يعد كتاب 'أزمة الخليج، العرب وإيران: وهم الصراع ووهم الوفاق' للمفكر فهمي هويدي، مرجعاً مهماً في فهم تعقيدات العلاقة بين ضفتي الخليج. الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى مطلع التسعينيات، جاء نتاج رصد دقيق لمحطات الصراع الكبرى، محاولاً تفكيك السرديات السائدة حول العداء التاريخي والجغرافي.
يرتكز تحليل هويدي على أن منطقة الشرق الأوسط تقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية هي مصر وتركيا وإيران، بينما يتشكل توازن القوى في الخليج من مثلث السعودية والعراق وإيران. هذا التوصيف يجعل من طهران قاسماً مشتركاً لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن أي ترتيبات أمنية أو سياسية في المنطقة.
ويذهب الكاتب إلى أن جوهر الخلاف القائم ليس طائفياً بين السنة والشيعة كما يروج البعض، بل هو صراع سياسي بامتياز على النفوذ والمصالح. ويرى أن الأنظمة السياسية غالباً ما تستدعي التاريخ وتلبسه ثوباً دينياً لتعبئة الجماهير وتبرير الصدامات العسكرية، مستشهداً بتوظيف مصطلحات مثل 'القادسية' و'المجوس'.
في مفهوم 'وهم الصراع'، يحذر هويدي من خطورة الإيمان بحتمية الحرب الدائمة، معتبراً أن هذا التصور يصب في مصلحة القوى الخارجية والمشروع الصهيوني. إن استنزاف مقدرات المنطقة في حروب صفرية يمنع شعوبها من تحقيق التنمية والاستقرار المستدام الذي تنشده الأجيال القادمة.
وعلى النقيض، يطرح الكاتب مفهوم 'وهم الوفاق' لينتقد النظرة العاطفية السطحية التي تتجاهل الملفات الاستراتيجية العالقة. فالتصالح الحقيقي لا يتم بالتغافل عن قضايا مثل احتلال الجزر أو التدخل في الشؤون الداخلية عبر الوكلاء، بل بمواجهتها بوضوح فوق طاولة المفاوضات.
يتناول الكتاب أيضاً العمق التاريخي للعلاقة المصرية الإيرانية، مشيراً إلى أنها تمتد لقرون طويلة قبل الميلاد مرورا بالعصور الإسلامية المختلفة. ويؤكد أن هذه العلاقة شهدت فترات من التقارب الفكري، كان أبرزها قرار شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت بالاعتراف بالمذهب الجعفري.
ويشدد هويدي على حقيقة جغرافية ثابتة وهي أن إيران بلد جار لا يمكن إلغاؤه أو القفز فوق وجوده في المنطقة. لذا فإن أي محاولة لتحقيق الأمن في الخليج عبر استبعاد إيران أو التحالف ضدها مع قوى دولية غريبة لن تؤدي إلا إلى مزيد من التوتر.
إن التسليم بأبدية الصراع الصفري وحتمية الحرب فكرة خطيرة تخدم المشروع الصهيوني أكثر مما تخدم شعوب المنطقة.
شكلت الثورة الإيرانية عام 1979 نقطة تحول جذري، حيث انتقلت الدولة من دور 'الشرطي' الحليف للغرب إلى قوة ثورية تسعى لتغيير الخارطة الإقليمية. هذا التحول أثار مخاوف عميقة لدى الجانب العربي، مما أدى إلى اتساع الفجوة وتعميق حالة الريبة المتبادلة بين الطرفين.
ورغم أن الكتاب لم يواكب الأحداث الأخيرة في سوريا واليمن والعراق، إلا أن إطاره التحليلي يظل صالحاً لفهم الدوافع القومية والإسلامية لإيران. فلكل وجه من وجوه الدولة الإيرانية مشروعه الخاص الذي يتطلب من العرب فهماً دقيقاً للتعامل مع تداعياته الميدانية والسياسية.
يرى الكاتب أن الحل يكمن في تبني مقاربة 'التعايش المصلحي'، وهي ضرورة تفرضها الجغرافيا والتاريخ المشترك. هذا المسار يتطلب شجاعة في الانتقال من عقلية إدارة الصراع المستمر إلى عقلية إدارة المصالح المتبادلة التي تضمن حقوق كافة الأطراف.
إن تحجيم البعد الطائفي يعد خطوة أساسية في هذا الطريق، وذلك عبر التوقف عن شحن النفوس مذهبياً والتركيز على القضايا القانونية والسياسية. فالخلافات حول الحدود والنفوذ هي مسائل قابلة للتفاوض والحل، بخلاف النزاعات العقدية التي لا تنتهي.
ويؤكد هويدي على ضرورة امتلاك إرادة سياسية مستقلة بعيداً عن التدخلات الدولية التي تقتات على استمرار النزاع العربي الإيراني. فالقوى الكبرى غالباً ما تجد في هذا الصراع سوقاً للسلاح وذريعة لفرض الوصاية على مقدرات المنطقة وشعوبها.
يتميز أسلوب فهمي هويدي في هذا الكتاب بالجهد المضني في جمع المعلومات وتبويبها بعيداً عن العشوائية أو الانحياز الأعمى. فهو يحترم عقل القارئ ويقدم مادة فكرية دسمة تستوجب المطالعة والتأمل، حتى وإن اختلف البعض مع بعض استنتاجاته النهائية.
في الختام، يظل الكتاب صرخة في وادٍ يدعو للعقلانية والواقعية السياسية في منطقة أرهقتها الحروب. إن بناء نظام أمن إقليمي شامل يشارك فيه الجميع هو السبيل الوحيد لضمان استقرار الشرق الأوسط بعيداً عن أوهام الصراع والوفاق الزائف.





שתף את דעתך
بين وهم الصراع ووهم الوفاق: قراءة في رؤية فهمي هويدي للعلاقات العربية الإيرانية