ב 30 מרץ 2026 3:57 am - שעון ירושלים

جدلية الدولة والمشروع: كيف تُدار موازين القوى في الشرق الأوسط؟

تكمن المعضلة الجوهرية في منطقة الشرق الأوسط في غياب المرجعية الحاكمة لتحركات الدول، حيث لا يرتبط السلوك السياسي بموازين القوى المادية فحسب، بل بمدى وجود مشروع استراتيجي يحدد الاتجاه. إن التساؤل المحوري الذي يفرض نفسه اليوم ليس عما تفعله الدول، بل عمن يملك سلطة التوجيه؛ هل الدولة هي التي تصيغ مشروعها، أم أن المشروع هو الذي يعيد تشكيل الدولة؟

في النموذج الإيراني، تبرز الدولة كأداة تنفيذية لمشروع أيديولوجي سبق وجودها المؤسسي وحدد وظائفها بدقة. لقد أرست الثورة الإيرانية تصوراً حاكماً يجعل من الدولة وسيلة لتحقيق غايات دينية وسياسية عابرة للحدود، وهو ما تم تقنينه في الدستور الذي منح الدولة دوراً يتجاوز إطارها الوطني التقليدي.

يتجلى هذا الانصهار بين الدولة والمشروع في هيكلية السلطة الإيرانية، حيث يوجد مركز قرار علوي يهيمن على كافة المؤسسات التنفيذية والتشريعية. هذا البناء يسمح بوجود أجهزة موازية مثل الحرس الثوري، الذي يعمل بقدرات عسكرية واقتصادية مستقلة تهدف لحماية الثورة واستمراريتها خارج الحدود الجغرافية للدولة.

إن استعداد طهران لتحمل أثمان اقتصادية باهظة دون تغيير مساراتها الاستراتيجية يؤكد أن القرار لا يُبنى على مصالح الدولة الضيقة. بل يتحرك الفاعل الإيراني ضمن رؤية تهدف لإعادة تشكيل النظام الإقليمي برمته، مما يجعل الدولة تتحرك في فلك المشروع وليس العكس.

على النقيض من ذلك، يقدم النموذج الإسرائيلي حالة مغايرة، فبالرغم من أن المشروع الصهيوني كان سابقاً للدولة، إلا أنه تحول لاحقاً إلى عنصر ضمن منظومة مؤسسية قوية. لقد نجحت الدولة العبرية في استيعاب المشروع وإعادة تعريفه وفقاً لمتطلبات الواقع والقدرة المتاحة، مما جعل الفكرة خاضعة لضبط المؤسسة.

تعتمد عملية اتخاذ القرار في إسرائيل على تقديرات دقيقة للكلفة والعائد، حيث تتشابك المؤسسات الأمنية والعسكرية مع قطاعات الاقتصاد والتكنولوجيا. هذا الترابط يمنح الدولة مرونة عالية في تعديل سلوكها الخارجي بما يضمن استدامتها، دون أن تنجرف خلف الدوافع الأيديولوجية الصرفة التي قد تهدد استقرارها.

في هذا السياق، يظل الصراع الإقليمي بالنسبة لإسرائيل خاضعاً للإدارة وليس مفتوحاً على احتمالات انتحارية. لقد تحول المشروع من مرجعية عليا مطلقة إلى أداة وظيفية داخل الدولة، مما يعزز قدرتها على المناورة ضمن توازنات القوة الدولية والإقليمية دون المساس بكيانها المؤسسي.

أما في الحالة العربية، فيبرز نمط ثالث يتسم بغياب المشروع الأصيل والعمل في فراغ مفاهيمي واسع. هنا لا تصارع الدولة مشروعاً ولا تقوده، بل تتحول إلى جهاز بيروقراطي وأمني يركز طاقته القصوى على هدف وحيد وهو الحفاظ على بقاء النظام القائم واستمراريته.

تشير القراءات السياسية إلى أن الدولة العربية في كثير من نماذجها تعاني من تضخم في أدوات السيطرة الداخلية مقابل ضعف حاد في إنتاج القرار الاستراتيجي. هذا الخلل البنيوي جعلها عرضة للاختراق الخارجي، وربط تحركاتها بتوازنات دولية تفرض عليها حدود الحركة وهوامش المناورة.

في ظل هذا الفراغ، لا يُنتج القرار من رحم المصالح الوطنية العليا، بل يُدار وفق الظروف الضاغطة والأولويات التي تُفرض من الخارج. الدولة هنا لا تعرّف موقعها في الإقليم، بل يتم تعريف دورها من قبل القوى الفاعلة الأخرى، مما يحولها إلى ساحة لتصارع المشاريع الأجنبية.

إن غياب الإطار القيمي الحاكم للدولة العربية لا يترك فراغاً محايداً، بل يفتح الباب لإعادة توظيف مقدراتها ضمن ترتيبات إقليمية لا تشارك في صنعها. في هذه الحالة، تفقد الدولة قدرتها على المبادرة وتكتفي برد الفعل، مما يجعلها فاعلاً ثانوياً في معادلات المنطقة المعقدة.

ينتهي التحليل إلى أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بترسانتها العسكرية، بل بقدرتها على إنتاج إطار قيمي يوجه حركتها ويحمي سيادتها. الدولة التي يقودها مشروع واضح تدخل الصراعات وهي تدرك أهدافها، بينما الدولة التي تضبط مشروعها تنجو من الاستنزاف المستمر لمواردها.

أما الدول التي تفتقر للإطار الحاكم، فإنها تجد نفسها منخرطة في صراعات لم تختر توقيتها أو مكانها، وتدفع أثماناً باهظة دون تحقيق مكاسب استراتيجية. إن فقدان السيادة في هذا المنظور ليس نتاج هزيمة عسكرية فحسب، بل هو نتيجة العجز عن تعريف الدور الوطني المستقل.

في الختام، يبقى السؤال الجوهري في الإقليم معلقاً حول القدرة على امتلاك الإرادة السياسية قبل أن تُفرض المسارات. السيادة الحقيقية تكمن في القدرة على تحديد الاتجاهات واتخاذ القرارات السيادية، قبل أن تتحول الدولة إلى مجرد مدير للأزمات التي يفرضها الآخرون عليها.

תגים

שתף את דעתך

جدلية الدولة والمشروع: كيف تُدار موازين القوى في الشرق الأوسط؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.