واشنطن – سعيد عريقات – 31/3/2026
دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثلاثاء عدداً من الدول الحليفة إلى التوجه نحو مضيق هرمز و"الاستيلاء عليه ببساطة"، في تصريح أثار تساؤلات واسعة حول واقعيته وتداعياته الاستراتيجية. وجاءت هذه الدعوة في سياق انتقاد ترامب لدول لم تشارك في الضربات المنسقة ضد إيران، معتبراً أنها تتحمل الآن تبعات عجزها عن تأمين إمدادات الطاقة، لا سيما وقود الطائرات.
وفي منشور عبر منصة ترووث سوشال Truth Social"، اقترح ترمب على تلك الدول – مثل المملكة المتحدة التي رفضت المشاركة في الحرب وفق قوله - خيارين: شراء النفط من الولايات المتحدة، أو التحرك عسكرياً نحو المضيق لضمان تدفق الإمدادات بنفسها. وذهب أبعد من ذلك حين دعا هذه الدول إلى "تعلم القتال دفاعاً عن نفسها"، مشيراً إلى أن واشنطن قد لا تكون مستعدة مستقبلاً لتقديم الدعم كما في السابق. كما اعتبر أن "إيران تم سحقها"، في توصيف يعكس رؤية تبسيطية لصراع بالغ التعقيد.
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يومياً. وتتحكم إيران بساحل طويل على الجانب الشمالي للمضيق، بينما تشرف سلطنة عُمان على الجانب الجنوبي، ما يجعل أي محاولة للسيطرة عليه عسكرياً محفوفة بمخاطر جيوسياسية وعسكرية هائلة. تاريخياً، كان المضيق نقطة توتر دائمة، خصوصاً خلال "حرب الناقلات" في ثمانينيات القرن الماضي، وكذلك في الأزمات المتكررة بين طهران وواشنطن.
وتنبع صعوبة السيطرة على المضيق من طبيعته الجغرافية الضيقة، إذ لا يتجاوز عرضه في بعض مناطقه 33 كيلومتراً، مع ممرات ملاحة محددة لا تزيد عن بضعة كيلومترات لكل اتجاه. هذا الواقع يمنح إيران أفضلية تكتيكية عبر استخدام الزوارق السريعة، والألغام البحرية، والصواريخ الساحلية، وهي أدوات قادرة على تعطيل الملاحة دون الحاجة إلى مواجهة تقليدية واسعة النطاق. كما أن أي تصعيد عسكري في هذه المنطقة سيؤدي على الأرجح إلى اضطراب عالمي في أسواق الطاقة، وارتفاع حاد في الأسعار، ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الدولي.
وتعكس تصريحات ترامب تحوّلاً في الخطاب الأمريكي من قيادة تحالفات دولية إلى تبني مقاربة أكثر فردانية تقوم على تقاسم الأعباء أو حتى التخلي عنها. هذا التحول لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى إعادة تعريف دور الولايات المتحدة كضامن للأمن العالمي. في هذا السياق، تبدو الدعوة إلى "الاستيلاء" على مضيق هرمز وكأنها محاولة لإعادة توزيع المسؤوليات بالقوة، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن تراجع في الالتزام الأمريكي التقليدي بحماية طرق التجارة الدولية.
من الناحية العسكرية، يُعد مضيق هرمز مثالاً كلاسيكياً على "حرب المناطق الضيقة"، حيث تتفوق الاستراتيجيات غير المتكافئة على القوة التقليدية. فحتى القوى البحرية الكبرى ستواجه صعوبة في تأمين الملاحة بشكل كامل في ظل تهديدات منخفضة الكلفة وعالية التأثير. هذا يعني أن أي محاولة "للسيطرة" على المضيق لن تكون عملية حاسمة وسريعة، بل ستتحول إلى استنزاف طويل الأمد، يرفع من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع تشمل أطرافاً متعددة.
سياسياً، يحمل الخطاب دلالات تتجاوز اللحظة الراهنة، إذ يعكس اتجاهاً نحو شرعنة استخدام القوة خارج الأطر القانونية الدولية. الدعوة إلى السيطرة على ممر مائي دولي دون غطاء قانوني واضح تمثل سابقة خطيرة، قد تفتح الباب أمام قوى أخرى لتبني سلوك مشابه في مناطق مختلفة من العالم. وبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد يؤدي ذلك إلى تقويض ما تبقى من نظام دولي قائم على القواعد، واستبداله بمنطق النفوذ والقدرة على الفرض.
وتكشف تصريحات ترامب عن فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والواقع الجيوستراتيجي. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر يمكن "أخذه ببساطة"، بل عقدة معقدة تتداخل فيها الجغرافيا مع المصالح الدولية، وأي محاولة للتعامل معه بمنطق القوة المباشرة قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.





שתף את דעתך
ترمب يدعو الدول المتضررة للسيطرة على مضيق هرمز بالقوة