كرّس رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مكانته كأحد أبرز الوجوه السياسية في تيار اليسار العالمي، مستفيداً من سلسلة مواجهات دبلوماسية حادة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتأتي هذه المكانة في وقت تستعد فيه مدينة برشلونة لاستضافة قمة دولية كبرى للتقدميين، تهدف إلى تعزيز جبهة موحدة ضد صعود اليمين المتطرف في أوروبا والعالم.
ويبرز سانشيز كحالة استثنائية في القارة الأوروبية التي شهدت انزياحاً ملحوظاً نحو اليمين خلال السنوات الأخيرة، حيث يتبنى سياسات هجرة منفتحة ومواقف اجتماعية تقدمية. وقد ساهمت مشاداته المتكررة مع الإدارة الأمريكية الحالية في تحويله إلى رمز للمقاومة السياسية ضد النهج الذي يمثله ترامب في الساحة الدولية.
وفي أحدث فصول التوتر مع واشنطن، أبدى سانشيز معارضة قاطعة لأي عمل عسكري ضد إيران، رافضاً السماح للقوات الأمريكية باستخدام القواعد العسكرية الموجودة على الأراضي الإسبانية. هذا الموقف دفع ترامب للتلويح بفرض عقوبات تجارية على مدريد، إلا أن الحكومة الإسبانية تمسكت بقرارها السيادي الرافض للتصعيد العسكري في المنطقة.
وعلى صعيد القضية الفلسطينية، يُعد سانشيز من القادة الغربيين القلائل الذين استخدموا مصطلح 'إبادة جماعية' لوصف العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة. وقد تجاوزت مواقفه التصريحات الإعلامية لتصل إلى خطوات دبلوماسية عملية، كان أبرزها الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في مايو 2024، في خطوة هزت الأوساط السياسية الأوروبية.
ويرى مراقبون أن إسبانيا، بفضل عضويتها في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، منحت مواقفها وزناً استراتيجياً يفوق دولاً أخرى اتخذت خطوات مشابهة. وأكد خبراء في معهد 'ريال إلكانو' بمدريد أن هذه السياسة الخارجية الجريئة منحت إسبانيا ريادة وتأثيراً ملموساً، خاصة في العالم العربي وأمريكا اللاتينية.
وتشير تقارير صحفية دولية إلى أن سانشيز بات يُعرف في أروقة الصحافة العالمية بـ 'خصم ترامب اللدود في أوروبا'، وهو وصف يعكس حجم الفجوة الأيديولوجية بين الطرفين. وقد استغل سانشيز رئاسته لمنظمة 'الاشتراكية الدولية' لنشر رؤيته السياسية عبر كبريات الصحف العالمية، محذراً من تداعيات السياسات الشعبوية على الاستقرار العالمي.
ومن المقرر أن تشهد قمة 'التعبئة التقدمية العالمية' في برشلونة حضوراً رفيع المستوى يضم الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا والرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم. وتهدف هذه القمة إلى صياغة استراتيجية مشتركة للأحزاب اليسارية لمواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية، وتقديم بديل إنساني للسياسات اليمينية المتشددة التي تجتاح العالم.
يجب علينا نحن، الأحزاب والحكومات التقدمية أن نتحد ونحمل نظرة إيجابية وإنسانية تتجاوز حدودنا وسياساتنا الداخلية.
وخلال زيارته الأخيرة إلى الصين، شدد سانشيز على ضرورة اتحاد الحكومات التقدمية لتقديم رؤية تتجاوز المصالح الوطنية الضيقة وتنتصر للقيم الإنسانية المشتركة. واعتبر أن التحديات الراهنة تتطلب تنسيقاً دولياً غير مسبوق لحماية المكتسبات الديمقراطية والاجتماعية التي باتت مهددة في ظل الاستقطاب العالمي الراهن.
ورغم النجاحات الخارجية، يواجه سانشيز انتقادات لاذعة من المعارضة اليمينية في الداخل الإسباني، التي تتهمه باستخدام السياسة الخارجية كأداة للهروب من الأزمات المحلية. ويتهم الحزب الشعبي المعارض رئيس الوزراء بمحاولة صرف الأنظار عن تحقيقات فساد تطال بعض المقربين منه عبر افتعال معارك دبلوماسية مع واشنطن.
وتشير استطلاعات الرأي المحلية إلى أن غالبية الشعب الإسباني، بما في ذلك قطاعات من ناخبي المعارضة، تؤيد مواقف سانشيز الرافضة للحروب والداعمة للحقوق الفلسطينية. ففي استطلاع حديث، أعرب أكثر من ثلثي الإسبان عن دعمهم لقرار الحكومة بعدم الانخراط في أي صراع عسكري ضد إيران، مما يعزز موقف سانشيز الشعبي.
ويرى أكاديميون في جامعة برشلونة أن سانشيز يلعب ورقة السياسة الخارجية بذكاء، كونه يدرك أن هذا المجال يمنحه مساحة للحركة بعيداً عن تعقيدات البرلمان الإسباني المنقسم. فمنذ توليه السلطة في 2018، عانى سانشيز من غياب الأغلبية المريحة، مما جعل من إنجازاته الدولية وسيلة لتعزيز شرعيته السياسية في الداخل.
ومع ذلك، يحذر بعض المحللين من أن هذه الاستراتيجية قد تؤدي إلى عزل إسبانيا عن حلفائها التقليديين في أوروبا الذين تقودهم حكومات يمينية، مثل إيطاليا وألمانيا. إلا أن التقديرات السائدة داخل الحكومة الإسبانية تشير إلى أن المكاسب السياسية والدبلوماسية من قيادة التيار التقدمي تفوق بكثير المخاطر المحتملة.
إن تحول مدريد إلى مركز ثقل لليسار العالمي يعكس طموح سانشيز في إعادة صياغة دور إسبانيا كلاعب محوري في القضايا الدولية الكبرى. ولم يعد الأمر يقتصر على الشأن الأوروبي، بل امتد ليشمل صياغة مواقف حازمة تجاه قضايا الشرق الأوسط والعلاقات مع القوى العظمى، مما يجعله رقماً صعباً في المعادلة الدولية.
وفي الختام، تظل تجربة بيدرو سانشيز نموذجاً لكيفية استثمار الأزمات الدولية لبناء زعامة سياسية عابرة للحدود، رغم التحديات الداخلية الجسيمة. وسيكون لنتائج قمة برشلونة المرتقبة دور حاسم في تحديد مدى قدرة هذا التيار التقدمي على الصمود في وجه الموجة اليمينية التي يقودها ترامب وحلفاؤه عالمياً.





שתף את דעתך
بيدرو سانشيز.. كيف تحول رئيس وزراء إسبانيا إلى 'رأس حربة' اليسار العالمي في مواجهة ترامب؟