايد التكهنات حول ترتيبات دولية قد تشمل لقاءات مع أطراف فاعلة، من بينها الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، لبحث سبل إغلاق الجبهة العسكرية التي استنزفت البلاد.
لقد خلفت العمليات العسكرية الأخيرة فاتورة باهظة من الدماء والدمار، حيث سقط مئات الشهداء والجرحى، واضطر مئات الآلاف من اللبنانيين للنزوح عن ديارهم. هذا الواقع المأساوي يضع الدولة أمام تحديات إنسانية واجتماعية تفوق قدراتها الحالية، ويعمق من جراح الذاكرة الوطنية المثقلة بالتهجير.
في قلب هذا المشهد، تبرز قضية السلاح غير الخاضع لسلطة الدولة كواحدة من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في الداخل اللبناني. ويُنظر إلى سلاح حزب الله ليس فقط كأداة عسكرية، بل كمعادلة سياسية تمس جوهر التوازنات التي استقر عليها النظام اللبناني منذ اتفاق الطائف.
ينقسم اللبنانيون في رؤيتهم لهذا الملف؛ فبينما يرى فريق أن احتكار الدولة للسلاح هو الشرط الأساسي لبناء سيادة حقيقية، يخشى فريق آخر من أن نزع السلاح قد يخل بتوازن الردع أمام التهديدات الخارجية. هذا الانقسام يحول الملف من إجراء أمني تنظيمي إلى عقدة وجودية ترتبط بالهوية والمصير.
على الصعيد التاريخي والاجتماعي، يمثل المكون الشيعي جزءاً أصيلاً من النسيج اللبناني، حيث يمتد حضوره في جبل عامل والبقاع والجنوب لقرون طويلة. ولا يمكن اختزال الروابط بين شيعة لبنان والمحيط الإقليمي في أبعاد سياسية عابرة، بل هي امتداد لتفاعل معرفي ومذهبي ضارب في القدم.
تشير القراءات الفكرية إلى أن علماء جبل عامل كان لهم دور ريادي في صياغة وتطوير الفكر الشيعي في مراحل تاريخية سابقة، مما يعكس عمق التأثير اللبناني في المحيط. ومع ذلك، يتم أحياناً توظيف هذا البعد التاريخي في السجالات السياسية الراهنة لتعميق الفجوات بين المكونات الطائفية المختلفة.
لبنان اليوم لا يواجه فقط اختبار إعادة الإعمار بعد حرب مدمرة، بل اختبار إعادة تعريف ذاته كدولة سيادية.
تتصاعد المخاوف في الأوساط السياسية من انزلاق لبنان نحو نموذج 'الدولة منقوصة السيادة'، وهو ما يشبهه البعض بتجربة السلطة الوطنية الفلسطينية. هذا النموذج يختزل دور الدولة في إدارة الأزمات اليومية وتوفير الخدمات، بينما تظل القرارات السيادية والأمنية الكبرى رهينة التوافقات والضغوط الخارجية.
إن الترتيبات المرتبطة باتفاقات وقف إطلاق النار والتسويات الإقليمية قد تعيد تشكيل وظيفة الدولة اللبنانية بدلاً من تقويتها. ويخشى مراقبون أن تؤدي هذه الصيغ الرمادية إلى استقرار هش يضبط التناقضات مؤقتاً دون تقديم حلول جذرية للأزمات البنيوية التي تعاني منها البلاد.
يواجه لبنان اليوم اختباراً مصيرياً يتجاوز حدود إعادة الإعمار المادي للمناطق المدمرة، ليصل إلى ضرورة إعادة تعريف الهوية الوطنية. السؤال الجوهري يبقى حول قدرة المؤسسات اللبنانية على احتكار القرار والسلاح، أم أن البلاد ستبقى ساحة لتجاذب الإرادات الدولية والإقليمية.
رغم قتامة المشهد السياسي، تظل الذاكرة الثقافية والفنية للبنان صمام أمان يحفظ الهوية من التحلل، حيث لعب الفن الملتزم دوراً بارزاً في توثيق المقاومة. أصوات فيروز ومارسيل خليفة وأحمد قعبور لم تكن مجرد ترف، بل كانت وثائق حية تحفظ أسماء الغائبين وتعيد صياغة الوجع كفعل صمود.
لبنان الذي صمد في وجه حصار بيروت ومجازر صبرا وشاتيلا، يثبت في كل مرة أنه عصي على الانكسار أو النسيان. إن ذاكرة الدم حين تتحول إلى وعي جمعي، تصبح هي الهوية الحقيقية التي تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة والتسويات العابرة التي تحاول اختصار الوطن.
يرتبط الجرح اللبناني ارتباطاً عضوياً بالقضية الفلسطينية، حيث يمثل الجنوب اللبناني امتداداً طبيعياً وجغرافياً لشمال فلسطين المحتلة. هذا التداخل يتجاوز الحدود المصطنعة، ليتجلى في وحدة الألم والمصير بين غزة وبيروت، وفي قصص الأمهات اللواتي ينتظرن عودة الغائبين.
في نهاية المطاف، يبقى المشهد اللبناني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بين استقرار تفرضه التسويات أو انفجار تعيده الهواجس. لكن الثابت الوحيد هو أن ما كُتب بالدم في تاريخ هذا البلد لا يمكن أن تمحوه الأيام، وأن الذاكرة الوطنية ستظل هي البوصلة في مواجهة الهاوية.





שתף את דעתך
لبنان بين مطرقة التسويات الإقليمية وسندان الهوية الوطنية